مغامرة العقل الأولى .. كيف وُلِد الإله؟

الاتحاد برس 
حسّان الشيخ

“هي ذي (عناة) تقاتل بضراوة ..
إنّها تذبح أبناء المدينتين ..
وتبيد أبناء مشرق الشمس ..
تحتها الرؤوس تتطاير كالنسور ..
وفوقها تتناثر الأذرع كالجراد..
(من أسطورة بعل وعناة _ سوريا) “

إنّه غضب الآله بتجلّيه المباشر والأوّلي، إنّها الطاقة النفسية الكامنة في نفوس كتّاب الأساطير في العصور الأولى للحضارة، فعناة، الآلهة التي غضبت وعاقبت البشر في أرض كنعان_سوريا، هي واحدة من أولى صور الآلهة التي توصّلت إليها البشرية؛ إله بصفات وأهواء ورغائب وسلوكيات بشرية.

تتجلّى في هذه الأسطر من الأسطورة الكنعانية أولى محاولات الإنسان لصناعة إله يساعده على فهم خوارق الطبيعة ومكنونات النفس والتخلّص من المخاوف العميقة التي تدركها الذات العارفة لحظة تولد وتعي ما حولها، والغريب أنّ هذه الآلهة لم تكن مجرّد نفوس سامية ترشد البشر إلى الخير والشر، ولكن أيضاً آلهة قوية تراقب وتعاقب و”تذبح” و”تبيد” من يتجرّأ على إثارة غضبها من الشعوب.

والطبيعة الإلهية لا تعدو أن تكون اهتماماً من اهتمامات المفكّر السوري والباحث في ميثولوجيا شعوب منطقة الشرق الأوسط “فراس السوّاح”؛ حيث اهتمّ هذا المفكّر السوري بجلّ الموضوعات التي اتصلت بالآلهة والتكوين والأسطورة، ولعلّ كتابه “مغامرة العقل الأولى” كان من أجمل كتبه لما فيه من تبسيط وتأويل وشرح وطرح للآراء بعيداً عن المناهج الصلبة والتصنيفية في دراسة الأسطورة.

كتاب يدعوك للتساؤل حول: كيف ولدت فكرة الإله؟ وما حاجة الإنسان بالآلهة؟ وما مدى ارتباط الديانات والأساطير بعضها ببعض عبر التاريخ في منطقتنا؟ هل اقتبست المسيحية من اليهودية واليهودية من الكنعانية والأخيرة من الكلدانية ؟ وغيرها من الأسئلة التي عادةً ما تراودنا.

رواية واحدة وعشرات القصص والأسماء!

يشير السوّاح في الفصل الأوّل من كتابهِ “سفر التكوين” إلى أنّ أولى المسائل التي ألحّت على عقول سكّان تلك المنطقة كانت تدور حول البدء وطبيعة الحياة وكيف خُلقَ الإنسان، ومنها تطوّرت وتشعّبت الأسئلة حتّى كانت فيما بعد فكرة الأسطورة وضرورتها.

فراس السوّاح

وينطلق الباحث في هذا السفر في منهجية واضحة تسعى إلى مقارنة ومقاربة كلّ أساطير المنطقة من حيث فهمها للتكوين: البابلية والكنعانية والسومرية والتوراتية، ويتوصّل نهاية إلى عدّة نتائج مهمّة تشي بأنّ مجمل تلك الأساطير والكتب المقدّسة (التوراة) كانت تتشابه إلى حدّ بعيد من حيث تسلسل أحداث التكوين بالنسبة لها.

 

فكلّ تلك الأساطير تقريباً قالت بأنّ الحياة قد بدأت من الماء ثمّ تشكّلت السماء ثمّ الهواء فالقمر والشمس والأرض والبشر على الترتيب. وهذا ما يتطابق عملياً وإلى حدّ ما _بحسب السوّاح_ مع النظرة العلمية الحديثة لنشأة الأرض.

” بعدَ أن ابعدَت السماء عن الأرض
وفصلت الأرض عن السماء
وتمّ خلق الإنسان
وأخد الإله “آن” السماء
أخذ الإله “كور” الإلهة ” أريشكيجال” غنيمةً
(أسطورة سومرية من كتاب مغامرة العقل الأولى)”

ويجد السوّاح أنّ النصّ التوراتي قد اعتمد على النصّ البابلي بالكامل في سفر التكوين حيثُ أقام المفكِّر مقارنةً بين أسطورة “الاينوميا إيليش” البابلية ونصّ “التوراة” العبراني ليجدّ أنَّ تسلسل الخلق كان مطابقاً تماماً تقريباً؛ ويعزو ذلك إلى التأثير الكبير الذي كان للبابليين على تلك المنطقة بأسرها، كما ويثبت أنّ أصلَ الإله “يهوة” إله اليهود هو أصل مصري لطقوس التوحيد التي أسّس لها الفرعون أخناتون حيث وحّد الآلهة ودعى الناس لعبادة إله الشمس “آتون”

أمّا فيما تلا من فصول الكتاب فيقيم السوّاح مقارنات مماثلة لكلّ من الطوفان والفردوس وقابيل وهابيل والجحيم والآله المنبعثة من جديد في كلّ أساطير المنطقة بما فيها الكتب المقدّسة، ليخلص إلى نتائج مشابهة تشي بتماثل بعض النصوص وتأثّر الشعوب بعضها ببعض.

هل كان بإمكان الإله ألّا يولد؟ الأسطورة والكبت

يقدّم السوّاح تفسيرات متعدّدة لولادة مفهوم الإله في كتابه “مغامرة العقل الأولى”، ويعتقد أنّ الأمر بدأ مع ازدياد ضرورة أن ينظّم البشر نفسهم لتلبية أهدافهم الأساسية كالطعام والشراب والبقاء، فكانت هناك حاجة لتفسير كلّ ما يجري من حولهم من ظواهر طبيعية وحوادث بشرية وأمراض وضواري وفيضانات وما إلى هنالك ممّا هو يظلّ قائماً غير مفسَّر.

ولكنه يعرضُ إلى تفسير كبير المحلّلين النفسيين وأبو علم النفس “سيغموند فرويد” والذي يرى أنّ الحلم أساس الأسطورة حيث تتشابه رموزهما حدّ التطابق في بعض الأحيان، وأنّهما _أي الأسطورة والحلم_ لهم منشأ واحد وهو نتاج العمليات النفسية اللاشعورية؛ فكلاهما تتمّ أحداثهم خارج إطار الزمان والمكان الطبيعيين وتكثر فيهما صفات البطولة والتحوّلات السحرية والأفعال الخارقة.

أمّا عالم النفس الشهير “إريك فروم” فذهب إلى اعتقاد أنّ الأسطورة ومن ثمّ الإله هم نتاج اللغة اللاعقلانية للعقل في أثناء النوم؛ فالعقل عند فروم يعمل وينتج المعلومات أثناء النوم ولكن بلغة أخرى، أسماها “اللغة المنسية” وهي لغة الرمز المتحرّر من ضوابط المجتمع والقانون والفكر المنظّم، فهي كما يقول فروم: ” لغة الرمز هي اللغة التي تنطق بالخبرات والمشاعر والأفكار الباطنة، وهي لغة شمولية وعالمية متجاوزة للثقافة والزمن، والأسطورة كما الحلم هدفها تقديم حشداً من الأفكار الدينية والفلسفية والأخلاقية.”

وإلى جانب علم النفس قدّمت الكثير من الميادين العلمية تفسيرات حول ولادة الإله والأسطورة وتكوّنهما في الزمن الأوّل للحضارات البشرية التي دائماً ما بحثت عن أسرار الكون والنجوم من خلال التأمّل، والأسطورة بخلاف الخرافة هي كنز ثريّ تعتدّ بهِ الثقافات والحضارات القائمة لعالمنا المعاصر باعتبارها دليلاً على جبروت عقول السكّان الأصلين والأقدمين لتلك البقع الجغرافية.

المصدر:

مغامرة العقل الأولى، فراس السوّاح، الطبعة الأولى، دار علاء الدين_ سوريا.

قد يعجبك ايضا