محمّد أركون .. المفكِّر العربي الذي حُرم من الرُقاد بسلام لأنّه دعا للتنوير!

الاتحاد برس
محمّد خيّاط

لقد كان محمّد أركون، المتوفَّى عن عمر ناهز 82 عاماً، من أكثر العلماء الأصيلين في مجال الدراسات الإسلامية؛ حيث يلخَّص عنوان عمله المركزي في عام 1984 “نقد العقل الإسلامي” طبيعة مشروعه العلمي والفكري، فمنذ وقت مبكّر جدّاً انجذب أركون إلى المُثُل الفلسفية والفكرية لعصر التنوير والمثل السياسية والاجتماعية للثورة الفرنسية، وهي المُثل التي كان لها تأثير عميق في تشكيل عمله.

لقد رأى، واعترف بسهولة، أنّ التنوير كان ظاهرة أوروبية أنتجها تاريخ أوروبي معيّن، لكنّه جادل أيضاً بأنّ تاريخ الفكر الإسلامي يشهد على مشروع إنساني مُجهَض كان من الممكن أن يؤدي إلى ظهور التنوير الإسلامي.

فما مشروع هذا المفكّر وما الذي قدّمه للعالم العربي والإسلامي؟ لماذا أوجد ضرورة في التنوير؟ ولماذا حُرمَ من الرٌقاد بسلام في مسقط رأسهِ وحيث ترعرع؟

ما الخطأ الذي حدث في الفكر الإسلامي؟

محمّد أركون

ازدهرت النزعة الإنسانية الإسلامية خلال “العصر الذهبي” للإسلام الكلاسيكي، وهي فترة من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر؛ حيث شهدت ظهور وازدهار العلوم الدينية والعلوم الطبيعية والأدب والعلوم الإنسانية والفنون.

جادل أركون بأنّ صعود العقل بهذه النزعة الإنسانية لم يؤدِّ فقط إلى تقدُّم العلوم الطبيعية، بل كان له تأثيراً على العلوم الدينية، حيث زوَّدهم (المسلمون) بأدوات التفكير التي مكَّنتهم من التطوِّر إلى أنظمة فكرية متقدِّمةً للغاية، ولكن سرعان ما تمّ قمع هذه النزعة الإنسانية وتمّ القضاء عليها بالكامل في الصفحات اللاحقة من تاريخ الفكر الإسلامي.

وكان من الطبيعي أن يسأل أركون: ما الخطأ الذي حدث في الفكر الإسلامي من القرن الثالث عشر حتّى الوقت الحاضر، ممّا أدّى إلى حالة طويلة من التدهور والانحلال؟ وبدأت محاولته للإجابة على هذا السؤال في وقت مبكِّر من حياته المهنية، مع أعمال مثل الإسهام في دراسة الإنسانية العربية (1970)، ومقالات في الفكر الإسلامي (1973).

لقد طرح أركون ما وصفه بـ “الدراسات الإسلامية التطبيقية”، وكانت هذه منهجية انتقائية اعتمدت على العلوم الاجتماعية، وخاصّة الأنثروبولوجيا والفلسفة واللغويات وغيرها من التخصّصات. وبسبب منهجيته هذه، بقيت دراسته قائمة على النصّ بشكل أساسي، لكنّه أصرّ دائماً على وضع النصّ في سياقه التاريخي والتعامل معه على أنّه مظهر من مظاهر الوعي التاريخي الخاصّ واللحظة التي أنتجته؛ حيث ثبت أنّ هذا النهج مثير للجدل بشكل خاصّ في العالمين العربي والإسلامي عندما طبقه على القرآن.

ولقد أدّى كتابه “قراءات في القرآن” 1982 لجعله عرضة للاتهامات بالهرطقة.

من هو محمّد أركون؟

ولد أركون في الجزائر، في قرية ميمون، حيث تلقّى تعليمه الابتدائي، وكان الانتقال لاحقاً مع عائلته إلى وهران بمثابة صدمة كبيرة له؛ لأنّه شعر على الفور بالعزلة باعتباره متحدّثاً للغة البربرية واضطرّ بذلك إلى الانخراط في تعلّم العربية والفرنسية. أراد والده أن يتوقَّف محمّد، بصفته الابن الأكبر، عن الذهاب إلى المدرسة والمساعدة في أعمال العائلة، ولكن بفضل تصميمه وتدخّل عمّه، تمكَّن من الاستمرار؛ فبعد الدراسة في جامعة الجزائر، ذهب إلى جامعة السوربون في باريس، حيث أصبحَ في نهاية المطاف أستاذاً للدراسات الإسلامية.

لقد كانت أزمة التعليم أحد جوانب الدول الإسلامية الحديثة، التي لَفََتَ أركون الانتباه إليها باستمرار، ذلك بدلاً من أن يصبح وسيلة للتعلّم والتحرّر من الخرافات، أصبح التعليم، في معظم البلدان الإسلامية، وسيلة لنشر ما وصفه بـ “الجهل المؤسَّسي”، وقد سار انتشار مثل هذا التعليم جنباً إلى جنب مع ظهور الخطاب الإسلامي، حتّى في البلدان التي لا يوجد فيها الإسلاميون في السلطة.

كتاب “قراءات في القرآن” بالفرنسية

وقد رأى أركون مشروعه على أنّه مشروع يتجاوز حدود مجال الدراسات الإسلامية، وكان يؤمن بالنهج النقدي الذي كان أيضاً ينتقد الذات وبالتالي يدرك حدوده. وعلى هذا النحو، يصبح النهج النقدي عملية. مثل هذا العمل هو أيضاً ذو طبيعة مقارنية – لا يمكن للمرء أن يدرس الإسلام خارج سياقه التوحيدى وبمعزل عن اليهودية والمسيحية. كان يعتقد أنّه إذا تبنى العلماء في البلدان الإسلامية مثل هذا النهج في ممارسة الدراسات الإسلامية، فلن يحرّروا نظامهم فحسب، بل سيحرِّرون أنفسهم أيضاً، وفي أثناء ذلك، سيساعدون في تحرير مجتمعاتهم.

تقاعد أركون عام 1995، وانتقل إلى الدار البيضاء مسقط رأس زوجته المغربية التي تزوّجها عام 1990 بعد طلاقه من زوجته الأولى. وفي العقود الأخيرة من حياته كان صوتاً مميّزاً في اجتماعات حركة حوارات الأديان حيث دافع عن قبول المساواة بين جميع الأديان، وحصل عام 1996 على وسام ضابط في جوقة الشرف الفرنسية.

تمت دعوته في عام 2001 لإلقاء محاضرات جيفورد في جامعة إدنبرة وهذه إحدى النقاط البارزة في حياته المهنية، ولسوء الحظ، كان هذا الاعتراف بعيد المنال في بلده، حيث مُنعَ من دفنه، خوفاً من رد فعل إسلامي عنيف، وبذلك دُفِنَ في الدار البيضاء.

المصدر:

https://www.theguardian.com/world/2010/oct/19/mohammed-arkoun-obituary

قد يعجبك ايضا