مكيافيللي أمير الشر أم عظمة تشي بالفخر؟

الاتحاد برس

 

رحل مكيافيللي عن عالمنا قبل خمسة قرون، لكن ذكره ظل حاضراً كنموذج للدهاء والازدواجية، حيث أطلق عليه الكاتب المسرحي ويليام شيكسبير صفة السفاح، بينما هاجمه كارل ماركس قائلاً أن أنصار سياساته وأفكاره هم من يخمدون كل الطاقات الديمقراطية. فمن هو نيقولا مكيافيللي؟ وكيف أصبح اسمه يمثل تهمة خطيرة في عالم السياسة؟ وما معنى أن يكون المرء مكيافيللياً؟

 

رسالة إلى الأمير

ولد نيقولا مكيافيللي في مدينة فلورنسا الإيطالية عام 1469، حاز على منصب في الهيئة الاستشارية الدبلوماسية بعهد الزعيم جيرولامو سافونارولا وهو في سنّ صغيرة نسبياً، وأصبح واحداً من المسؤولين عن العلاقات الدبلوماسية والخارجية للجمهورية.

مدينة فلورنسا الإيطالية

بحكم عمله، زار مكيافيللي الكثير من البلدان وتعرف على الملوك والباباوات والحكام، وبفطنته السياسة وصل إلى استنتاج أساسي مفاده أن جميع رجالات الدولة الذين قابلهم فشلوا، وأن سبب فشلهم ما هو إلا افتقارهم للمرونة في مواجهة الظروف المتغيرة.

كما وقال مكيافيللي أنه كان بإمكان هؤلاء الحكام تحقيق نجاحات أكثر، لو أنهم عملوا على تعديل شخصياتهم بما يتواءم مع مقتضيات العصر بدلاً من أن يحاولوا تشكيل عصورهم في القوالب التي تناسبهم، وكانت هذه النقطة هي محور تحليله للقيادة السياسية في كتابه الأشهر “الأمير”.

أفل نجم مكيافيللي الدبلوماسي، كما أفل النظام الجمهوري في إيطاليا بعد تحالف يوليوس الثاني مع ملك إسبانيا، وزحف المشاة الإسبان إلى إيطاليا واحتلالهم فلورنسا، حيث أقيل من منصبه وحكم عليه بالسجن مدة عام كامل مع دفع كفالة ضخمة.

لكن الرجل سرعان ما خرج من السجن بعد إصدار عفو عام على خلفية استلام رجل فلورنسي منصب البابا، وما إن خرج حتّى بدأ يفكر بكيفية تزكية نفسه لدى السلطات الجديدة عبر صديق قديم ودبلوماسي يدعى فيتوري، ولما رأى أن خطته لم تنجح، راح يتأمل المشهد السياسي ويتفكر فيه، وكانت ثمرة هذا التفكر هي كتاب صغير عن الإمارة، هو نفسه رائعة مكيافيللي “الأمير”.

مكيافيللي

استطاع مكيافيللي إهداء مؤلفه الصغير لعائلة مديتشي الحاكمة آملاً أن تمنحه العائلة منصباً، وربما كان هذا السبب وراء إحساس القارئ بشيء من التوسل الشخصي في المؤلف؛ لكن ما هو السر الكبير الذي يستطيع مكيافيللي البوح به للحكام والأمراء دون غيره؟

 

 

القوة كمبدأ للحكم

يظن قارئ الكتاب في البداية أن مكيافيللي لا يقدم سوى تحليل جاف ومبالغ فيه عن طريقة الاستحواذ على الإمارات والممالك والاحتفاظ بها، حيث يقول أن الإمارات نوعين إما موروثة وإما جديدة ليضيف أن تركيزه في الكتاب يصب على الثانية.

يضيف مكيافيللي أن القادة يرتقون السلطة الذين إما من خلال قوتهم وجبروتهم وهم القادة الأبرز، وإما من خلال الحظ والقوات الأجنبية كما حال عائلة مديتشي، مشيراً إلى أن ما بعد الحظ خاضع لسيطرة الإنسان، فآلهة الحظ في الأساطير القديمة امرأة يسهل إغراؤها بصفات الرجولة.

آل مديتشي

ولا يكتفي مكيافيللي بتشبيه الحظ بامرأة، بل يضيف عليها ميلاً شهوانياً وفريداً بقوله أنها تجد لذة شاذة في أن تعامل معاملة عنيفة.

وبعد حديثه عن طريقة شلّ الحظ وتطويعه، يقول مكيافيللي أن للأمير الجديد أهدافاً أهمها الحفاظ على الدولة وعلى الحالة الراهنة للأمور، ويدعو الأمير إلى السعي لشيئين اثنين هما المجد والشهرة، ذلك عبر تثبيت دعائم الإمارة بقوانين جديدة وأسلحة قوية، وحلفاء جديرين، أما أهم هذه الدعائم من وجهة نظره هي الجيوش القوية لأن الأمير الرشيد يجب أن لا يضع نصب عينيه سوى الحرب وممارساتها وأساليبها.

وأخيراً يعتقد مكيافيللي أن الأمير الحقّ يتميز بإقراره الراسخ بحقيقة أن بلوغ الشرف والمجد يتطلبان التصرف بأقصى قدر من الفضيلة، وهذا بالنسبة للباحثين رأي جدلي لرجل كتب مؤلفاً كاملاً لتعليم الحاكم أسس البقاء على العرش من خلال اطروحات أخلاقية مزيفة، فالحاكم من وجهة نظره مكيافيللي يجب أن يكون فاضلاً ومتسامحاً ورحيماً، إلا أن عديمي الأخلاق سيسارعون إلى تقويض سلطته، لذلك عليه أن يكون العكس.

هذا ما يقوله مكيافيللي بصراحة تامة، فعلى الحاكم الذي يريد الحفاظ على سلطته أن يتصرف على نحو غادر وعديم الرحمة في سبيل تحقيق منتهى غاياته، ويتمم مكيافيللي أخلاق الحاكم الحقّ بمهارتي القوة والاحتيال الحيوانيتين.

كما ويذكر مكيافيللي الأمير بأنه ليس مهماً إذ هو اكتسب سمعة سيئة جراء اتصافه ببعض الرذائل، فالدستور مهم لكنه غير كاف لأن الإنسان أناني مستعد لإعلاء نفسه على الصالح العام،  ولحل هذه المعضلة يقترح مكيافيللي وضع دساتير وتشريعات خاصة بحالات الطوارئ، على اعتبارها ضرورة ملحة للحفاظ على السيادة الوطنية.

 

 

المرض والموت

بعد فترة قصيرة من إنهائه كتاب الأمير، ضرب الحظ ضربته أخيراً، ووُهب مكيافيللي الدعم الذي أراد من عائلة مديتشي، وتلقى بعد عدة سنوات تفويضاً رسمياً من العائلة الحاكمة لكتابة تاريخ فلورنسا، وظلت فكرة كتابة تاريخ المدينة تشغل مكيافيللي لآخر حياته، وكان مؤلف تاريخ فلورنسا أطول أعماله وأكثرها تأنياً، وخاتمها.

بعد عودة النظام الجهوري إلى إيطاليا، ورحيل عائلة مديتشي، أصبح مكيافيللي بنظر الجميع عميلاً مسناً، وراعياً للاستبداد سيء السمعة، كلّ هذا حطم من معنوياته فأصيب من مرض لم يتعافى منه قطّ.

كان من الصعب بعد موت مكيافيللي مقاومة إغراء مؤلفاته، قال الكثير بان مؤلفه الأمير من عمل الشيطان، بينما قال آخرون أن نعت مكيافيللي بأمير الشر أمر مبالغ فيه، ورأت قلة قليلة بمكيافيللي عظمة تشي بالفخر.

 

المصدر: كوينتن سكينر، مكيافيللي، ترجمة رحاب صلاح الدين، مؤسسة الهنداوي للتعليم والثقافة 2014

 

قد يعجبك ايضا