مجرَّد عود ثقاب في وجه صخرة متدحرجة .. كيفَ ستنعكس زيادة الرواتب على السوريين؟

الاتحاد برس

إعداد: حسّان الشيخ _ دمشق

رفعت حكومة دمشق، مَعْرِضَ الأسبوع الماضي، رواتب موظَّفي الدولة بنسبة 50% بعدما كان لا يتجاوز متوسِّط راتب الموظّف الحكومي في سوريا 50 ألف ليرة ( 18 دولار) ليصبح متوسِّط الراتب بعدَ القرار 75 ألف ليرة (27 دولار)؛ وهو ما لا يكفي لشراء مكوّنات عشرة وجبات غذاء.

جاءت هذه الزيادة في الرواتب بالتزامن مع رفع الحكومة سعر ليتر البنزين إلى 500 ليرة (0،2 دولار) بعدما كان بـ190 ليرة، إضافة إلى رفع ثمن ربطة الخبز إلى 200 ليرة بعدما كانت بـ100 ليرة.

وصفَ كثير من السوريين هذه القرارات بـ”الهزلية” والـ”التبنيجيّة” وأنّ هدفها الرئيسي كان رفع الدعم جزئياً عن المواد الرئيسية ممّا يعني زيادةً إجمالية لسعر ما تبقّى من السلع التي تعتمد أساساً على هذه المواد بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وبالتالي زيادة في منسوب الفقر والبطالة الذي كان وصل خلال السنوات العشر الماضية إلى معدّلات غير مسبوقة. فكيف يستجيب السوريين إلى هذه المستجدّات؟ وما هي التداعيات المتوقّعة لهذه القرارات الحكومية على الاقتصاد والمواطن السوري؟

“إذا لم نأكل سوى البطاطا والخبز يومياً فلن يكفي الراتب”

كثيرة هي العوائل السورية التي اعتزلت أكل اللحوم الحمراء والبيضاء واعتمدت في قوت يومها على الخبز والبقوليات والخضراوات وغيرها ممّا توفّره الأسواق بالأسعار المقبولة، وعائلة حمزة (30 عاماً)، واحدة من تلك العائلات التي تعاني أشدّ ضروب الفقر بسبب تردّي الأوضاع المعيشية في البلاد. يحكي حمزة عن هذه المعاناة للاتحاد برس:

” إنّ راتبي من وظيفي في مؤسّسة الكهرباء 60 ألف ليرة، وأصبح بعد هذه الزيادة 90 ألفاً، لديّ ثلاثة أبناء وجميعهم في لا يزالون صغاراً في المدرسة ولهم احتياجاتهم، ادفع إيجاراً للمنزل 40 ألفاً فيبقى معي خمسين، وهذه الخمسين ألف لا تكفينا لأسبوعٍ؛ فأصبح ثمن ربطة الخبز 200 أيّ 6000 ليرة شهرياً وكيلو البطاطا بـ1300 ليرة، وإذا الم نأكل غير البطاطا في الشهر فإنّنا نكون قد صرفنا كلّ الراتب.”

يعمل حمزة أحياناً كمرافقٍ لسائق شحن بضائع على طرفات السفر فيتكسَّب بعض الزيادات يتمكَّن من خلالها دفع بعض الفواتير والمصاريف المنزلية الأخرى، ولكنّه دائماً ما يكون مديوناً مع نهاية الشهر.

أمّا شادي (43 عاماً)، سائق تاكسي، فيعتبر هذه الزيادة بمثابة عبء إضافي على القطّاعات الخاصّة التي لم يعد بوسعها تحمّل زيادة أسعار المواد الرئيسية، فيقول: ” لقد كانت الزبائن تهرب عندما تسمع بأرقام كـ6 و7 آلاف للطلب ضمن دمشق أو من ريفها وإليها والعكس، أمّا الآن فمن المستحيل أن تفكِّر حتّى بإيقافنا للسؤال، فأنا أقولها لك .. سيتضاعف هذا الرقم مرّتين وثلاثة نسبةً إلى الارتفاع الحادّ في سعر البينزين ولن يتمكَّن بذلك أحداً في البلاد من الصعود بتاكسي.”

في حين تعتبر فاطمة (46 عاماً)، موظّفة في محلّ للألبسة في دمشق، أنّ هذه الزيادة كانت لتكون مفيدة لولا الارتفاع الجنوني التي شهدتهُ السلع الأساسية في الأسواق، تقول: ” إنّ ثمن كيلو الجبنة قد تضاعف فكان بستة آلاف ليرة وأصبح ب12 ألف وهذا حال البيض واللبنة والخضار، في حين أنّ السلع الثانوية أصبحت حلماً بعيد المنال، فعلبة الدخان ارتفع ثمنها من 1100 ليرة إلى 3200 في غضون أسابيع وهي الحال مع ما تبقّى من السلع.. فكيف نعيش؟”

“مجرَّد عود ثقاب بوجه صخرة متدحرجة!”

لمعرفة التداعيات المتوقّعة لهذه الزيادة وما خلفها تواصلنا مع رشوان (اسم مستعار)، باحث ومحلّل اقتصادي من جامعة دمشق، يتحدَّث رشوان للاتحاد برس عن طبيعة هذه الزيادة والتوقيت بالقول: ” لقد زادت الأعباء على الحكومة في دمشق ولم تعد قادرة على تحمّل تكلفة الخسارة في دعمها للسلع الرئيسية كالمحروقات والخبز والغاز، ولذلك كان لا بدّ من إيجاد مخرج عبر قرارٍ كالذي أُقرّ حيث يكون بإمكان الحكومة رفع سعر هذه المواد على كلّ السوريين بينما تمنح زيادة في الراتب لجزء منهم فقط .. وهم الموظَّفون الحكوميون وبذلك تكون قادرةً جبر بعض الخسارة.”

يضيف رشوان:

” ولكن تبقى هذه الخطوة الحكومية مجرَّد محاولة سيتبيَّن عمّا قريب أنّها مجرَّد عود ثقاب في وجه صخرة متدحرجة؛ فالبنية الاقتصادية السورية مدمّرة تماماً سيّما مع غياب الثروات النفطية ووجود العقوبات الأمريكية والفساد المستشري وما إلى هنالك من تكلفة الحرب التي لا تزال تُدفع للقوى الأجنبية التي “ساعدت” في استقرار الوضع جزئياً”.

وعن الضرّر المقدَّر إلحاقه بالقطّاعات الخاصّة يقول رشوان: ” إنّ أبرز المتضرّرين من هذه الزيادة هم العاملون والمستفيدون بشكل أو بآخر من القطّاعات الخاصّة من نقل وتجارة وصناعة، فإنّ الارتفاع الذي شهدته مادّة البينزين سيحتّم على العاملين في هذه القطّاعات زيادة أسعار سلعهم لتصل للضعف والضعفين؛ فكيف يمكن لمصنع أن يولِّد الكهرباء بكلفة تزيد 200% عمّا كانت عليه دون أن ينعكس ذلك على سلعتهُ المُنتجة؟ .. هذا غير ممكن ومنه قس على ما تبقّى من القطّاعات التي تستعمل هذه المادّة وغيرها في عملية إنتاجها.”

يتابع رشوان: ” هذا سيضاعف أسعار السلع وسيؤدّي بالضرورة إلى ضعف بالقوة الشرائية لدى جميع طبقات المجتمع السوري بمن فيهم الموظَّفين أنفسهم؛ وبالتالي سيكون لدينا زيادة في أعداد من هم تحت خطّ الفقر في البلاد وسنضطرّ إلى ابتداع خطّ فقرٍ يمكننا القياس معهُ، لأنّ خط الفقر العالمي قد تجاوزناه منذ العام 2015.”

إذاً، وبحسب المؤشّرات والمعطيات، لن تنزل هذه الزيادة على السوريين برداً وسلاماً ولكنّها مجرّد مقدِّمة لانهيار اقتصادي قد تشهده البلاد إذا ما استمرّ الأداء الحكومي على حالهِ بين سوء إدارة واستهتارٍ غير مسؤول بقوت السوريين ومعيشتهم.

قد يعجبك ايضا