هذا ما سيبدو عليه مستقبل  العولمة

 

الاتحاد برس || مترحم

أثبت الوباء، هذه المرة وإلى الأبد، أن العالم لا يمكن أن يكون مسطحًا. لكن التجارة العالمية يمكن أن تتعافى – إذا أعدنا كتابة القواعد. بهذه المقدمة، بدأ الكاتبان هنري فاريل، أبراهام نيومان، تحقيقهما الذي نُشر أمس الثلاثاء في فورين بوليسي.

ينطلق الكاتبان في تحقيقهما من فكرة التغيير الكبير الذي طرأ على عالم التجارة والتبادل، حيث لا يمكن التنبؤ به، والتحول إلى عالمٍ من الحصار الحكومي والسرقة الجريئة.

ويرجع الكاتبان السبب إلى التغيير الناجم عن جائحة فيروس  كورونا وساقوا بعض الأمثلة الواضحة على هذا التغير.

على سبيل المثال، اعترضت الولايات المتحدة أقنعة طبية كان يتم شحنها من تايلاند إلى ألمانيا، وأعادت توجيهها لأغراضها الخاصة، في خطوة وصفها مسؤولون ألمان بأنها قرصنة.

في حين، منعت ألمانيا نفسها تصدير الأقنعة وغيرها من المعدات الطبية في وقت كانت فيه زميلتها إيطاليا العضو في  الاتحاد الأوروبي تطلب المساعدة.

الأزمة التي تواجه  العولمة الاقتصادية، وطفت حديثًا على السطح، ليست وليدة جائحة كورونا الحالية، وفق روؤية الكاتبان، لكن لها جذور عميقة، حيث تركز الشركات الفردية بشدة على زيادة الكفاءة وتحقيق الهيمنة على السوق، وهي إجراءات ولدت نقاط ضعف منهجية مما أدى إلى تهديد “سلاسل التوريد” الهشة في أوقات الأزمات وإغراء الحكومات لاستهداف الشركات المهيمنة لمصلحتها الخاصة، الأمر الذي خلق مخاطر جديدة على المواطنين والدول.

نقطة ضعف أخرى ساقها الكاتبان، إذ أصبح المورّدون يركّزون في مجموعات كثيفة جغرافيًا ، بينما دفع الطلب على الكفاءة في قطاعات أخرى الشركات إلى الاعتماد على مورّد واحد فقط يمكنه توفير مكون ضروري. وهو ما يعني الاحتكار

ثم يعود الكاتبان في حجتهما على هشاشة العولمة إلى  معادلة الأمن و  الانفتاح الاقتصادي، إذ ترجح كفة الأولى على الأخيرة، عند التعرض لحدث أمني، والمثال واضح على ذلك وهو هجمات الحادي عشر من أيلول، واشتعال حدة المنافسة بين  أميركا و  الصين، حيث أدرك صانعو السياسة الأميركيين أن بإمكانهم استخدام سيطرتهم على الشركات التي جعلت من نفسها، من غير الممكن الاستغناء عنها في الاقتصاد العالمي، لإيذاء الخصوم وإكراه الشركات والمنظمات وحتى الدول غير الراغبة من خلال التهديد باستبعادهم من السوق العالمية.

زاد فيروس كورونا من هذه الهشاشة وفق الكاتبان، فبدأت عمليات القرصنة على الكمامات وأجهزة التنفس والضغط الاقتصادي على الشركات لتغيير مسار وارداتها.

مع افتراض النقاد والسياسيون أن الأسواق الحرة والعولمة الاقتصادية يمكن أن تدعم نظامًا دوليًا مستدامًا ذاتيًا، يعتقد الكاتبان أن هذا الطرح غير صحيح، وأنّ النموذج الحالي للعولمة غير مستدام. إنه يخلق مستويات غير مقبولة من المخاطر لكل من المواطنين والدول. سوف يعتمد مستقبل العولمة على قرارات القادة السياسيين وكذلك الشركات.

استقراء مستقبل العولمة يتوقف على الانتخابات الأميركية بحسب الكاتبين، على اعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية هي الضامن للنظام العالمي، فصعود ترامب إلى السلطة سيزيد من هشاشة  النظام العالمي، التي ستمنح القوميين الاقتصاديين المزيد من الأسباب لفعل ما يريدون القيام به على أي حال ، وهو التحول من التجارة الحرة العالمية إلى تسخير قوة الدولة القومية.

لكنّ هزيمة ترامب في تشرين الثاني المقبل، يعني أن الولايات المتحدة الأميركية ستواجه خيارًا أكثر تعقيدًا. لكنّ الطريق الأسهل، بحسب الكاتبين، هو التعامل مع القومية على أنها أحد أعراض السنوات الأربع التي قضاها ترامب في السلطة ، وهو انحراف مؤقت يمكن نسيانه بسرعة مع عودة العالم إلى الوضع الراهن.

يعتقد الكاتبان أنّ العودة إلى العمل كالمعتاد سيؤدي إلى تفاقم المشكلة وليس حلها، ومن غير المرجح أن تبدو العودة المفترضة إلى الحياة الطبيعية، طبيعية.

يختم الكاتبان تحقيقهما باقتراح نظام بديل عن نظام العولمة الحالي، ويبدو المقترح  طوباويًا إلى حد كبير، رغم إشارتهما إلى أنّه الطريق الأكثر صعوبة وهو أيضًا المسار الوحيد المستدام. يتلخص النظام البديل في خلق نموذج جديد للعولمة يمكن أن يكمل، ومع مرور الوقت، يحل جزئيًا محل القديم. إذا كانت العولمة القديمة تقوم على أساس  حكم الأسواق، فإن العولمة الجديدة يجب أن تقوم على أساس  أولوية السلامة العامة ورفاهية الناس. يجب أن تدرك أن الحفاظ على اقتصاد عالمي معقد سيتطلب أحيانًا تدابير تصحيحية فعالة لحماية المجتمعات المتضمنة فيه.

قد يعجبك ايضا