ماذا بعد التدخل الروسي في سوريا؟ … قراءة جيوسياسية لموازين القوى

0

لا شك أن التدخل الروسي في سوريا أتى في مرحلة بلغ فيها ضعف النظام أقصى درجاته منذ اندلاع الثورة في العام 2011 وحتى يومنا هذا.

إذ كان واضحا قبل عدة أشهر أن بشار الأسد، عندما اعترف بالضعف الذي اعترى جيشه بعد سقوط مدينة إدلب، كان يطلب من حلفائه أحد أمرين؛ إما زيادة الدعم له، أو مخرجا آمنا.

 

لكن دخول الدب الروسي بهذه القوة يعقد أي حل مفترض لتسوية سياسية للأزمة على عكس ما تنحو بعض التحليلات، كما يجعل من عملية تغيير الستاتيكو القائم على الأرض أكثر كلفة وصعوبة لاعتبارات عسكرية وسياسية كثيرة.

من جهة النظام، فإن التدخل الروسي المباشر، أتى لمنع انهيار دراماتيكي محتمل للنظام ومؤسساته،كما أن المعدات الروسية التي تصل النظام والعسكريين الروس -الذين تفيد بعض التقارير باندماجهم ضمن وحدات الجيش النظامي كمستشارين ومدربين- تعزز من دور روسيا في إدراة العمليات على الأرض، وتحسين خطوط الإمداد اللوجستي للنظام، بعد أن بات جيشه ينتشر على مساحة واسعة تتجاوز ما يستطيعه ضمن قدراته الحالية، كما تساهم عمليات الطيران الروسي -التي تجعل من داعش هدفا ثانويا لها-  في تعزيز وضع النظام على خطوط التماس، وإضعاف معارضيه، مما يعزز موقفه في أي مفاوضات محتملة.

وفي نفس الإطار، فإن روسيا باتت تملك أكثر من أي وقت مضى مزيدا من أوراق الضغط على الأسد، وهي بذلك تقدم نفسها شريكا دوليا ولاعبا شرق أوسطيا لا غنى عنه للحل، بصورة أرادت أن تبدو فيها كندٍّ للولايات يتمتع برصيد دولي إيجابي، وذلك بعد قدرتها على حل مسألة الملف الكيماوي السوري سلميا عام 2013.

 

لكن ماذا تريد روسيا في مقابل هذا التدخل المكلف في مرحلة يئن فيها اقتصادها تحت وطأة العقوبات وانهيار أسعار النفط؟

صحيح أن ضمان نفوذ روسيا في جيب مستقر نسبيا على الساحل السوري، أو بما بات يعرف بسوريا المفيدة، يؤمن لها قاعدة متقدمة على المتوسط في المياه الدافئة، هي الوحيدة خارج أراضي الدب الروسي بعد ضم القرم وميناء سيفاسبول. لكن ذلك على أهميته الاستراتيجية لا يشكل أمرا ملحا لصانع القرار الروسي في هذا الوقت بالذات، بل على العكس فإن الصراع على أوكرانيا يعتبر التهديد الاستراتيجي الأكبر لروسيا، طبعا إلى جانب الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن ملفي العقوبات الأمريكية والأوروبية في الظروف الحالية، وبالتالي، فإن الانخراط القوي والمباشر لروسيا في المسألة السورية يعزز من قدرتها على ربط الملفات الثلاثة، ويرفع ثمن رأس الأسد لدى الروس. بمعنى أن أي تسوية في سوريا يريدها الأمريكان للتركيز على داعش، ويريدها الأوروبيون للتخفيف من ضغط اللاجئين واحتواء ملف الإرهاب، يجب أن تمر عبر تفاهمات في الملفين الآخرين.

ذلك تماماً ما أرادته روسيا، لكن الجواب الأمريكي لم يتأخر، إذ رفضت الأخيرة بحث القضايا في سلة واحدة، ويأتي هذا الموقف الأمريكي في مرحلة تعتبر فيها الولايات المتحدة اللاعب الأضعف في سوريا.

فبعد فشل برنامج تدريب وتجهيز القوة السورية والذي لم ينتج عنه سوى بضع عشرات من المقاتلين، تم تعليقه حتى إشعار آخر. كما أن كتائب الجيش الحر التي تتبع برنامج تدريب وتجهيز من السي آي إيه قد تعرضت بدورها لقصف من الطيران الروسي دون أن يحرك الأمريكيون ساكنا. وبالأخذ بعين الاعتبار، أن لا مصالح مباشرة للولايات المتحدة في سوريا سوى احتواء داعش والقضاء عليها، والتي يمكن القيام  عبر طيران التحالف العربي الدولي القيام بها، فإن مزيدا من الدعم لفصائل وحدات حماية الشعب الكردية قد يدفع نحو توتير العلاقات بين أنقرة وواشنطن.

 

إن سنوات من غياب استراتيجية واضحة لإدارة أوباما في سوريا، نتج عنه اليوم تضاؤل أوراق أمريكا في سوريا، وليس من المبالغة القول بأنها حاليا أقل اللاعبين نفوذا في ذلك البلد. ذلك إلى جانب غياب مصالح جوهرية لها في البلاد، والدخول الروسي إلى سوريا واستراتيجته بربط الملفات (ليس الربط جديدا لكنه أخذ منحى آخر بعد الانخراط الروسي في الأزمة السورية)، يعني أن رأس الأسد يرتبط بملفات معقدة خارج الحدود السورية، وليس من المتوقع توفر أي حلول قريبة لها، وبالتالي فإن المساعي نحو حل سياسي يضمن تنحيه قد أصبح صعبا أكثر من أي وقت مضى.

إذا كان ذلك هو المأزق على مستوى القوى العظمى، فمن المنطقي أن تعيد القوى الإقليمية -والتي لا ينفك يغضبها تعاطي الأمريكيين مع المسألة السورية منذ اندلاع الثورة وحتى اليوم- ترتيب حساباتها، سيما أن لها وعليها مصالح وتهديدات مباشرة مما يحصل في سوريا و العراق. لكن في هذه المرحلة بالذات، فإن طرح الأسئلة أكثر حكمة من استسهال الإجابات. فهل من الممكن أن تدفع الأحداث، تركيا و السعودية إلى تحييد التنافس و الذهاب نحو قدر أعلى من التنسيق، كما حدث في إدلب، للضغط على النظام؟ أم أنها ستتجه في نهاية الأمر نحو تسوية تميل نحو النسخة الروسية من الحل؟

 

من البديهي، أن التدخل الروسي ينضوي على استفزاز كبير لتركيا، ويعرقل مشروع منطقة حظر الطيران المزمع إنشاؤها بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إذ أن الأخيرة تحتاج الآن لدرس خطواتها التصعيدية ، لتجنب تماس مباشر مع القوات روسية. كما أن السعودية، التي قد تفضل النفوذ الروسي على النفوذ الإيراني في سوريا، تخشى من استهداف الفصائل التي تدعمها وتضاؤل خياراتها للضغط على النظام بعد الدخول القوي لموسكو.

يبدو للوهلة الأولى أن تنسيقا بين السعوديين و الأتراك، أمر لا مفر منه وأن فيه مصالح مشتركة للطرفين، لكن المشكلة كانت منذ سنوات ولاتزال، إضافة على التنافس السعودي التركي على الزعامة السنية للمنطقة، أن الطرفين إذ يجتمعان على إسقاط الأسد، تتضارب مصالحهما في مرحلة ما بعد إسقاطه، ومن الصعب أن يجمعهما مشروع واحد. وقد يبدو أن للسعوديين مصلحة بدخول الروس لاحتواء النفوذ الإيراني، عدوهم الرئيس، لكن حلفاء الأسد متفقون حاليا على دعم نظام الأسد وإطالة أمده. وبالتالي فإن موسكو وطهران ستنهجان فيما بينهما منهج التعاون كما هو الحال في ملفات أخرى كثيرة، أي لن يجري الأمر كثيرا باتجاه مصالح الرياض. بل على العكس، فإن السعودية التي حاولت في الفترة الأخيرة أن تطور علاقاتها مع روسيا، كنتيجة للانسحاب الأمريكي من المنطقة وعدم انسجام مصالحها مع حليفها الرئيس، قد تجد نفسها أمام حالة من تضاؤل الخيارات في شأن تصعيدها ضد النظام. وصحيح أنها لم تخف رغبتها بزيادة الدعم للمعارضة، وأن المسافة المتزايدة بينها وبين واشنطن تجعلها بحل من بعض الالتزامات، وقد تدفع نحو حلول تزويد المعارضة بأسلحة نوعية كمضادات الطيران، إلا أن تلك الخطوة مستبعدة جدا نظرا لتحليق طيران روسي في الأجواء السورية.

لا يوجد أمام أنقرة و الرياض، في غياب التنسيق فيما بينهم، سوى زيادة دعم حلفائهم على الأرض، وهو أمر لا يعتقد أن يساهم بتغيير دراماتيكي كما هو مرجو. لكن يبدو أن للسعودية فرصا أكبر إن هي كثفت الدعم للجبهة الجنوبية، واستطاعت الأخيرة فتح خط إمداد للغوطة الغربية وبالتالي تهديد العاصمة بشكل مباشر.

وبما يخص إسرائيل، فإن الأخيرة غير معنية بأكثر من حرية الحركة في الأجواء السورية لتدمير خطوط إمداد حزب الله بأسلحة إيرانية عبر سوريا، وقد نسقت مواقفها مع الروس عبر مكتب مشترك. وفي النهاية، تفضل حكومة تل أبيب أسدا ضعيفا على فوضى معممة في جارتها الشمالية، أو حكم سني متشدد.

 

إن تشابك المصالح الإقليمية المتضاربة وكثرة اللاعبين، يجعل من الأزمة السورية شأنا بالغ التعقيد، بسبب عدم إمكانية تنسيق مصالح إيران و السعودية في سوريا من جهة، والتنافس السعودي التركي على نفس الأرض. واليوم وبعد الانخراط الروسي المباشر، فإن البعد الدولي المتعاظم، على الرغم من كونه حاضرا دائما، يزيد المسألة تعقيدا. ولا يبدو أن هناك ما يمكن أن يجمع الروس و الأمريكان على طاولة واحدة سوا الأوروبيين، إن هم قرروا مزيدا من التعاون مع روسيا نتيجة إرسالها لكثير من الأشارات الأيجابية بما يتعلق بالأزمة الأوكرانية.

وأمام كل هذه المعوقات، تتضاءل يوما بعد يوم فرص الحل السياسي، وتطول الأزمة، وقد تقترب من النسخة الروسية للحل. خصوصا أن الأمريكيين لا يملكون اليوم سوا الرقص على إيقاع الضربات الروسية في سوريا إن هم لم يقرروا التصعيد، وهو أمر مستبعد كما أسلفنا. بيد أن ذلك لا يعني أن الطريق بات مفتوحا أمام إسقاط النظام بالقوة، فلذلك أيضا تعقيداته الكثيرة على الأرض، عدا عن كلفته البشرية و المادية. والأهم أنه سيحول سوريا من بلد يتوزع نصف عدد سكانه تقريبا بين نازح ولاجئ، إلى بلد مدمر تدميرا شبه كلي في مدنه الرئيسية، وغالبية شعبه بلا مأوى ولا أمل ولا مستقبل. لكن، مرة أخرى، ماذا إن هددت دمشق تهديدا حقيقيا؟ لا أعتقد حينها أن إيران وروسيا قد تكونان قادرتين على منع سقوط نظام الأسد، أو منع تراجعه مهزوما نحو الساحل، وقد تكون تلك ورقة الضغط الأخيرة المتبقية بيد المعارضة للدفع نحو تسوية ما.

السوري الجديد_طريف الخياط

 

قد يعجبك ايضا