مشاريعه الموسيقية لا تتوقف ..صلاح عمو يغني شغفه في صالات العالم رفقة موسيقاه الجزراوية

الاتحاد برس
هيام العبدلله

“الموسيقى فعلُ حياة، أسلوب من أساليب العيش، ولأنّها كذلك فهي الوسيلة التي تعطي المعنى لوجودي، لقلبي الذي ينبض، لوجودي ككائن، كإنسان، كحالة. وإنّ هذه العلاقة بينَ الموسيقى وفهمي للحياة هي المحرّك لعملي الذي لا أملّه ولا أسأم من تعبه وشقائه، ومن ذلك كلّه تتشكّل العناصر الجمالية للحياة بتناقضاتها أو بأوجهها المختلفة. ولعلّ هذا هو السرّ.”
صلاح عمو للاتحاد برس

لم يكن اختياري لصلاح عمو في هذا الحوار اختياراً عشوائياً، فهو، ولا أبالغ، واحد من أكثر الموسيقيين السوريين حضوراً على الساحة العالمية بتويعاتٍ شرقية وكلاسيكية مبتكرةً وأصيلة، وبطباق ثقافي بين هويات حملها عبر رحلة طويلة من الريف الكردي في الجزيرة السورية مروراً بدمشق ووصولاً إلى عاصمة الموسيقى العالمية: فيينا.


في الريف الكردي، حيث الأغاني الشعبية كالوجبات حاجةً عضوية والاحتفالات والرقص كالماء للعطشان بعدَ السَفر، نشأ هذا الفنّان نشأةً مرهفةً مليئةً بالصور والانطباعات الحسّية لعشرات الثقافات التي تكتنزها بقعة جغرافية شهدت على أمّهات الحضارات عبر التاريخ البشري؛ فتشرّبها كلّها وأحسَّ بها تتفجّر ملحّةً عليه شاغلةً إيّاه عن كلّ ما سواها.

ولمّا أُرسلَ إلى دمشق ليتعلّم الفرنسية بهدف الالتحاق بجامعة هندسة الكومبيوتر في باريس، كانت هي الفرصة التي هيّأت لولادة جديدة لمفهوم الموسيقى عندَ هذا المبدع الذي كان لا يزال شاباً لم يبلغ العشرين، فما الذي جرى بدمشق بالتحديد؟ وكيف وصلَ صلاح عمو لأكبر صالات العرض العالمية؟ والأهمّ ما الذي قدّمه في هذه المسيرة التي لا تزال في بدايتها؟

نصّ الحوار:

_أرسلك والدك إلى دمشق لتعلّم الفرنسية ثمّ عُدتْ إليه عازفاً. لو تحكي لنا عن تلك التجربة وبداياتك مع الموسيقى في دمشق؟ فما الذي شدّك إليها آنذاك وأغراك أكثر من السفر؟

“بدأت علاقتي مع الموسيقى منذ الصغر وبَدَتْ لي كعلاقة فطرية؛ ثمّ تطوّرت مع مرور الوقت حتّى باتت تعطي معنى لحياتي، غير أنّ عدم وجود معاهد موسيقى وأكاديميات في الجزيرة شمال سوريا جعل من تعلّمها بشكل أكاديمي أمراً متعذّراً.”

وحين نال صلاح عمو شهادة الثانوية العامّة أخذ بنصيحة والده في أن يتابع تعليمه في هندسة الكومبيوتر في فرنسا، وكان لابدّ للطالب الشاب من تلقّي بعض الكورسات باللغة الفرنسية في العاصمة دمشق؛ وهناك فقط تعرّف صلاح إلى المعهد العالي للموسيقى وإلى الأستاذ محمّد عثمان الذي حضّره لاحقاً لامتحان المعهد، ويقول عمو: ” عندها فقط اتخذت قراراً نهائياً بأنّ الموسيقى حلمي وسوف أدرسها وبدأت من لحظتها علاقتنا (أنا والموسيقى) تتبلور في المعهد العالي.”

كانَ صلاح من أوائل خريجي المعهد على آلة البزق؛ فكانت دفعته هي الدفعة الأولى التي شرعت في التعلّم على هذه الآلة في المعهد العالي، أمّا عن تكوينه الموسيقي فيقول: ” لقد كانت البداية من الجزيرة في الريف الكردي في شمال شرقي سوريا، أمّا دمشق فكانت الحاضنة الأكاديمية، ولمّا خرجت باتجاه الغرب اكتشفت بأنّ هذا التأسيس كان في غاية الأهمّية بالنسبة لي.”

_بدأت مسيرتك الفنّية في دمشق بتشكيل فرقة جسور التي تُعنى بإعادة إنتاج التراث الموسيقي لبلاد ما بين النهرين (الرافدين)، واستطاعت الفرقة أن تنتج بعض الألبومات المتميّزة وأن تقيم العديد من الحفلات الناجحة. أين هذه الفرقة اليوم وما هو مصير مشروعها الموسيقي؟

“بعدما تخرّجت من المعهد العالي للموسيقى في عام 2004 فكّرت بشكل عملي ما الذي يمكن أن أقدّمه في ولِـ الموسيقى، وإحدى أولى الخطوات التي اتخذتها كانت تأسيس فرقة جسور؛ وهي باختصار فرقة موسيقية ضمّت سبعة موسيقيين من مختلف الثقافات السورية وشاركني في تأسيسها الأستاذ سليم سالم وكان هو عازف العود؛ وكانت الغاية من الفرقة تقديم موسيقى بلاد الشام وبلاد الرافدين بكلّ تنوّعها الثقافي والقومي والإثني، وكنّا نقدّم موسيقى: أرمنية وسريانية وآشورية ومن مختلف ثقافات المنطقة.”

انطلقت جسور في صيف 2007 لتقدّم عشرات الحفلات المحلّية التي لاقت صدى واسع لدى شريحة من السوريين المحبّين والذين لديهم حنين لموسيقى ثقافاتهم الحيّة أو البائدة. ومع توسّع نشاطات الفرقة والسمعة الطيّبة التي حقّقتها استطاعت ابتداءً من عام 2009 أن تمثّل سوريا في العديد من المهرجانات العالمية في أرمينيا والقاهرة وقطر وغيرها.

وعن سرّ هذا النجاح يحكي عمو للاتحاد برس: ” لقد وضعت في جسور كلّ شغفي الدراسي والموسيقي وكانت أيضاً انعكاساً للبيئة التي نشأت وتربّيت فيها والتي هي في الأصل بيئة متعدّدة الثقافات والقوميات واللغات، ولذلك لم تكن جسور مجرّد مشروع عابر وإنّما مساحة وجسداً أعبّر من خلاله عن طبيعة أفكاري وانتماءاتي سواء القومية ككردي أو الوطنية كسوري.”

يؤمن صلاح أنّ الموسيقى ليست مجرّد ترفاً يمارسه البشر بهدف المتعة ولكنّها:

” مجموعة من الطبقات الحسّية والعاطفية العميقة التي يمكنها أن تدفعك لتطبّق موسيقاك بشكل إيجابي وتؤثّر بذلك على المجتمع والبيئة التي أنت فيها.”

أمّا عن مصير الفرقة فيقول عمو: “لقد تشتّتنا (أعضاء الفرقة) بعدَ الثورة/الحرب فصرنا كلّاً في بلدٍ؛ ولكنّها كفكرة لا تزال حيّة في ذهني ولا يزال هناك أمل، وكما يقول الألمان: إنّ آخر ما يموت هو الأمل. ولذا لا تزال لديّ الرغبة. ”

_ أتيت إلى فيينا في النسما كلاجئ وواجهت صعوبات في الدخول إلى الساحة الفنّية والتعريف بلونَ موسيقاك. ما الذي ساهم في ذلكَ النجاح وما هي أبرز الصعوبات التي واجهت صلاح عمو؟

“لم يكن اللجوء إلى فيينا قراري، ففي البداية كنت في بريطانيا أكمل دراستي في علم موسيقى الشعوب، ولكن نتيجة للتعقيدات التي فرضتها الأزمة السورية كان لا بدّ من إيجاد حلّ للمشكلات التي فُرضتْ عليّ هناك، وبعد جملة من الأحداث آل بي المآل إلى فيينا كلاجئ.”

أمّا عن الموسيقى، الهاجس الذي لا يفارقُ خيال صلاح، فكان يدور حولها سؤال واحد فقط: “كيفَ يمكنني أن أبدأ هنا في عاصمة الموسيقى الكلاسيكية والعالمية؟”. أمّا الإجابة فكانت جزءًا منهُ ولذلك أوجدها سريعاً: ” كان يجب أن أبدأ بالذي يميّزني ويعطيني فرادةً فيما أقدَم”

لم يكن الهاجس الموسيقي هو العقبة الوحيدة التي تقف أمام المبدع الوافد إلى البلاد الجديدة، وإنّما أيضاً المجتمع واللغة والثقافة، فيقول: ” كان عليّ إذاً أن أعمل على عدّة مستويات، فخصّصت شهوري الأولى لتعلّم اللغة والتعرّف إلى البلد الجديد وثقافته ومجتمعه؛ فأسّست لنفسي برنامجاً وخطوات اتبعتها حتّى تمكّنت من ذلك. ولكن كان لديّ إيماناً فطرياً، هو ذاته الذي كان لي في طفولتي، بأنّ سيكون لي “موسيقياً” في فيينا ما كان لي في الجزيرة ودمشق.”

كان ذلك الإيمان هو أساس الثقة التي تحلّى بها صلاح إذ هو يواجه امتحانات الجديد والمجهول، ويبحثُ بينَ أزقّة المدينة وشوارعها الواسعة على حواضن العازفين من دورٍ ومعارض ومهرجانات مركّزاً جلّ تفكيره على مشروع ينمو شيئاً فشيئاً ويكتمل، وعلى أسئلة تلحّ في ذهنه، يقول: ” إنّ الحياة تمنحُ الإنسان أجوبة أيضاً؛ ففي أولى الحفلات التي شاهدتها في عام 2013 تعرّفتُ إلى الموسيقي النمساوي “بيتر غابيز” حيث قدَّم إيقاعات متنوّعة وجديدة على آلات شرقية راقت لي وأعجبت بها؛ فتناقشنا بالموسيقى ووجّهت له بعض الملاحظات التي أخذها على محمل الجدّ ثمّ استودعنا بعضنا البعض.”

صلاح عمو وبيتر غابيز يؤدّيان أغنية: ليس للكردي سوى الريح

إلا أنّ هذه الإجابة من الحياة لم تنته عندَ هذا الحدّ، فقد اتصل “بيتر غابيز” بصلاح وأخبره أنّه استمع لموسيقاه وقد أعجبته واقترح عليّه أن يلتقيا. وهكذا بدأت رحلة صلاح في فيينا برفقة عازف نمساوي؛ حيث أطلقا مشروعها الثنائي وتوّجاه بعدَ شهرين من العمل بحفلة أولى، ثمّ انتجا معاً ألبوم “معاصي قصّة نهر سوريا”، وفي “الكونسيرت هاوس”، أحد أهمّ المسارح في فيينا. فترشّحَ الألبوم إلى جائزة “النقّاد” في ألمانيا، ثمّ قدّما إلى “الجائزة النمساوية لموسيقى العالم” ونجحَ الثنائي في أن يكون واحداً من أفضل خمسة فرق في النمسا قاطبةً ما سلَّط الضوء على المشروع وفتحَ أمامه الأفق واسعةً.

وبعدها بشهور لم يبق مدينةً في النمسا إلّا وقد أدّى فيها صلاح موسيقاه، فيقول:

” إنّ الفرادة التي اشتغلتُ عليها، بعيداً عن الموسيقى الكلاسيكية التي لا يمكن منافسة النمساويين فيها، هي التي مكّنتني من الصعود، فاختياري للبزق وصوتي والموسيقى الشرقية والمقام والارتجالات الشرقية هو ما ميّزني واشتغالي على خصوصية بلدي وبيئتي وفرادة الموسيقى التي نكتنزها في بلادنا، فكانت هي الهوية التي اشتغلت عليها وحقّقت نتائج راضياً عنها.”

_ من يتابع حساباتك الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي يعلم بأنّك بتّ جزءً من المشهد الموسيقي في النمسا ولاسيّما الحفلات الأخيرة في المناسبات الرسمية. لو تحكي لنا عن المشروع الذي تقدّمهُ أو تسعى إلى تقديمه والذي ساهم في كلّ هذا التقدّم؟

” إنّ نشاطي في النمسا كموسيقي لم يكن نتيجة لمشروع بعينهِ وإنّما كان تراكم لمجهودات واشتغالات متعدّدة؛ فاشتغلت على أكثر من منحى في البداية الثنائي مع “بيتر غابيز” ثمّ “رباعي صلاح عمو” مع موسيقيين نمساويين أيضاً وكان ينحو أكثر للون الجاز الموسيقي، ثمّ مشروع “دبكة ديلان” وديلان بالكردية معناها الرقص حيث توجّهت فيه للسورين.”

ويضيف صلاح: ” ومؤخّراً قرّرت الاشتغال على الموسيقى الكلاسيكية، فالموسيقى الكلاسيكية تعتبر عاموداً من أعمدة فيينا الثقافية، وعلى ضوء ذلك أسّست مشروع “ديوان فيينا” الذي ضمّ أربعة عازفين على آلات وترية من أعضاء الفرقة فيينا السيمفونية، ومن خلاله نقدّم مزجاً بين الموسيقى الكلاسيكية مع موسيقى عربية وكردية وشرقية بشكل عام؛ فأعطى ذلك بعداً آخراً لي في الإعلام لدى المهتمّين من نقّاد ومستمعين.” ويرجِعُ عمو هذه النتائج التي حقّقها إلى “الشغف” و “التكثيف” في ما يحبّ ويعمل.

_ عادة ما يضيف الاغتراب، على مرارتهِ، الكثير من المشاعر التي يستطيع الفنّان توظيفها أحسن توظيف. ما الذي أضافه الاغتراب لصلاح عمو؟ وما هي نصائحك للشباب المبدع الذي يعاني من آثار سلبية بسبب الاغتراب؟

” إنّ الاغتراب أو الهجرة هو سلاح ذو حدّين له إيجابياته وسلبياته وهو عملياً نسبيّ يتعلّق بكلّ شخصٍ على حدى، وبالنسبة لي كان ذلك في البداية قاسي لأنّه فُرِضَ فرضاً، ولكن لاحقاً، وعندما أصبح واقع حال، قرّرت ألّا أكون ضحية لهذا الاغتراب أو المنفى؛ فأنا موجود هنا وهذا مكاني ولا يهمّني ما الأرض التي أعيش عليها، وبالرغم من أنّ ذلك فأزعجني كونها ليست بلدي؛ إلا أنّ ذلك دفعني نحو الداخل لأركِّز على ذاتي وعلى المساحة الجغرافية لذاتي.”

لا يخفي صلاح أنّ المكان الذي يرتاح فيه هو سوريا؛ حيث يتنقَّل بينَ دمشق والجزيرة؛ المكانين المحبّبين إلى قلبه. ولكن بما أنّه “قرار الحياة” كان على عمو أن يتقبّله وقرّر أن يعيش على أساس قيمه وأفكاره وأن يكون ذاته وألّا يجعل من الهجرة والاغتراب أن يؤثّر سلباً، واستطاع أن يوظّفه بشكل إيجابي، يقول: ” عندما يغيّر الإنسان موضعه، مكانه، فإنّه يرى الأمور من زاوية أخرى: الوطن، موسيقاي، الجمهور ..إلخ وكان ذلك إضافة حقيقية.”

ويركّز صلاح على أنّه وبالرغم من كلّ ما قدّمته النمسا وجلّ ما عايشه من تجارب خلّفت لديه شعوراً بالرضى كونه في عاصمة الموسيقي وفي أكثر مكانٍ داعمٍ لها، لم يستطع ذلك أن يجعله يفضّل الحياة في النمسا لأنّ وطنه الذي يحبّ ويفضّل هو سوريا.

أمّا عن نصائحه للمغتربين، فيحكي صلاح: ” الهجرة بحدّ ذاتها لا يمكن أن تكون سلبية، لأنّها موجودة في تاريخ كلّ الشعوب، وسنة الهجرة هي سنة مفصلية في تاريخ كلّ الديانات، فالهجرة من حيث المفهوم العميق ليسَ سلبية، ولكن ثمّة من يراه سلبياً منطلقاً من أنّه لم يختر الأمر وأنّه فُرضَ عليه، ولكن هو مخطئ لأن ثمّة فرص دائماً هنا للتعلّم، للعمل، ولكلّ ما يمكن أن يكون إيجابياً.”

كما ويدعو صلاح المغتربين لإنجاز الأهداف التي تعطي قيمة ومعنى للحياة، متمنّياً منهم ألّا ينسوا بلدهم أبداً وأن يدعموا السوريين بالمستويين المادّي عبر إرسال الأموال والدعم الاقتصادي، والمعنوي كأن يعطون انطباعات مختلفة عمّا خلّفته الحرب حول صورة السوريين أو يبعثون الأمل بالناس الذين في الداخل السوري، يفكّرون بأصدقائهم ويتواصلون معهم ويكونون خيّرين.

 

قد يعجبك ايضا