مطبخ “أناهيد درويش” في هولندا طعام سوري بنكهة الطموح والإرادة

الاتحاد برس

بيان مهنا

 

إن التفكير في عمل كان جلّ ما يشغل تفكير السيدة أناهيد درويش ابنة مدينة حلب السورية بعد وصولها إلى هولندا في العام 2015، ولأن المطبخ كان بمثابة شغف بالنسبة لها، قررت السيدة احتراف مهنة الشيف، وسرعان ما افتتحت بعد سنتين ونصف من وصولها إلى البلد المضيف شركة (EBLA cuisine) لتعهد الحفلات والمناسبات وتحضير الطاولات.

تستضيف الاتحاد برس في هذا الحوار السيدة أناهيد درويش للحديث معها عن بدايات مطبخ إيبلا، وعن العوامل التي ساعدت على ذيوع صيته خاصة بين أبناء الشعب الهولندي.

 

إيبلا: مشروع مستقل بإدارة السيدة أناهيد درويش

أطلقت السيدة أناهيد درويش مشروعها، شركة إيبلا المتخصصة بوجبات الطعام قبل ثلاث سنوات ونصف السنة في مدينة روتردام الهولندية، لم تملك أناهيد مهنة في وطنها سوريا، إذا أنها اكتفت بعملها كربّة منزل بعد تخرجها من الجامعة، لكنها في هولندا لم تحبذ الاعتماد على الإعانات والمساعدات من الدولة المضيفة، فقررت البحث على عمل: “كربّة منزل كان الطبخ هواية ممتعة بالنسبة لي، وعندما قررت البحث عن عمل في هولندا، كان تركيزي منصباً على اختيار عمل مناسب ومحبب إلي، فوقع اختياري على المطبخ”.

بعد إتمامها مراحل اللغة الهولندية، درست أناهيد أسس وقوانين الفندقية والمطاعم، ثم افتتحت مشروعها إيبلا الذي لم يحقق لها أي أرباح مادية بداية الأمر “أنهيت دراستي، وتعلمت العديد من تقنيات المطبخ الواجب على كلّ شيف محترف تعلمها، ولأن فترة التدريب كانت في مطعم مكسيكي، فيمكنك القول أنه أصبح لدي خبرة كبيرة في مطبخ مختلف تماماً عن المطبخ السوري وهو المطبخ المكسيكي”.

عملت أناهيد في المطعم المكسيكي مدّة تقارب الثمانية شهور، إلا أنها شعرت أن بقائها في عملها لن يسمح لها بتطوير خبراتها وقدراتها في المطبخ، ومع أن مطعم “براند” هو واحداً من أشهر المطاعم في مدينة روتردام إلا أن أناهيد آثرت التخلي عن وظيفتها والبدء بمشروعها: “أخبرت صاحب المطعم أني أطمح لأن يكون لي عملي الخاص وكان متفهماً، ومن ثم افتتحت شركتي إيبلا التي لم تدر علي أي أموال في البداية، إلا أني واظبت على العمل بجدّ لتطوير الشركة وتعريف الناس بها”.

شاركت أناهيد في العديد من الأعمال التطوعية، فعملت لشهرين في دار عجزة هولندي، ثم عملت معدّة للوجبات في كامبات اللاجئين.

ولتأمين عيشها، عملت كشيف مستقل في الفنادق والمطاعم بلا أي عقود، وعن هذه التجارب تقول: “ساعدتني هذه الأعمال على تطوير قدراتي كشيف، وعلى التسويق لشركتي، ودعم أسرتي وأولادي، ومدّتني بخبرات كثيرة.”

 

من مشروع غير ربحي .. إلى مقصد للهولنديين

لكل طبق يقدمه مطبخ إيبلا قصة ومناسبة وخلفية تحرص أناهيد على أن ترويها لزبائن مطعمها من الأوروبيين: “كان هدفي منذ البداية تعريف المجتمع المضيف بالتراث السوري، فالهولنديون لا يعرفون شيئاً عنا سوى أننا هاربون من ويلات الحرب، لا يعرفون شيئاً عن تراثنا ولا عن مطبخنا ولا عن عاداتنا، هذا ما دفعني إلى تقديم أصناف وأطعمة المطبخ السوري لهم، فأنا لا أقدم إلا الطعام التراثي السوري بنكهته الأصيلة بدون أي تحريف.”.

كما وتشعر أناهيد بأن كلّ طبق تقبل على تقديمه هو الطبق الأول والأخير، لذلك تبذل كلّ طاقاتها الإبداعية وتوظف مجمل خبراتها في تحضيره، وعلى الرغم من أنها لا تجني أرباحاً كالتي تجنيها تلك المطاعم ذات العلامات التجارية الكبرى إلا أنها لطالما شعرت بالسعادة وهي تحضر أطباقاً عالية الجودة، وتمارس المهنة الأقرب والأحب إلى قلبها كما وصفتها: “مهنة الشيف جميلة، فتعاملي مع الناس لا يحتاج إلى الكثير من الكلام والشرح، تقديمي أطباقاً لذيذة لهم، واستقبالهم بالبسمة، وإخبارهم قصة هذا الطبق أو ذاك يجعلهم سعداء مما يجعلني سعيدة أنا أيضاً”.

تعتني أناهيد بشكل خاص بالطعام النباتي، وتطمح إلى أن يبزغ نجم مطبخها، ويصل اسمه إلى أكبر شريحة من الناس، ولتحقيق هذا الهدف تبذل جهداً كبيراً في العناية بكلّ ما يقدمه مطعمها من أصناف، كما وتولي زبائن المطعم عناية خاصة: “أظن أن الهولنديين أصبحوا على ثقة بأن مطعمي لا يقدم لهم إلا ما يناسب بنيتهم الجسمانية، وحالتهم الصحية، ولذلك هم يقصدونه على الدوام.”.

ومع أن مشوارها في تعريف الهولنديين على المطبخ السوري كان طويلاً وصعباً، إلا أن زبائن إيبلا اليوم معظمهم من الهولنديين الذين أحبوا ما تقدمه أناهيد من أطباق “لا شكّ أن هناك الكثير من الطباخين المختصين بتقديم أطعمة المطبخ السوري، وأنا أحاول أن أكون وردة أو غصن مشتولاً في مسيرة تسعى إلى إعلاء اسم المطبخ السوري في أوروبا، ولولا محبة الهولنديين لي ولأطباقي لما وصلت إلى هنا”.

تعزو أناهيد كل النجاحات التي حققها مطبخ إيبلا إلى محبة الناس، فالمطبخ أصبح يكسب في كل مناسبة أو حدث يتعهده زبائن جدد “قالت لي سيدة هولندية تبلغ من العمر ثمانين عاماً أنها فوجئت بالطعم اللذيذ للأكلات السورية، وطلبت مني تحضير الطاولات في مناسبة عيد زواجها الخمسين، وأخبرتني أنها ستكون سعيدة إذ هي بدأت عامها الخمسين كزوجة وعلى طاولتها أطباق لذيذة كأطباقي. وكان هذا أحد المواقف التي أسعدتني كثيراً.”.

 

إيبلا يعلم الهولنديين قواعد المطبخ السوري

بعد انتشار فايروس كورونا، اضطرت أناهيد للتوقف عن العمل سنة كاملة، لكنها استغلت هذه الاستراحة في التفكير بكيفية تطوير العمل “لم يعد هناك أي حفلات أو أعراس أو اجتماعات، حالياً أنا بصدد تطوير المطبخ، وسأطلق إعلاناً جديداً في الأيام القادمة بأن مطعمي سيقدم وجبات يومية، ولن يكتفي بعد اليوم بتعهد المناسبات، وسيكون الطلب عبر الأونلاين.”.

كما أن أناهيد وإضافة إلى تقديمها وجبات الطعام اليومية، ستبدأ بعمل ورشات مطبخ للهولنديين “سأبدأ بتعليم الطبخ السوري للهولنديين، وهذه ليست مرتي الأولى بل الثالثة، لكن الورشة هذه المرة ستكون أونلاين نظراً لانتشار فايروس كورونا.”.

وتأمل أناهيد أن تكون هذه الخطوات سديدة لتطوير شركة إيبلا وتحقيق الانتشار في هولندا وفي باقي البلدان الأوروبية “كشخص بدأ من الصفر في بلاد جديدة لا أستطيع أن أقول أن طموحي هو هذا أو ذاك، أنا سعيدة وراضية عن عملي في هذه اللحظة وقادرة على الاستمرار في تطويره وفي التسويق له وهذا ما يهمني الآن.”.

ومع كل هذه النجاحات التي حققتها، إلا أن عمل السيدة أناهيد لا يقتصر على كونها شيف ومديرة لشركة إيبلا، فهي أيضاً ربّة منزل وأمّ لأربعة أبناء، تعيلهم وتعيش برفقتهم في المنزل، وتصحبهم معها إلى العمل أحياناً “أنا أم منفصلة عن الأب، وانفصالي عن زوجي جعل مسؤولية العائلة والأبناء تقع على عاتقي وحدي، في البداية كنت أحرص على تقسيم وقتي بين رعاية الأولاد والعمل، ومع ذلك فهناك نقطة مهمة هي أن أطفالنا السوريون، وبعد رحلات اللجوء، صاروا أكثر وعياً ومسؤولية، وأظن أن هذا لعب دوراً كبيراً بجعل أبنائي يقدمون الدعم لي دائماً في حياتي المهنية، نحن على العموم عائلة سعيدة ومتحابة.”.

قد يعجبك ايضا