من “نبيل خير” إلى فظائع “قيصر” .. خمسون عامًا من الاعتقالات والتعذيب

الاتحاد برس_ حنين جابر

 

لم يغيّر نظام البعث الحاكم في سوريا من استراتيجيته القمعية على مدى خمسة عقود حوّل فيها سوريا إلى دولة بوليسية بدأها “حافظ الأسد” بتشكيل عددٍ من الأجهزة الإستخباراتية عام 1970 معتمدًا على القبضة الأمنية من الضباط الموثوقين ليرث ابنه”بشار الأسد” دولة بوليسية متابعا في ذات النهج.

من قضية  “نبيل غالب خير” الذي قضى أكثر من نصف حياته معتقلًا في عهد حافظ الأسد عندما كان “الجيش السوري في لبنان “بتهمة انتمائه لـ”جيش لحد” المدعوم من اسرائيل في ذلك الوقت وانتهت بوفاته في مشفى السويداء مسقط رأسه صباح أمس الجمعة 23/4/2021، إثر وعكة صحية، إلى سلسلة الاعتقالات التي حدثت في عهد الابن “بشار الأسد” ولاسيما بعد اندلاع الانتفاضة السورية، إذ ازداد عدد المعتقلين والمغييبن في غياهب المعتقلات، حتى خرج قيصر ليكشف بأكثر من 50 ألف صورة تظهر فداحة الانتهاكات.

قصة نبيل الخير

قصة “نبيل خير” بدأت  منذ اعتقاله على يد المخابرات السورية عام 1991 حيث كان شابًا بعمر 24 عامًا، حين كان متوجهاً لعمله في لبنان، أثناء فترة تواجد القوات السورية هناك، وهو من مواليد عام 1967، منحدر من بلدة “قنوات” في ريف السويداء، ونشأ في بلدة “عرمون ” بجبل لبنان، وأمضى بقية حياته في السجن.

المخابرات العسكرية حوّلت “نبيل” بعد اعتقاله في لبنان إلى فرع فلسطين في دمشق، أمضى فيها ستة أشهر وتعرض لعمليات تعذيب قاسية، قبل أن يتم تحويله إلى محكمة الميدان العسكرية، حيث وجهت له عدة تهم منها الانضمام إلى “جيش لحد” المدعوم من إسرائيل والمؤسس عام 1976 والتعاون مع جهات معادية.

وفق وسائل إعلام محلية، لم يحظ نبيل  بأي محاكمة عادلة، ولم يتمكن من توكيل محامي أو الدفاع عن نفسه، لافتاً إلى أن محكمة الميدان حكمت عليه بالإعدام، ثم تراجعت عن الحكم إلى السجن المؤبد، وتم تحويله إلى سجن صيدنايا ليقضي فيه حوالي 20 عاماً، و نُقل عام 2011 إلى سجن السويداء المركزي ليمضي فيه بقية حياته على الرغم من تدهور حالته الصحية ومرضه في السجن خلال السنوات الأخيرة من حياته، إلا أن السلطات السورية رفضت جميع طلباته بإعادة محاكمته، كما لم يتم تشميله في أي عفو.
ولم تنجح محاولات الرئاسة الروحية الممثلة بالشيخ “حكمت الهجري” بإخراجه حيث رفعت الرئاسة الروحية  كتابين إلى السلطات، أحدهما إلى القصر الجمهوري، خلال السنوات القليلة الماضية، للمطالبة يإعادة محاكمته. دون أن تلقَ آذانًا صاغية.

قيصر .. تفوّق للابن على أبيه

لم يقدم بشار الأسد تنازلات للمعارضة والشعب السوري ومع اشتعال الاحتجاجات أصبحت السلطة مشغولة باعتقال الآلاف ليموتوا تحت التعذيب لاحقا وهو ما كشفه في أغسطس آب 2013،  مصور عسكري سوري هرب إلى أوروبا. قيصر وهو اسمه المستعار، كان يوثق الوفيات في معتقلات السلطة، وكان معه عشرات آلاف الصور لجثث معتقلين عُذّبوا وقتلوا في المعتقلات. وبسبب الكمية الهائلة، لا تزال عملية التعرف على هويات بعض القتلى جارية حتى الآن.

أظهرت الصور آثار تعذيب وحشية على أجساد المعتقلين القتلى الذين تجاوزا 10 آلاف ضحية، فتعود للأذهان مجزرة حماة التي قمع فيها حافظ الأسد حركة”الاخوان المسلمين المتشددين”وتعددت الروايات بخصوص أعداد الضحايا فقدرت تقارير صحفية سقوط 2000 -4000 مواطن، فيما قدّر آخرون وعلى رأسهم روبرت فيسك أن عدد الضحايا قد بلغَ 20,000؛ بينما قالت اللجنة السورية لحقوق الإنسان إن حصيلة الضحايا قد تجاوزت الـ 40,000. قُتل خلال العملية أيضًا حوالي 1000 جندي سوري كما دُمّرت أجزاء كبيرة من المدينة القديمة؛ وقد وُصفَ الهجوم بأنه أحد “أكثر الأعمال دموية التي قامت بها حكومة عربية ضد شعبها في التاريخ الحديث للشرق الأوسط”.

لم يقتصر قمع السلطات السورية على المعارضين، وإنما تعدّاه إلى مؤيديه، فقد قامت بسلسلة من الاعتقالات بحق كل من يشير بإصبعه، إلى فساد حاصل،  كان إحداها توقيف فريال جحجاح، في أوائل يناير من العام الجاري، والتي لاتزال قيد الاعتقال، وهي المفتشة السابقة في الرقابة والتفتيش، والتحقيق معها، بسبب نشاطها على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعبيرها عن دعمها لإحدى الصفحات الناقدة لفساد واسع في المؤسسات الحكومية.

كما اعتقلت أجهزة أمن السلطة، الشهر الماضي، الصحفي الموالي كنان وقاف، العامل في جريدة “الوحدة” المحلية بمحافظة اللاذقية، دون ذكر لأسباب الاعتقال، لكنّ صفحات محلية على وسائل التواصل الاجتماعي أشارت بدورها إلى أن سبب الاعتقال يعود لـ “فضح وقاف إجرام محافظ الحسكة، اللواء غسان خليل، عندما تحدث في الـ6 من الشهر الجاري عبر فيس بوك، عن اختطاف خليل لعسكري سوري وطلب فدية مالية باهظة من أهله”.

رغم كل ذلك لازال الأسد على رأس السلطة واليوم يتقدم ليرشح نفسه في مسرحية الانتخابات الرئاسية، مع مجموعة كومبارس، يمثلون الأدوار المرسومة لهم، وذلك بعيدًا عن قرار 2254  والذي ينص على انتخابات حرة نزيهة بإشراف الأمم المتحدة وبعد صياغة دستور جديد، ولاسيما وأن اللجنة الدستورية فشلت بمسعاها باعتراف غير بيدرسون، مبعوث الأمين الخاص إلى سوريا.

 

قد يعجبك ايضا