“روان علي درويش” تروي حكايات الحرب في ” هنا الشام ” وجائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع تغازل الرواية

الاتحاد برس

 

من براثن حربٍ قاسية خرجت الكاتبة السورية “روان علي درويش” سنبلةً يساريّة، كما تحبُّ أن تسمّي نفسها، وعانت ما عانته كباقي السوريين، من آلام المعارك الطاحنة التي راح ضحيتها كثيرون، وطارت كفراشة ناجية راسمةً خلفها حروفًا أبدعت تكوينها، فكانت كلمات رواية “هنا الشام” التي صدرت من الإمارات بعد ترشيحها من قبل جائزة “راشد بن محمد الشرقي” للإبداع إلى القائمة الطويلة لفئة الرواية- شباب.

“الإنسان بشكل عام هو كتلة من التناقضات فكيف إن كان هذا الانسان أديباً، لا أجيد وصف نفسي على غرار ما أفعله بشخوص الرواية لدي، تناقضي واضحٌ وجليّ فأنا العاشقة لفيروز والشغوفة بجانيس جوبلن ملكة “الهيبيز” التي كانت تغني في سبيعينيات القرن الماضي”، بهذه الكلمات وصفت الكاتبة نفسها.

أما كتعبير افتراضي عن ذاتها، فقد أطلقت اسم “سنبلة يسارية” على  صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، والتي نشرت فيها الكثير من مكنوناتها وإبداع حروفها على مدى إحدى عشر عامًا، وقالت في حديثها لصحيفة “الاتحاد برس”: “إحدى عشر عامًا حربيَا والسنة الحربية بمئة سنة كما أن السنبلة بمئة حبة ترينها منحنية وتلمع كذهب عتيق”.

ومن هنا توضح “روان” ما قصدته بالتناقض، فأضافت “ما بين السنبلة والحرب فرق شاسع وكبير، وكالفرق الجوهري ما بين اليسار الذي أقصده وما بين اليسار المخذول الذي منينا به في العالم العربي، أعود للتعريف بنفسي كسنبلةٍ أحرقتها الشمس لتنضج وأثناء نضوجها ذاك أثمرت حروفاً لا تنتهي”.

تعمل الكاتبة السورية في مجال الترجمة، وبشكل خاص في ترجمة الأفلام والوثائقيات، وهي خريجة كلية الآداب في جامعة دمشق قسم اللغة الإنكليزية وحاصلة على شهادة ماجستير في الترجمة العليا، من مواليد مدينة دمشق في العقد الثالث من العمر.

 

“الكتابة فعل كآبة إيجابي”

أما عن دخولها مجال الكتابة الأدبية، فقد بدأت موهبة “روان” تظهر فطريًا قي أواخر الطفولة وبدايات المراهقة، مقتصرةً على بعض الخواطر والأشعار، إلا أن بدايتها الفعلية في الأدب كانت مع بدايات الحرب السورية.

وتقول “روان”: “كانت حصيلتها غنية بالكلمات بالنسبة لي على قدر الآلام التي مررت بها آنذاك، وقد تستغربين إن أخبرتك أن سبب البداية كان رغبة عارمة بالانتحار بعدما فقدت خلال ستة أشهر والدي، عملي، وثلاثة من أصدقاء عمري بسبب هذه الحرب ثم فجأة كانت الكتابة بمثابة منقذ من الهروب والاستسلام”.

تحوّلت رغبتها بالانتحار إلى رغبة في البقاء ومجابهة الموت اليومي بسبب سكنها في منطقة تصنّف بـ “الساخنة”، فكتبت على دفتر خواطرٍ لها جملة كانت أساسًا بدت منه رحلتها الأدبية وهي “الكتابة فعل كآبة إيجابي”.

وكانت البداية من موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بحساب حمل اسم “روشان” وهو اسم “روان” الثاني الذي اعتاد أصدقاءوها مناداتها به، والذي كان توقيعًا لها في بعض المواقع الأدبية،  وكان هدفها الأوحد حينها هو “إيصال حكايات من رحلوا من الرفاق أولئك الذين لم تتح لهم فرصة أخيرة للكلام”، فقد حملت بكلماتها أحلامهم وآمالهم التي حرمهم منها أزيز الرصاص، ثم تطور الأمر من كتابة المقالات إلى كتابة ثلاث روايات وأربع مجموعات قصصية، لم تنشر منها سوى رواية واحدة بسبب ظروف النشر الصعبة في سوريا.

“هنا” الشام”..مسك البداية

أول رواية للكاتبة الشابة والتي أبصرت النور هذا العام بسبب الجائزة هي رواية “هنا الشام”، إلا أنها كتبتها أواخر عام 2012.

فماذا تعني هذه الرواية لـ “روان”؟

“لا أعرف بالضبط تحديد ماهية شعوري نحو هذه الرواية بالذات لا سيما أنني أعتبرها جزءاَ لا يتجزأ من توثيق السردية السورية خلال سنوات الحرب الطوال تلك السردية التي تكاد تتسع لآلاف الحكايات المتناقضة وككل سرديات الحرب فهي صادقة رغم تناقضاتها، كل الأطراف لديها ما ترويه وجميعها تتهم الآخر بالظلم وأغلبها فيما أعتقد تمثل جزءًا من الحقيقة، أما عن نفسي فقد وصلت لما يشابه الخلاصة لاحتواء كل هذه السرديات”.

وتقتبس الكاتبة من روايتها: ” كلنا ظالم وكلنا مظلوم ، كلنا قتيل وكلنا قاتل” وبناء عليه فإن الرواية الأولى لأي كاتب هي بمثابة الخلق الأول أما بالنسبة لي فأضيف سبباَ خاصًا: إنها ماضيَ الذي اعتقدت أنه سيستمر معي فكان لابد لي من توثيقه لابني حاضراَ جديداَ.

 

بيئة غنية ومكتبة ثرية..منهلًا لروان

تقول الكاتبة حول الحافز الذي دفعها لخوض غمار العالم الأدبي “أستطيع إرجاع الأمر إلى طفولتي المبكرة كقارئة من الطراز الممتاز وليس لي منّة في ذلك فقد كان الأمر فطرياً ولكني أفكر الآن في أن ماذا لو لم يملك أبي تلك المكتبة الضخمة التي نهلت منها بحراً من الأفكار وأعتبر نفسي إنسانة محظوظة بحقّ فقد هيأت الحياة لي ظرفاً مناسبًا للإبداع”.

تضافرت عوامل عديدة لتكون ما هي عليه الآن، فمن مكتبة والدها مرورًا ببيئة وصفتها روان بالـ”الغنية و المتنوعة” وصولًا لكل من آمن بموهبتها من أهلٍ وحب ورفاق.

من الإمارات..”هنا الشام”

لم يكن هدف الكاتبة السورية من الكتابة شهرةً أو ربحًا ماليًا، وقالت “الحياة تذهلنا دومًا بأقدارها وتغيير مساراتنا لحال لم نتخيل حدوثه بتاتًا، سبق وذكرت لكِ أنني عانيت لأنشر نتاجي وسدت الدروب جميعها بسبب تراكم الرصاص في البلاد”.

لم تتوقع “روان” حين بعثرت كلماتها لتبدع رواية “هنا الشام”، بأنها ستصدر من الإمارات، إذ أرسلتها لجائزة “راشد بن حمد الشرقي” للإبداع أواخر عام 2019 .

وكانت المفاجأة بأن تم ترشيح روايتها من بين الآلاف من المتقدمين للقائمة الطويلة للجائزة والتي تضم عشرة روايات من فئة الشباب، ووفقًا لـ”روان” فإن موضوع الرواية لم يكن طازجًا آنذاك، فكان هذا نصراً مضاعفًا بالنسبة لها، فقد كانت الحرب في الشام قد حطت أوزارها فلم تشعر بالخذلان بعدم وصولها للمراتب الثلاث الأولى، كما قالت الكاتبة.

واختارت “الجائزة” طباعة الرواية باللغتين العربية والإنكليزية وتسويقها، ولكن تأخر نشرها بسبب جائحة كورونا، وصدرت في هذا العام عن “دار راشد للنشر” في إمارة الفجيرة.

 

نقلة نوعية..نحو الأدب الرياضي

أجابت “روان” عند سؤالها عن روايتها التالية: “قد يبدو غريباً على البعض إن أخبرتهم بأن روايتي القادمة والتي أتمنى أن تبصر النور قريبًا هي في الأدب الرياضي”.

ستكون رواية الأدب الرياضي التي تعتزم الكاتبة تأليفها، نقطة تحول لها، خاصة أنها رياضية سابقة وشغوفة بكرة القدم .

وتقول “روان”: “إن الكتابة عن شيء يعني لنا الكثير ونملك شغفًا حقيقيًا تجاهه يظهر لنا جوانب لم نتعرف عليها في ذواتنا إضافة إلى أن هذه الرواية قد أخرجتني من النمط الحربي الذي بات مسيطرًا على الرواية السورية بشكل عام”.

وتسعى الكاتبة الطموحة في الوقت الحالي لإكمال، سلسلة “هنا الشام” على غرار ما فعله “عبد الرحمن منيف” في “مدن الملح”.

والمنبع الأول لأي كاتب من وجهة نظر “روان” هو ذاك المخزون الذي يستقيه من ذاكرته اللاواعية، والقراءات جزء مهم لتحريك الخيال، تلك الرشة الأدبية التي تضفي سحرًا على واقع مليء بالفجاجة.

 

فإلى أي حدّ تغوص روان في أعماق شخصياتها؟

“سيبدو جوابي متناقضاً مع كثير من الأدباء الذين يخبروننا بأن شخصياتهم هي من تتحكم بهم، بالنسبة لي ليس الأمر كذلك”.

وترى “روان” أنه حين يخلق الكاتب شخصياته ويتبناها تبنياً كاملًا ويعطيها كافة المبررات اللازمة لما آلت إليه، حينها تتصيّر هذه الشخصيات لمخلوقات من لحم ودم، “فتارة تفلتينها لتجابه مصيرها وتارة تحكمين قبضتك عليها لئلا يضيع هدفها الذي أنشأتها من أجله”.

عند سؤال الكاتبة عن شخصيات تأثرت بها، لم تترد بذكر “ماركس” و”انجلز” اللذان قاداها لقراءة “فلسفة هيجلوفيورباخ” وكَرّت السبحة لباقي الفلاسفة.

وتضيف: “بطبيعة الحال أثرت بي شخصية “تشي غيفارا” هذا إن أردنا الحديث عن المستوى اليساري، أما في الأدب فكثيرة هي الأسماء لكن “غسان كنفاني” يحتل جزءًا عاطفيًا في داخلي ليس كأديب فقط بل كشخصية ثورية بالإجمال، شاعر سوري كاره للشهرة يكتب قصائده ويحرقها، أعتقد بأنه لو قام بالنشر لصُنِّفَ على قائمة أفضل الشعراء”.

“صميم حلوم”، “أدين لهذا الرجل الذي أناديه بـ “الخال” أنه كاره للشهرة، وقدّ استفزني، فلسوريا الحق أن تباهي بإبداع أبناءها، و”هيمنجواي” الذي عمل كمراسل حربي ليكتب عن الحرب بصدق تام، جورج أورويل الذي أعطانا نبعًا لا ينضب من النبوءات، سأكتفي بهذا القدر من الأدباء”.

“أليكس فريكسون” اسماً غريبًا بالنسبة لقراء الأدب فهو مدرب أسطوري لكرة القدم، ومنه تعلمت “روان” عدم الاستسلام.

 

ختامًا..

تقتبس الكاتبة السورية من رواية “هنا الشام” _” الكتابة فعل كآبة إيجابي إن كل ما قرأناه عبر التاريخ هو مجرد تفريغ لوجهات نظر كاتبه، قد ترين هذا الفعل سخيفًا في اللحظة الآنية فهدير الطيران أقوى من الورق، لكن وكلما مرَّ الوقت تنقلب المعادلة فيصبح الورق الناجي من المحرقة هو الأبقى والأنفع”.

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا