هل نحن على أعتاب حرب عالمية ثالثة

حملة بريطانية مجنونة ضد مسلسل التاج، احتجاج وتهديد ووعيد وإلزام القناة التي تعرضه على وضع إشارة شبه دائمة أثناء العرض تقول أن أحداث المسلسل من وحي الخيال، نعم يا سادة بريطانيا تعترض على ملابس الملكة التي ترتديها في المسلسل وتعتبر أن المسلسل يتعمد الإساءة إلى الملكة والأمير تشارلز، وأنا أتفهم هذا الاعتراض لتسببه بضرب الوحدة الوطنية والقيم البريطانية.

في المقابل نجد ترحيب شديد في الغرب بشكل عام بمسلسل الكوميديا السوداء بعنوان موت ستالين والذي يعرض بشكل مبتذل حالة موت ستالين وتبوله وقرف القيادة السوفيتية أثناء النقاش حول الجثة الغارقة ببولها.

بروبراغاندا موجهة أيضاً في فيلم تشيرنوبيل يظهر أن القيادة السوفيتية قد ضحت بشكل مبتذل بمواطنيها وعلمائها واللافت أن ألوان الفيلم رمادية شاحبة وتوحي بالموت و الدمار والبؤس، وأن المخابرات السوفيتية تصطحب أحد علماء الذرة في رحلة بطائرة مروحية وتهدده برميه من الطائرة إذا لم يقل ما يريدون منه قوله.

هذه الشيطنة المتعمدة والممنهجة لكل ما أدى إلى تفوق الاتحاد السوفيتي ومن بعده روسيا عن طريق بروبراغاندا مفضوحة، تسكن في العقل الباطن للأجيال الصاعدة على مدى عقود وليست وليدة اليوم، وليس ذلك عن عبث بل بسبب الهزائم التاريخية التي تعرض لها الغرب أمام روسيا، فعلى مر القرون تعرضت أوروبا إلى الاذلال والاستباحة وفي كل مرة كانت روسيا تهزم من أذل أوروبا أو من قامت القارة العجوز بدعمه على أمل تسيد العالم، وتعيد بدورها للدول المستباحة سيادتها.

حقائق تاريخية

في القرن الثامن عشر كسرت روسيا عظام (كارل الثاني عشر) ملك السويد ( 1697 / 1718 ) والذي هزمه القيصر الروسي بطرس الأكبر في موقعة (بلتافا)، في عام 1709 الأمر الذي أجبره على اللجوء للعيش في الإمبراطورية العثمانية العدوة التقليدية لروسيا.. ليعود بعدها ويغزو النرويج عام 1716 فيقتل في معركة حصار (هالدن) وقد كلفت حملاته العسكرية التي انتهت بقتله السويد ثروات طائلة ولم تعد السويد بعد قتله معترفاً بها كدولة عظمى.

في القرن التاسع عشر نابليون أذل الجميع وبعدها توجه إلى روسيا ووصل إلى موسكو.. أيضاً هزمه الروس ومرّغوا أنفه في التراب.

في القرن العشرين هتلر الذي استطاع السيطرة على القارة العجوز بسرعة البرق، بل ولقي ترحيب لدى بعض الأمم التي تحالفت معه عنوة أو عن طيب خاطر، أذله الحلفاء وعلى رأسهم روسيا (الاتحاد السوفيتي) الذي دحره الى عقر داره.

نعم روسيا استطاعت هزيمة كل الذين كانوا قد أخضعوا أوروبا لإرادتهم ولم يستطيعوا إخضاع روسيا أو هزيمتها.

المازوخية الأوربية

بنظرة سريعة إلى سياسة الغرب سنلاحظ أن العلاقة بين أميركا  وبين (حلفاؤها) مازوخية، فالولايات المتحدة الامريكية تعتبر القارة الأوروبية غنيمة حصلت عليها نتيجة الحروب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة، وتعامل الاوربيون على هذا الأساس، ولهذا تستخدمهم وتستنزف طاقاتهم الاقتصادية ومجالهم الجغرافي وإرادتهم السياسية المهدورة على مذبح حصار روسيا ولجمها سياسيا” وعسكريا” واقتصاديا”.

كما أنها تتهم روسيا بأنها عدائية وتهدد الأمن الأوربي رغم أنه وفي واقع الأمر، الناتو هو من بقي على الأراضي الأوروبية بحجة حمايتها من (العدوان الروسي المحتمل) مع العلم أن وجود القوات الأمريكية على أراضي أوروبا كان بناءً على نتائج الحرب العالمية الثانية على شكل استعمار دون أي شائبة، كما كان المبرر ذاته والصفة ذاتها لقوات الاتحاد السوفيتي التي ورثت روسيا عنه مكتسباته وديونه وكل معاهداته.

الناتو هو من يزحف نحو حدود روسيا بتوسيع جغرافية وجوده العسكري والسياسي بضم دول أوروبا الشرقية أعضاء حلف وارسو قبل انهياره التي انسحبت منها روسيا، بل ويضم تلك الدول إلى حلف الناتو الذي فقد معنى لوجوده بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وحلف وارسو رغم كل الوعود التي أطلقتها الولايات المتحدة والتي تنص على عدم ضم تلك الدول إلى حلفها، فما بالك بنشر قواعد عسكرية على أراضيها بهدف طبق الخناق حول روسيا.

لقد سلبت الولايات المتحدة الدول الأوربية السيادة وأوربا مازالت تظن كما يوحي لها الأمريكي أن عدوتها روسيا وليس العكس وبالتالي:

اعتقد ان لدى الأوربيين عقدة ستوكهولم، فالولايات المتحدة تتخذهم رهينة لمصالحها، وهم يثقون ويدافعون عنها، رغم التململ الأوروبي الخجول..

وهنا لابد من الإشارة الى معاهدة الصواريخ القصيرة ومتوسطة المدى. فالولايات المتحدة تجبر روسيا بخروجها من الاتفاقية على نشر صواريخ متوسطة المدى على حدودها الغربية، الأمر الذي سيضع كل أوروبا تحت مرمى هذه الصواريخ، وبالتالي ستكون أوروبا القربان الأمريكي الأول الذي ستقدمه على مذبح الخلافات مع الروس.

روسيا تعي هذا الأمر جيدا” وتريد علاقات جيدة مع جيرانها، أما الولايات المتحدة فتريد إخراج روسيا من السوق الأوربية عن طريق دب الرعب في قلوب وعقول الأوربيون، مما سيؤدي إن حصل لهم ما أرادوا أن يفرضوا على الأوربيين على سبيل المثال شراء الغاز المسال بسعر أغلى من الغاز الروسي بثلاثين بالمئة و إذا ما كان لهم ما أرادوا سيتحكمون ايضا” بأمن الطاقة الأوربي وبالتالي الأمن الاقتصادي.

لهذه الأسباب نلاحظ أن روسيا متمسكة بهذه الاتفاقية وقد قدم الرئيس فلاديمير بوتين عرض بعدم نشر الصاروخ المعترض عليه امريكيا” على الارض، لكن الامريكيين يتصرفون كالذي بأذنتيه طين وعجين.

لا ننسى أن الروس قاموا بعرض الصاروخ المذكور على الملحقين العسكريين الاجانب، ليثبتوا أنه لا يخالف الاتفاقية ومع ذلك لم يحضر هذا العرض أي من ممثلين دول الناتو.
كل ما سبق يفسر الرهاب الروسي (روسافوبيا) لدى الغرب ويقودنا في ظل الجو السائد في العالم الى السؤال التالي:

هل نحن على اعتاب حرب عالمية ثالثة؟؟

اعتقد أن مجموعة من نقاط ساخنة حول روسيا ستؤدي إلى حروب صغيرة يتم من خلالها استعراض القوة العسكرية والإرادة السياسية بين الناتو وروسيا، يستخدم الناتو فيها بعض الحلفاء كبولونيا أو بعض دول بحر البلطيق أو أحد الذين يرغبون بالانضمام إلى الحلف كأوكرانيا أو جورجيا مثلاً.

ويمكن أن تكون هذه المناطق الساخنة في منطقة الشرق الأوسط كسوريا عن طريق حرب البروكسي باستخدام الفصائل الموالية تركيا كرأس حربة، وإذا ما تطورت الاحداث فلا استبعد أن تدخل تركيا نفسها في حرب غير معلنة.

على كل حال يمكن أن يكون هذا الاشتباك في نقطة ما من العالم والمهم هنا جر الروس لحرب صغيرة يعتقد الغرب أنه من الممكن إبقائها تحت السيطرة وانهائها في أي لحظة، فإذا أبدت القيادة السياسية الروسية حزماً وأبلى الجيش الروسي بلاء حسنا سيتراجع الناتو عن خطة تفكيك الاتحاد الروسي الفيدرالي مؤقتاً، ولكن إن تلكأت القيادة السياسية وكان أداء السلاح الروسي سيئاً فسيتم التغول أكثر في الضغط على روسيا حتى يتم تفكيكها وتجزيئها إلى أقاليم مستقلة وبالتالي إبعادها عن المسرح العالمي كدولة عظمى والتحكم بمواردها وسيادتها.

الماكينة الإعلامية ودورها العالمي

نلاحظ اليوم أن الإنتاج الفني يخدم مصالح السياسة ناهيك عن الماكينة الإعلامية التي بدأت تأخذ على عاتقها تحديد نتائج الانتخابات والاعتراف برؤساء وتنصيبهم حتى قبل أن يتم الإعلان النهائي للنتائج.!، كما أن هذه الماكينة تتبنى الأخبار المفبركة و الاتهامات لبعض الدول وعلى رأسها روسيا دون تقديم أي دليل من قبل المدعين (تسميم سكريبال في بريطانيا، الكسي نفالني في روسيا، وامثلة لا حصر لها).

نحن اليوم في زمن الفوضى .. نعم في زمن اللامعقول، فالفيسبوك والتويتر وباقي وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية تعلن الرئيس المرشح للانتخابات الرئاسية رئيساً منتخباً رغم عدم الإعلان الرسمي للمؤسسات المختصة ورغم عدم اعتراف الرئيس الذي مازال يعمل كرئيس للولايات المتحدة الامريكية ولم يعترف بهزيمته.

حتى اليوتوب نجده أصبح مسيساً، فما يروق لسياسة الغرب يتصدر الفيديوهات المقترحة للمشاركة وما لا يروق لهم لا تجده وإن وجدته ستلاحظ أن إشارة من اليوتوب تقول لك أن الفيديو مشكك في مصداقية معلوماته أو أنه يحوي على مشاهد مؤذية الخ الخ ..

ناهيك عن محركات البحث (الغوغل) فهي تقدم لك المعلومات التي تروق لها أيضاً، بينما غير ذلك فإن وجدت المعلومة فستكون في الصفحة العاشرة لنتائج البحث.

كنت قد تفهمت ما يجري لو أن ترامب على سبيل المثال قد اعترف بهزيمته وبارك لبايدن، أو لو كانت المؤسسات المختصة قد أعلنت النتائج، أو أن المعلومات الكاذبة قد أرفقت بدليل على صحتها، لكن أن يحدث ذلك قبل كل ما سبق بل و في مرحلة تتقدم فيه حملة ترامب بدعاوي أمام القضاء بتهمة تزوير الانتخابات فهذه سابقة خطيرة.

من يجرؤ أن يقول لرئيس الولايات المتحدة اذهب الى الجحيم ويضع على تغريداته مؤشر يقول أن ما جاء في المنشور غير صحيح أو أن يحجب المنشور عن المتابعين؟؟ بل ويمنح المرشح للرئاسة قبل تنصيبه لقب الرئيس المنتخب مع أن المقصود ( president elected) هو الرئيس الجاري انتخابه بينما ترامب وحسب الدستور الأمريكي يبقى رئيساً حتى 20.010202

فمن أعطى الحق لوسائل الاعلام بإعلان فوز بايدن ومنحه لقب الرئيس المنتخب ؟؟ بالمناسبة أنا لا يهمني من سيفوز في النهاية بالانتخابات الأمريكية ولا من سيسكن البيت الأبيض ولكني لا أستطيع أن اقتنع بأن هذه الجرأة جاءت من فراغ، وأميل إلى أننا أصبحنا اليوم في زمن الاقتصاد الرأسمالي الرقمي الحديث وهو ما يمكن أصحابه من تملك واحتكار العجينة التي يتم تشكيل العالم الجديد منها.

تساؤلات لابد منها

من الذي حرك الحملة الإعلامية لشيطنة الحزب الشيوعي الصيني في السنة الأخيرة رغم أنه كان يضرب به المثل ويعزى إليه نجاح الصين الباهر في العقدين الأخيرين.؟
من الذي كان وراء شلل الاقتصاد العالمي بسبب جانحة كورونا رغم أن أوبئة سبقتها لم تؤد إلى مثل هذا الشلل؟

لماذا تهاجم تلك الوسائل أي نظام حكم لا يروق أو لا يطبطب للغرب بسبب أو دون سبب وتتجاهل القمع الوحشي للبشر في فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وغيرهم؟.

في نهاية الأمر استطيع القول أن سياسة الغرب قد تؤدي إلى حروب صغيرة ترافقها حملات شيطنة ممنهجة ولكن إذا ما خرجت هذه الحروب عن السيطرة فقد نستيقظ ونجد نصف الكرة الأرضية مدمرة أو لا نستيقظ لأنه وببساطة قد يخرج هذا الكوكب الذي نعيش عليه من مساره فنهوي معه الى الجنة او الجحيم.

فكما قال الرئيس بوتين عند سؤاله عن إمكانية قراره بالضغط على زر القنبلة أو الصواريخ النووية إنه في حالة توجيه ضربة نووية لروسيا “يجب أن يعلموا أن القصاص حتمي، وأنه سيتم تدمير المعتدي. وحذر بوتين حين قال:

نحن ضحايا العدوان، نحن سنموت كشهداء، وسنذهب إلى الجنة، وهم سيفطسون ببساطة، لأنه لن يكون لديهم حتى الوقت للتوبة والاستغفار، أما بالنسبة لي كرئيس لروسيا الاتحادية لا معنى لوجود هذا العالم بعد تدمير روسيا.

أتمنى أن تكون رسالة بوتين رادعة لكل من يتوهم أنه يستطيع محي روسيا عن خارطة العالم ولمن يحرك هذا العالم الرقمي الجديد، وحقبة الذكاء الصناعي الذي بات يدخل إلى كل مفاصل حياتنا، ويهدد الامن العالمي، لأن التقنية الرقمية لا تمتلك ضمير ولا إحساس وقد أصبح من يملك أدوات ترويج المعلومة أو إخفائها هو من سيحدد الشخصيات التي ستقود العالم وبالتالي سيتحكم بقراراتهم سواء في السياسة او الثقافة او الاقتصاد ناهيك عن مسألة السلم أو الحرب.

 

 

قد يعجبك ايضا