هل نريد بالفعل مواجهة الكراهية والتطرف؟

ابراهيم غرايبةهل نريد بالفعل مواجهة الكراهية والتطرف؟

  • الغد – ابراهيم غرايبة

تبدو جهود وأعمال مواجهة الكراهية والتطرف، عموماً، ليست أكثر من إعادة أو محاولة إعادة توجيه الكراهية والتطرف في الاتجاه الذي نظنه صوابا. لم تكن الكراهية بذاتها أفكارا ومشاعر مرفوضة إلا عندما نظن أنها تسير في اتجاه لا نريده، ولكن لا بأس بها (الكراهية) حين تكون تعمل لصالحنا وتخدم مواقفنا.

إلا أنه لا يوجد فرق بين كراهية وكراهية أخرى. والعمل الفاعل والحقيقي في المواجهة يجب أن يستهدف الكراهية مطلقا، وبما هي مشاعر ومواقف مرفوضة أقرب إلى المرض أو العيب الذي يجب أن نتخلص منه، أيا كانت الجهات والأهداف المعرضة للكراهية، وبغض النظر عن العداء معها. والحال أننا نمزج بين الكراهية والعداء، برغم الفارق الكبير بين الموقفين.

فالاختلاف مع الآخرين، وحتى العداء والقتال ضدهم، لا يعني كراهيتهم. وليس ثمة حاجة لكراهية الأعداء، فضلا عن كراهية المختلفين؛ فالعداء أو الاختلاف يهدف إلى تسوية مسألة أو قضية على النحو المرضي للأطراف من دون إلغائها أو إقصائها.. أو إبادتها. لكن الكراهية هي رفض لوجود الآخر، وتحوّل الصراع والخلاف من القضية التي يجري الصراع حولها، إلى عنف يستهدف الآخر بما هو الآخر وبغض النظر عن الخلاف معه. ثم إنها تبرر كل التجاوزات والشرور التي ترتكب، وتكون متقبلة، بل مصدرا للاعتزاز والفخر والمديح. وتتوسع أعمال العنف والعنف المقابل لتتحول إلى حلقة شريرة ممتدة بلا نهاية.

والشوفينية، بما هي التعصب أو الانحياز لـ”نحن” في الأفكار والمواقف والمعتقدات والمزاج واللباس والطعام والثقافة والعرق واللون والتاريخ… سلوك متقبل وراسخ لدينا، بل مصدر فخز واعتزاز، ولا مشكلة لدينا بالتعصب إلا عندما يخالف اتجاهنا ومصالحنا. لكن الفكرة الأصلية في تكريس الاعتدال ومواجهة التطرف، هي رفض التعصب والانحياز أيا كان محتواه، وبناء ثقافة التعددية والتنوع، وليس إعادة إنتاج التعصب والشوفينية في اتجاه جماعات أو جهات محددة، حتى لو كانت معتدية أو متطرفة.

وأسوأ ما يقع فيه دعاة الاعتدال والتنوير، هو عندما يستخدمون السلطة والقوة والنفوذ في الدعوة إلى أفكارهم ومعتقداتهم وتطبيقها، وفي مواجهة الخصوم والمخالفين. فالسلطة بما هي كذلك، لا تقدر على التأثير والإقناع إلا بحيادها، وبمجرد انحيازها إلى فكرة فإن هذه الفكرة تتحول فورا -مهما كانت جميلة أو تقدمية- إلى فكر سلطوي، ولا ينظر إليه أغلب الناس إلا أنه فكر مفروض عليهم، وأنه يقدم إليهم أو يُسَوَّق في ظل وصاية على حرياتهم واختياراتهم وعقولهم وضمائرهم، ويتحول الفكر المخالف إلى مظلة للاحتجاج والمعارضة والتمرد، ويستقطب المهمشين والغاضبين والمعارضين لأسباب أخرى لا علاقة لها بفكر أو اعتقاد.

والحال أن ما يسمى مواجهة التطرف تحول إلى عبء على نفسه وأصحابه، وسوف يكون مجرد وقفه والتخلي عنه من دون عمل شيء آخر، أفضل ما يمكن عمله لمواجهة الكراهية والتطرف، عدا عن توفير الموارد والجهود والوقت.

قد يعجبك ايضا