هل يفعلها أوباما قبل الرحيل؟

إميل أمين

  • الشرق الأوسط – إميل أمين

يترك أوباما الشرق الأوسط بنوع خاص ملتهبًا بصورة غير مسبوقة تاريخيًا، سوريا تكاد تضحى «رواندا أوباما»، والعراق تابع لإيران، واليمن تسعى فيه «القاعدة»، وليبيا موطئ قدم لـ«داعش».

يغادر أوباما البيت الأبيض وقد خُيّل إليه أنه أحرز نصرًا دبلوماسيًا يتمثل في الاتفاق مع إيران، حول برنامجها النووي، والواقع والتاريخ كفيلان بأن يثبتا قصور أوباما في مواجهة لعبة الشطرنج الإدراكية مع نظام الملالي.

أما دول الخليج، فقد بدا الرجل وكأنه يسعى للتحلل من التحالف معها، لا سيما عبر مفرداته سيئة الحظ التي وردت في حوار مجلة «أتلانتيك» عدد أبريل (نيسان) الماضي.

هل تبقى أمل لأوباما يكفل له تعديل صورته في سجل القياصرة الأميركيين، أي أولئك الرؤساء الذين حققوا للبلاد انتصارات سياسية في الداخل أو الخارج؟

لم يتبق غير ملف «المحنة المستمرة» للعرب في الشرق الأوسط، أي الملف الفلسطيني الذي يمكن لأوباما أن يدفعه للأمام، لا سيما أنه سيكون مطلق اليدين في الأشهر المقبلة، فلا هو واقع تحت ضغط اللوبي المناصر لدولة إسرائيل في الولايات المتحدة، ولا هو خائف من فقد فرصة انتخابية رئاسية ثالثة.. ماذا في جعبة أوباما لفلسطين وللفلسطينيين فيما تبقى له من أشهر رئاسية؟

أواخر شهر أبريل الماضي كانت صحيفة «نيويورك تايمز» تتحدث عن صفقة مساعدات عسكرية، يعدها أوباما لإسرائيل، قوامها 40 مليار دولار، هي الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة لدولة حليفة، توزع على مدى السنوات العشر المقبلة، وأن أوباما يسابق الزمن لإنجاز هذا الاتفاق.

هذا الخبر يحتمل قراءة أخرى تتجاوز فكرة المساعدات العسكرية الأميركية التقليدية لإسرائيل، التي يروجها أنصار تل أبيب في واشنطن من أمثال روبرت ساتلوف مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي يرى أن «الرئيس والبيت الأبيض مرجح أن ينهيا فترة ولايتيهما بترصيعها بالتأييد بالدعم الأكبر لأمن إسرائيل».

القراءة المغايرة هي أن أوباما بهذه الصفقة يحاول أن ينفي عن نفسه الاتهامات التي يمكن أن تطاله لاحقًا، حال قرر المضي قدمًا في عملية ضغط غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، يكون الهدف منها الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة.

أحاديث «نيويورك تايمز» تنبئ بأن هناك شيئًا ما يتحرك داخل إدارة أوباما، ربما لم يرتقِ إلى درجة التنفيذ، ويتصل بالسعي لإقحام مجلس الأمن الدولي في المسألة هذه المرة، عبر استصدار قرار أممي جديد، يجبّ القرارات السابقة ولا سيما القرار 242 لسنة 1967، والقرار 338 لسنة 1973، ويكون هذا القرار بمثابة مرجعية جديدة لاتفاق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فحواه حل الدولتين وتنازلات كل طرف التي يتعين عليه تقديمها، لاستئناف مسيرة السلام، وهي خطوة لا تستطيع إسرائيل منعها بأي حال من الأحوال، فقط الأمر يستلزم عدم استخدام واشنطن لحق الفيتو، حال طرحت الخطة الفرنسية في مجلس الأمن.

التسريبات التي نحن بصددها يبدو أنها قد جرت من حولها نقاشات مكثفة في البيت الأبيض، وفي وزارة الخارجية والمعروف أن جون كيري قد خصص وقتًا للمفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية أطول من الوقت الذي خصصه لأي صراع دولي آخر، غير أنه من الواضح أن حالة التردد هي المهيمنة على أجواء إدارة أوباما حتى الساعة، دون إمكانية التوصل إلى قرار قاطع بشأن الاعتراف بفلسطين دولة مستقلة.

هل يكرر أوباما ملامح عهدها العالم في التاريخ الأميركي الحديث لنهاية ولايتي بيل كلينتون وجورج بوش الابن، حاولا فيها التوصل قبل مغادرة البيت الأبيض إلى صيغة ترضي الطرفين المتصارعين منذ سبعة عقود؟

في زمن كلينتون، هدد نتنياهو نفسه الرئيس الأميركي بأنه سيحرق له واشنطن، حال مارس مزيدًا من الضغوط، وقد فعلها عبر فضيحة مونيكا لونيسكي التي حجمت وألجمت كلينتون إلى أن غادر البيت الأبيض، غير أن الإشكالية الحقيقية التي تواجه أوباما تتجاوز نتنياهو نفسه إلى الأجواء العامة في إسرائيل.

منذ بضعة أسابيع أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «بيو» للأبحاث في واشنطن، أن 48 في المائة من الإسرائيليين اليهود يوافقون بقوة على ضرورة طرد العرب ونقلهم خارج إسرائيل، وقد أيّد هذه الخطوة أيضًا ما بين 54 و71 في المائة من اليهود الذين يعتبرون أنفسهم متشددين يمينيين أو محافظين، مقارنة بستة وثلاثين في المائة من العلمانيين.

الحاضر في إسرائيل اليوم وباعتراف آري شبيط الكاتب المعروف من «هآرتس» الإسرائيلية، «ملك للراديكاليين المتطرفين في إسرائيل».. هذا ما تؤكده «لهفاه»، النسخة اليهودية من «داعش» و«القاعدة» التي تريد دولة يهودية تحكم بالتوراة.

هل يمكن لأوباما في ظل هذه الأجواء أن يضحى أيزنهاور جديدًا، ذاك الذي بلغ أوج العظمة في منتصف خمسينات القرن الماضي عشية حرب السويس؟

إرث أوباما الكفيل بأن يغفر له العرب الكثير جدًا من خطاياه، والضامن لأن يسجل اسمه في سجل القياصرة الأميركيين، هو الاعتراف بالدولة الفلسطينية.. قبل الرحيل.

 

قد يعجبك ايضا