معاريض الجولاني، كذب الإخوان الحلال

معاريض الجولاني، كذب الإخوان الحلالمعاريض الجولاني، كذب الإخوان الحلال

  • بيت السلام السوري – علاء الدين الخطيب

انتشر بتاريخ 28 تموز\يوليه 2016 فيديو مسجل لأمير جبهة النصرة أبو محمد الجولاني عبر وسائل الإعلام العربية والدولية، رافقه عنوان يقول “جبهة النصرة تعلن فك الارتباط بالقاعدة”. الجولاني ألقى بيانه قراءة من ورقة أمامه لم يخرج عنها، وهو معروف بأنه رجل متكلم ذو بلاغة وليس بحاجة لورقة، لكن من الواضح أن البيان مدروس بعناية شديدة، والرجل التزم بالنص. أهم ما يمكن ملاحظته في النص، الدقيق بكلامه، مفصلين اثنين:

المفصل الأول، الجولاني لم يعلن انفكاكه عن القاعدة:

الجولاني لم يعلن فك الارتباط بالقاعدة، كما يوحي عنوان الخبر. بل الرجل قال بالنص “فقد قررنا إلغاء العمل باسم جبهة النصرة، وإعادة تشكيل جماعة جديدة ضمن جبهة عمل تحمل اسم جبهة فتح الشام” وأضاف “علما أن هذا التشكيل الجديد ليس له أي علاقة بجهة خارجية”. إذا الرجل لم يقل إنه انفك عن القاعدة وفكرها ومنهجها، بل استخدم التورية هنا، واعتمد على “كذب” القنوات الإعلامية في نقل الخبر، فيوم يقرأ أو يسمع المتلقي خبر “النصرة تعلن فك ارتباطها بالقاعدة”، فإن هذا المتلقي، لا إراديا، سيفهم أن الجولاني قصد ذلك. فتغيير الاسم ليس انفكاكا، والقاعدة ليست جهة خارجية بالنسبة للجولاني ونهجه، بل هي جزء من الأمة الإسلامية كما يراها.

بالواقع الجولاني ابتدأ كلامه، بشكر شيوخ المنهج والفكر القاعدي، الأحياء والأموات، وأورد مقولة ابن لادن حول تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الدولة المسلمة، وتقديم مصلحة الدولة على مصلحة الجماعة، وتقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الأشخاص، وأولويات المصلحة هنا تقول، أن مصلحة سورية ليست أولية أمام مصلحة الأمة، والقاعدة هي من داخل الأمة وليست جهة خارجية. بل إنه يؤكد أن قراره هو “انسجام مع التوجيهات والتوجهات لتلك القيادة المباركة”.

الرجل، وحسب الشريعة التي يتبناها من شيوخه، لم يكذب حراما، بل “عارض” بالتورية في كلامه، أي استخدم المعاريض (تقابل التقية عند الشيعة)، التي تعني: استخدام كلمات توحي بما لا يقصده المتكلم لكن يفهمه المخاطب بشكل مخالف لما أراده المتكلم، وهي حلال عند كثر من شيوخ الإسلام. فكما ورد في فتاوى ابن تيمية في الجزء الثامن والعشرون في كتاب الفقه، باب الاجتهاد ما نصه: “ولكن تباح عند الحاجة الشرعية ” المعاريض ” وقد تسمى كذبا ; لأن الكلام يعني به المتكلم معنى وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب فإذا لم يكن على ما يعنيه فهو الكذب المحض وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب فهذه المعاريض وهي كذب باعتبار الأفهام وإن لم تكن كذبا باعتبار الغاية السائغة”.

إذا الجولاني لم يقل إنه انفك عن القاعدة منهجا وتوجهات ولا حتى تنظيما، بل قال كلاما يمكن فهمه على أنه انفكاك عن القاعدة، واعتمد على مهارة الإعلام في تسويق الخبر بعنوان كاذب.

المفصل الثاني، الجولاني غير مهتم بسورية كوطن وكدولة وكثورة شعبية

لم يمر بكلام الجولاني لفظ “سورية” أو “الثورة السورية” أبدا. وفي أهدافه التي أعلنها لم يعلن أبدا أن هدفه إقامة الدولة السورية، حتى لو على أساس إسلامي سني. بل ما زال يقول عن سورية “الشام” والتي تعني “ولاية إسلامية” ضمن الولايات وليست الدولة السورية. وأما أهدافه فهي باختصار:

1- العمل على إقامة دين الله عز وجل وتحكيم شرعه. وهذا الكلام الجاذب لعواطف المسلمين لا يعني عند نهج القاعدة (الذي يتبناه بعمق الجولاني وصحبه) سوى تطبيق نظرتهم القاصرة للإسلام القائمة على حكم طبقة من الكهنوت الديني التي لا تعترف بالوطن ولا المواطنة ولا الديمقراطية ولا الحرية، والتي هي الأهداف الأساسية للثورة السورية. طبعا أضاف الجولاني أنه يريد “إقامة العدل بين الناس، كل الناس” دون تعيين المسلمين؛ لكن شريعة القاعدة ترى العدل قائما على معيار أن المسلم السني السلفي هو الشكل الوحيد المسموح للمسلمين، والمسلمون هم “المواطنون” من الطبقة الأولى ويليهم المسيحيون واليهود، طبعا لا وجود عندهم لفكرة أن الناس، في هذا العدل، تشمل أي دين أو لا-دين آخر.

2- توحيد الفصائل، وطبعا ترك الجولاني كلمة “الفصائل” عائمة من غير تحديد، وإن حصرها بالفصائل التي تسمي نفسها “مجاهدين”. فأي جيش حر خارج تأطير المجاهدين ليس من هذه الفصائل.

3- حماية الجهاد الشامي. أيضا تركها كلمة عائمة بلا تحديد ماذا يعني الجهاد الشامي (معاريض مرة أخرى)، فالجهاد الشامي حسب نهج القاعدة هو جزء من جهاد المسلمين، الذي يزعمون (حسب تفسيرهم الأسطوري) أنه لن يتوقف حتى يستعيدوا الأندلس والصين وما بينهم ثم العالم. أي أن سورية ستبقى أرض جهاد حسب مفاهيمهم.

4- السعي لخدمة المسلمين. ولم يقل أو يشر هنا لخدمة “السوريين”، فالسوريون غير المسلمين السنة السلفيين على نهجهم، هم مجرد “ناس” يعيشون تحت إمرة الأمير.

5- تحقيق الأمن الأمان والاستقرار والحياة الكريمة لعامة الناس. لا يلزمنا هنا أن نذكّر أن النظام الفاشي السوري الذي حكم سورية أربعين سنة، كان قد حقق الأمن والأمان والاستقرار لعامة الناس، ممن لم يقولوا له “لا”، وأيضا حسب مفاهيم هذا النظام أنه قد حقق “الحياة الكريمة” طالما أنهم لا يفكرون بالسلطة.

إذا الجولاني ونهجه والفصائل التي معه، لا تسعى ولن تسعى لإقامة الوطن السوري والدولة السورية القائمة على حقوق المواطنة والديمقراطية والحرية، هو يريد استبدال النظام السوري الفاشي الظالم القائم على عبادة الفرد القائد المتاجر بالممانعة والمقاومة، بنظام ديني استبدادي يحكمه فكر شيوخ وتراث بال ويقوم على الطاعة الواجبة للأمير المتاجر باسم الإسلام.

الكارثة السورية، أن هناك من المعارضة من يروج للجولاني وفكره اللاسوري:

أعلنت حركة الإخوان المسلمين في سورية رسميا على موقعها (انقر هنا)، ترحيبها ببيان الجولاني، بشكل يبدو “ساذجا”، لكن الإخوان ليسوا بسذاجة أنهم لم يفهموا أن الجولاني ومنهجه الإرهابي ليس ثورة سورية، وليسوا بسذاجة أنهم لم يروا أن القائد المليشاوي الجولاني لم يقل أبدا أن مستقبل سورية بيد شعبها. هذه الأساليب الانتهازية التي اتبعها الإخوان تاريخيا في سورية لم تتوقف، وكل مبرراتهم وسندهم الشرعي لا يسمو على الكذب الحلال الذي استخدمه الجولاني. وعادوا يدافعون عن أسوء مبدأ انتهازي “عدو عدوي صديقي”، الذي دمر الثورة من داخلها وخارجها. بكل الأحوال عام 2009 ليس ببعيد حين كذبوا “كذبهم الحلال” بمنافقة النظام ليسمح لهم بالعودة لسورية، حين قالوا إنهم يرونه “نظام ممانعة ومقاومة ضد إسرائيل”. هذا الاستهتار بالدم الإنساني هو سمة مشتركة بين النظام وبين قادات وشيوخ الإسلامية السياسية.

طبعا من الحماقة الكبرى، تصديق أن الولايات المتحدة الأميركية، أو روسيا، أو أي حكومة إقليمية هي من الحماقة أن تصدق أو تقتنع أن جبهة النصرة وحلفائها قد انقلبوا إلى ما يمكن تسميته “معارضة معتدلة”. ما قدمه الجولاني هو ورقة سياسية إضافية، يحتاجها المتساومون حول سورية على طاولة القمار فيما بينهم، حيث يتم مساومة الدم السوري وفق مصالح الحكومات المتداخلة بالصراع فوق سورية.

قد يعجبك ايضا