من استحقاق رئاسي واحتفالات إلى خيبة أمل الشباب .. كيف تحوّل المشهد السوري؟

الاتحاد برس 

إعداد: حسّان الشيخ

على الرغم من الصورة التي دأبت حكومة دمشق على تصديرها طيلة فترة الانتخابات الرئاسية مايو/أيّار 2021، وهي صورة فرح واحتفالات تغمر الشارع السوري شباباً ونساءً وكهولاً وأطفالاً سعداء باقتراب فوز المرشّح الأوفر حظّاً في البلاد: بشار الأسد، فإنّ الواقع المرير أخذ يتضح اليوم جلياً بعد انقشاعِ غيمة الفرح المصنَّعة بأموال تجّار الحرب.

بالإضافة للعديد من التقارير والتحقيقات والتسجيلات المصوّرة الصحافية التي كشفت المَسْرَحَية والتزوير والاقتياد الإجباري والتهديد الذي شهده السوريين في الانتخابات الرئاسية الماضية، نرى اليوم الآثار الحقيقية لهذا “الاستحقاق” على نفوس السوريين ولا سيّما الشباب الذين ضافوا ذرعاً بالأوضاع المتدهورة التي تمرّ بها البلاد منذ عشرة أعوام ويزيد.

فكيف يرى السوريين في الداخل لهذا الاستحقاق؟ وما هو الأثر النفسي الذي انعكسَ بعدَ انجلاء حُلمٍ وأملٍ داما طويلاً بالخلاص والتحرّر من عقبةٍ وماضٍ أسودٍ عايشه السوريين لما يزيد عن خمسة عقود؟ وما القرارات التي استجدَّت بعدَ هذه الخيبة؟

” دخلك على شو بدّي انتخبه؟”

بعد مرور أكثر من شهر على الاستحقاق الرئاسي الذي ظفر بهَ بشار الأسد بنسبة بلغت 95% من إجمالي الأصوات وبنسبة مشاركة تخطّت حاجز ال16 مليون سوري بحسب المصادر الرسمية، علماً أنّ السوريين الذين يحقّ لهم الانتخاب في سوريا لا يتجاوز عددهم 12 مليون نسمة ناهيك عن المناطق الخارجة عن سيطرة حكومة دمشق والتي تضمّ نحو سبعة ملايين نسمة، فإنّ الشارع السوري عادَ إلى سابق عهده من تذمّر وعيش مرير ووقوف في الطوابير ومحاولة تأمين قوته اليومي.

فلماذا انتخبَ السوريون إذاً رئيساً ما دام أنّهم لم يستمعوا أو يشاهدوا برنامجاً انتخابياً فيه بالحدّ الأدنى وعوداً بإخراج البلاد من قمم المجاعة والفقر الممتدين والمتسعين منذ أعوام وأعوام؟

يقول بهاء (40 عاماً)، معتمدّ لتوزيع الخبز في منطقة ريف دمشق، للاتحاد برس مجيباً على السؤال: ” في منّا أجتوا رسائل واضحة بأنّه لازم يروح ينتخب ويجيب معه عالقليلة شخصين أو تلاتة وإلا بيخسر شغله، أنا حكوا معي من المركز وقالولي أنّه في تعليمات واضحة ولازم كلّ معتمدّ يروح ينتخب حتّى يستمرّ بعمله .. ولهيك كان لازم انتخب.”

وعن إذا ما تغيير شيئاً عليه في حال البلاد والعباد منذ انتهاء الحملة الانتخابية وفوز الرئيس الأسد حتّى اليوم، فيقول بهاء:

” الحقيقة ما اتغيّر شي للأحسن علينا بعده الوضع متل ما هو، بس اللي اتغيّر أنو زادت أسعار الدخّان وزادت أسعار الأجبان والألبان وزاد كلّشي إلّا سعر ربطة الخبز ومربحي فيها اللي هو 50 ليرة هاد ما اتغيّر .. بس لازم يتغيّر لأن هيك الوضع كتير صعب خاصّة علينا نحن كمعتمدين.”

أمّا ريم (32 عاماً)، أستاذة لغة انكليزية في مدرسة عامّة للإناث في دمشق، فتحدّثنا قائلةً: ” من دون الدروس الخصوصية التي أعطيها مساءً بعد دوامي لكنّا متّنا من الجوع أنا وأطفالي وزوجي؛ فخمس وأربعين ألف ليرة التي اتقاضاها شهرياً لا تكفي حقّ بنطال جينز أو أربعة أيّام مصروف وتنتهي، هذا ناهيك عن إذا ما قرّرنا أن نشتري كيلو لحمة أو دجاج فهنا يصبح الراتب بمثابة مزحة ثقيلة من الدولة.”

وتضيف ريم: ” أنا لم أكن أريد أن انتخبه ولكنّ رسالة على غروب المدرسة من أحد المنتسبين إلى الحزب كانت كفيلة لترعبنا جميعنا .. حيث كتبَ لنا: الحضور غداً إجباري وأيّ غيّاب يضع المتغيّب تحت طائلة المسؤولية.. ولذلك كان لا بدّ لي من الذهاب والانتخاب غصباً عنّي.”

بينما لم ينتخب يزن (27 عاماً)، صاحب محلّ موبايلات في دمشق، أيّاً من المرشّحين، وخصّ الأسد بالقول: ” دخلك على شو بدّي انتخبه؟! إذا صرله عشر سنين بقول خلصت وخلّصنا ورح يرجع كلّشي متل ما كان.. والحقيقة أنو الوضع كلّ ماله لورا ولورا والله ما عم نسترجي لا نبيع ولا نشتري وعلى شويّ منضطرّ انسكّر هالمحلّ هو باب رزقي الوحيد.”

الشباب أُرْغِمَ على الانتخاب .. و” السفر هو الحلّ!”

لم يكن الأثر في الأوساط الشبابية كما هو الحال لدى البالغين والكبار في السنّ؛ حيث يشعر الشباب السوري كما لو أنّهم قد عاشوا حلماً وانتهى مع “انتهاء مهرجان الاستحقاق الرئاسي” بحسب تعبير هيثم، فيحكي هيثم (23 عاماً)، طالب تخرّج في كلّية الفنون جامعة دمشق، للاتحاد برس عن الشعور الذي انتابه لحظة رأى الصور الانتخابية تملأ شوارع دمشق بالقول:

” كان الأمر أشبه بتحوُّل نكتة لا منطقية إلى واقع يمكن رؤيته بالعين المجرّدة ولمسه باليدّ؛ فلم يكن أحدنا، كشباب جامعة، نتخيَّل بأنّنا سنشهد انتخابات رئاسية في بلدٍ كلّ ما فيه آيل إلى الخراب ابتداءً بسعر الصرف وليس انتهاءً بعشرات المناطق المحتلّة والخارجة عن سيطرتنا .. لقد كانت خيبة أمل كبرى عشناها ولا نزال.”

ويضيف هيثم: ” لم أعد أؤمن بأنّني أعيش في “بلد” فهذا المكان تحوَّل إلى ما يشبه المزرعة التي يدار كلّ قسم منها بإرادة قوى مختلفة تتفق أحياناً وتختلف في معظم الأحيان وفي كلتا الحالتين فإنّ الشباب هم أوّل الخاسرين .. فلا مستقبل ولا أمل لمستقبل ينتظرهم في وضع كهذا .. ولا أعتقد بأنّ شيئاً سيتغيّر على الأقلّ في المدى القصير والمنظور.”

أمّا رؤى (20 عاماً)، طالبة في كلّية الصيدلة جامعة دمشق، فتروي عن الانتخابات وأثرها في نفسها بالقول:

” إنّني أشعر بإحباط حقيقي وكآبة تمتدّ من لحظة إعلان رئيس الجمهورية إلى اللحظة التي اتحدَّث بها إليك .. إنّنا نعيش أصعب الأوقات منذ أن شهدت سوريا الأزمة في 2011، إنّني آتي إلى الجامعة كلّ يوم لأحضر العملي وليس في جيبي سوى 500 ليرة كإيجار للمواصلات. وكنت آمل، كما يُشاع في الأخبار، أن نلمس تغيّراً حقيقياً قبل أن تُجرى الانتخابات الرئاسية لأن ذلك كان معناه بالنسبة لي أنّ لا شيء سيكون أفضل ما دام أنّ شيئاً لم يتغيّر.”

وعن مشاركتها في الانتخابات تقول: ” لم يكن في وسعي ألّا أشارك ما دامت المشاركة إجبارية وما دام هناك “شرطة جامعة” تسمّي نفسها اتّحاد الطلبة .. فشاركت وانتخبت رغماً عن أنفي.”

أمّا عن الحلّ فتقول رؤى:

” لا حلّ للطلبة والذين لم يبنوا أنفسهم قبل الأزمة في سوريا إلا الهجرة .. فنحن لا يمكننا أن نبني أنفسنا بـ20 و30 دولاراً شهرياً، ولا يبدو أنّ الذين أطلقوا شعار ” الأمل بالعمل ” أنّهم جادّين فيما أطلقوا ولا يمكن التعويل على مثل هذه الجمل الإنشائية في واقعٍ مذرٍ كهذا.”

على امتداد مناطق سيطرة حكومة دمشق تتردّد أصداء السُخرية الممزوجة بالمرارة من هذا الواقع بما في ذلك الانتخابات التي شهدتها البلاد منتصف العام الجاري، وليست فئة الشباب استثناءً بل هي أكثر الفئات تنديداً وتذمّراً ومقتاً للواقع وإنّ كان هذا التذمّر والمقت وذاك التنديد يتمّ في دوائر مغلقة خشية الحيطان التي لها آذان.

قد يعجبك ايضا