نصب تذكاري في كندا بيدين سوريتين.. رندة حجازي: أنا والفن خلقنا ونموت معًا

الاتحاد برس – هبة زين العابدين

 

البداية الحقيقة مع الفن مبهمة بالنسبة لي، فلا أذكر أننا كنا منفصلين، لقد خلقت والفن معًا، حتى كدت أنسى متى بدأت به، فأنا والفن خلقنا من رحم واحد، ولن نموت إلا معًا، هكذا أجابت الفنانة التشكيلية “رندة حجازي” عند سؤالها عن بداياتها مع الفن، فهما كيان واحد يمضيان العمر معًا على درب واحد.

الفنانة التشكيلية السورية رندة حجازي، خريجة فنون جميلة، وكلية الإعلام من جامعة دمشق، وهي أم لابنتين، تعيش حياتها متنقلة بين 3 دول، كندا ودبي وسوريا، وتعمل جاهدة لإيصال رسالتها الفنية للعالم، وهو ما دفعها للسفر المستمر.

تقول الفنانة السورية “الرسم مرهق، يأخذ من الروح والعواطف من أجل إيصال الشعور والهدف من اللوحة…أغوص بالفن لدرجة الإرهاق، وكلما قررت تركه، من شدة التعب، أجد نفسي أعود إلى ريشتي ورسمي، فأنا لا أستطيع الانفصال عنه وكأننا كيان واحد!!”

هناك فارق كبير بين الفن المكتسب والفن الذي خُلِق بالفطرة، وهنا تجد حجازي نفسها بلا شك فنانة بالفطرة، وتقول “أعتبر أن الفن موجود داخلي بالفطرة، ولا أعلم متى بدأت رحلتي معه…لقد نما بداخلي، لكنني موقنة أنه لن ينتهي”.

“أن يسألني شخص ماذا يعني لكِ الفن، وكأنه يسألني ماذا تعني لك الحياة، فهو كل حياتي، وجزء لا يتجزأ من أي عمل في حياتي اليومية.”

مسيرة فنية لا تنضب…رحلة العمر

 

في مسيرة حجازي الفنية، يوجد ما يقارب 25 معرضًا، أقامتها بين دمشق ودبي وكندا، منها معارض فردية ومنها مشترك مع فنانين آخرين، وعند سؤال حجازي عن المعرض الأحبّ إليها، أجابت “لا يمكن أن أحب معرضًا أكثر من الآخر، فلكل منها كان هناك وقع خاص ورسالة تميّزه، وجميع معارضي تقريبًا تحمل هدفًا ورسالة معينة وسامية”.

تصنّف الفنانة نفسها من رسامي الفن الملتزم، وتفضّل أن يكون هناك هدف دومًا من أعمالها، وتحديدًا فيما يتعلق بقضايا المجتمع والناس، وتؤكدّ الرسامة على سعيها لتسليط الضوء على كل إنسان أو قضية بحاجة لمساعدة  في إيصالها، من خلال أعمالها، وتقول “كل معرض أشارك فيه يكون جزءًا من عالمي ومن روحي أو من مشاعري التي أشعر بها بالنسبة لقضية من قضايا المجتمع والناس.”

يوجد للفنانة في سوريا، حوالي 60 لوحة، وقد ذكرت أنها تنوي أن تشارك هذه اللوحات مع فنانين سوريين في بلدها، لكن الفكرة تأجلت بسبب جائحة كورونا، إلا أن هذا المشروع قائم، وسيتم تنفيذه فور تحسّن الأوضاع وانحسار الجائحة.

اثنان وعشرون قبلة… قُبًل الله على الأرض

 

تتحدث رندة للـ “الاتحاد برس” عن أحد معارضها الذي يلامس وجعًا لا يشفى بالنسبة لها، وهو معرض ” اثنان وعشرون قبلة”، والمقصود باسم المعرض هو البلدان العربية الـ22، حيث تدور لوحات المعرض عن البلدان العربية وتصوّر معاناة الشعوب العربية وأزماتها، وتقول الفنانة “أدعو هذه البلدان الـ22 بقُبَل الله على الأرض، وفي فترة هذا المعرض كنت متأثرة للغاية جراء معاناة البلدان العربية التي لا تنتهي، وخاصة بلدي سوريا، فهي كانت وما زالت الوجع الأكبر، ولهذا أقمت هذا المعرض، ويوم هذا المعرض كان بالنسبة لي بداية جديدة وحياة جديدة، وأمل جديد، أملٌ من أنه بالإمكان أن نصنع فرقًا، أو على الأقل أن نعبّر عن الألم الكبير، لذا يوجد أثر عميق بداخلي وهو هذا المعرض”.

 

 

عقبات المُغتًرب…لا يوجد شيء مستحيل!

 

دمشق قدمت لي الكثير، وشعرت أنه من واجبي أن أرد لها ما قدمت من خلال فني، فالفن عابر للقارات، ويحاكي كل روح إنسانية، لذا كنت على يقين أنني كسورية يمكنني أن أقدم للعالم صورةً عن بلدي، وخروجي كان لا بد منه فالفن رسالة يجب أن تجوب العالم، فكان لا بدّ من السفر كي أكبر باسم بلدي.” هكذا بدأت رندة حديثها عن رحلتها في الغربة.

انتقلت الفنانة أولًا إلى الإمارات، التي اكتسبت فيها خبرة وكان لها فرصة جميلة، وتصف حجازي الإمارات بأنها بلد مفعمة بالحياة الثقافية والفنية، وقالت “كانت محطة وصل بيني وبين باقي الدول، وكانت أكبر نجاحاتي في الإمارات.”

أما في كندا، كان التحدي الأصعب بالنسبة لحجازي، بسبب العزلة الكبيرة، وبسبب الاختلاف الكبير بين الحضارات، إضافة للصعوبات بتعلم اللغات، وتقول حجازي “كندا بلد راق جدًا ويعطي الفرص لمن يستحق، لكن المنافسة كبيرة. وجودي ببلد كبير وفيه الكثير من المنافسة”.

وتتابع “كل دولة كان لها سبب في نجاحي، ولكن الأساس هو من سوريا، وأتمنى من الله أن يحميها، كي تنتعش مجددًا ثقافيًا وحضاريًا وإنسانيًا، فسوريا وشعبها يليق بهم الفرح وهو ما أتمناه في الوقت القريب.”

تحدثنا الفنانة التشكيلية، عن الصعوبات التي واجهتها في المغترب، “لقد كانت كثيرة” تقول رندة، البداية من التأقلم مع بيئات جديدة، والاندماج مع مجتمعات جديدة وغريبة، فهناك قوانين يجب فهمها والتقيد بها، وعادات وتقاليد يجب احترامها، خاصة بالانتقال بين 3 دول”.

وتضيف رندة، بعد هذه الصعوبات، تأتي المرحلة الجميلة، وهي مرحلة الانفتاح على الحياة والمجتمع الجديد، واكتساب ثقافة جديدة، وهذا يزيد الأفق الفني، ويساعد على فهم الإنسانية كم جوانب مختلفة، وهذا علّمني الكثير”.

أما على الصعيد الفني، تقول الفنانة ” لقد كان في البداية صعبٌ أيضًا، لكن فهمي للعيش في دول مختلفة، ساعدني وأثراني أكثر من قبل، وفتح لي أفق جديدة”، وتؤكدّ أن كل إنسان قادر على إثبات نفسه في أي مكان، خارج وطنه، سواء فنيًا أو ثقافيًا أو تعليميًا، وتضيف “أنا على ثقة بالشعب السوري على وجه الخصوص من هذه الناحية، فهو شعب حي وقوي وقادر على إثبات نفسه ومواجهة الصعاب بغض النظر عن مكان تواجده، وبالإصرار لا يوجد مستحيل.”

 

 

وتصمت حجازي قليلًا، وتتابع بغصّة، “سوريا هي روحٌ ولا يمكن الانفصال عنها، وهي في داخلي دومًا مهما طال غيابي عنها، وأي عمل أقوم له، أحرص على ذكر اسم بلدي قبل اسمي، والفن عابر للقارات ولا يجب أن يحصر بمكان واحد، لذا كان لا بدّ من الخروج، وبهذا أستطيع أن أخدم اسم بلدي”.

وبالنسبة للعودة للوطن، قالت حجازيسوريا روح لا تترك وهي داخلي دومًا، لكني دائمًا أضع المصلحة السورية فوق المصلحة الشخصية وليس لدي مساومة على هذا الموضوع، فلو كنت موجودة في سوريا ربما لم أكن لأستطيع أن أقدم لسوريا شيء، لذا يجب أن أبقى متنقلة، لكن لا غنى عن سوريا، وأنا أزورها من فترة لفترة…سوريا حبيبة القلب وهي الهاجس الأكبر”.

حكاية الصقر في لوحات حجازي…ردُّ معروف    

   

تقول حجازي “أنا لا أرسم ارتجاليًا، فكل موضوع أطرحه من خلال لوحاتي أدرسه مسبقًا وأقرأ حوله، ومن ثم أبدأ بالعمل عليه، ولكن بالنسبة للصقر في لوحاتي، فهناك حكاية خاصة، فالصقر هو حنين للماضي الذي عشته في الإمارات، فقد قدمت الإمارات لي فرصًا رائعة،  وخاصة دبي”، وتتابع “دبي إمارة الفن والثقافة والاقتصاد وهي مفتوحة على كل الثقافات وكل الحضارات، وكانت بدايتي الفنية القوية فيها، فقد انخرطت حينها بأجواء ثقافية وفنية مميزة، وهناك بدأ فني بالانتشار الفعلي، وهذا هو سر الصقر.”، حيث يعتبر الصقر رمزًا يعبّر عن دولة الإمارات.

نصيحة…

 

ما هي نصيحتك لأي شخص يريد الغوص في عالم الفن التشكيلي؟

“السرّ الأول، هو الإصرار”، وترى رندة أن هذا الفن صعب ويحتاج للوقت كي يستطيع الفنان إثبات نفسه ورسالته الفنية، فهو صامتٌ ونخبوي، خاصة أن الفن التشكيلي لا يعتمد على البصر أو على أي حاسة أخرى من حواس الإنسان، بحسب حجازي، بل يعتمد على البصيرة الإنسانية.

وتضيف “الكون مليء بالطاقة ويجب فهمه، والثقافة ضرورية جدًا، ويجب الاطلاع على الفن القديم والتحرر منه في نفس الوقت، دون الارتباط بمدارس فنية معينة، والتعليم الأكاديمي مهم، وعلينا فهم المدارس الفنية، لكن يجب التحرر منها لتقديم شيء خاص ويعبّر عن شخصيتنا.”

 

ماذا عن الفن المجسّم والرسم على الأثاث؟

 

بداية الفنانة مع الأعمال الفنية المجسّمة كانت بالصدفة، وقد عادت بنا بذاكرتها الفنية إلى فترة فراغ مرا بها، حيث كانت تجلس في منزلها، فتذكرت إحدى الطاولات القديمة الموجودة لديها، فأتت بها، وبدأت بالرسم عليها كنوع من التسلية، لكن ما حصل لاحقًا فاجئها!

وتقول حجازي ” في كندا موضوع البيئة والحفاظ عليها أمر هام للغاية، لذا فإن إعادة تدوير الأشياء والأثاث وعدم استهلاك الطبيعة قدر الإمكان، كان محطّ اهتمام هنا، فخطر لي أن أقوم بالمزيد من الرسم على الأثاث القديم، وإحيائه من جديد، فلقي هذا المشروع اهتمامًا كبيرًا”.

إنجازات أخيرة…بصمةٌ هامة في كندا

 

عن آخر إنجازات الفنانة السورية، حدثتنا حجازي أنه تم قبولها منذ حوالي 10 أشهر كأول فنانة سورية بدائرة فنانين ونحاتين “كيبك”، وتمت الموافقة على طلبها بناء على شهادات وخبرات ودراسة الأعمال الفنية التي قدمتها، وهي الآن واحدة من 4 أربع فنانين عرب المقبولين، والثلاثة الآخرون من الجزائر.

خطوتها الثانية ، كانت قبولها في المجلس الفدرالي الكندي للفن التشكيلي، وهو مجلس في العاصمة الكندية ، ويعدّ أعلى مجلس في كندا والانتساب له صعب جدًا، وتقول حجازي “كانت صدمة كبيرة وسعادة غامرة عندما تم قبولي!”.

أما مؤخرًا، فقد شاركت الفنانة التشكيلية بمسابقة لتصميم نصب تذكاري في كندا، وقد تم قبول تصميم رندة حجازي وفازت بالمسابقة، وهي الآن تعمل على تصميم النصب الذي سيكون بطول حوالي 3 أو 4 أمتار، وسوف يوضع في إحدى ساحات كندا، حيث سيكون التدشين العام القادم، ونقول حجازي “أنه فخر كبير لي أن أصمم نصبًا تذكاريًا وأن ينك وضعه في إحدى ساحات كندا، وهذا ما اعتبره نصر لسوريا وبصمة مهمة لبلدي”.

 

قد يعجبك ايضا