لعدة سنوات، ظلت الفكرة تطرح مرارا وتكرارا في بعض الدوائر السياسية الغربية: الضربات الجوية الضخمة يمكن أن تكون كافية لتعثر، أو حتى الإطاحة بالنظام الإيراني. الفرضية جذابة لبساطتها. فهو يَعِد بتغيير استراتيجي من دون المشاركة في الأرض، ومن دون احتلال طويل الأمد، ومن دون ركود عسكري. ومع ذلك، يُظهر التاريخ المعاصر أن النظام المهيكل لا يقع أبدًا تحت القصف وحده.
ولذلك فإن التحليل العقلاني يتطلب الذهاب إلى ما هو أبعد من الشعارات. فالضربات الجوية يمكن أن تضعف الجهاز العسكري، وتدمر البنية التحتية، وتعطل التسلسل القيادي. لكنها لا تحل محل السيطرة على الميدان أو إعادة تشكيل السلطة السياسية.
الحدود الهيكلية لـ “جميع الهوائيات”
النظام لا يقتصر فقط على القواعد العسكرية أو المواقع الاستراتيجية. يقوم على نظام: القوات المسلحة، الأجهزة الأمنية، المؤسسات الإدارية، المناقل الأيديولوجية، شبكات الولاء. إن تدمير البنية التحتية لا يعني حل هذا النظام.
وتوضح تجربة الصراعات الماضية ذلك: فمن دون وجود بري لاحتلال المراكز الحضرية، وتحييد القوات الموالية بشكل مستدام والإشراف على التحول السياسي، نادراً ما تؤدي التفجيرات إلى الانهيار الفوري للسلطة.
علاوة على ذلك، فإن الاستخدام الحصري للغارات الجوية يحمل خطرًا متناقضًا: وهو تعزيز التماسك الداخلي للنظام المستهدف. يُظهر التاريخ أنه في مواجهة العدوان الخارجي، حتى المجتمعات التي تعاني من توترات عميقة يمكنها أن تلتف مؤقتًا حول السلطة القائمة باسم السيادة الوطنية. إن التفجيرات، بعيداً عن التسبب في انهيار فوري، يمكن أن تغذي رد فعل المقاومة، وتضفي الشرعية على الخطاب الأمني للسلطات، وتهميش المعارضة الداخلية، المتهمة بالضعف أو التواطؤ مع العدو.
وأخيرا، يعاني النهج “الجوي الشامل” من قيود استراتيجية كبرى: فهو لا يحل أبدا مسألة ما سيأتي بعد ذلك. التدمير شيء وإعادة بناء النظام السياسي شيء آخر. وبدون وجود جهة فاعلة ذات مصداقية لضمان العملية الانتقالية، وبدون قوة قادرة على تحقيق الاستقرار على الأرض ومنع الصراعات على السلطة، فإن الفراغ الناجم عن الضربات يمكن أن يؤدي إلى الفوضى بدلاً من التغيير. ومن الممكن أن تصبح الدولة الضعيفة، ولكن لا يتم استبدالها، مصدراً لعدم الاستقرار الدائم ــ وهو الاحتمال الذي قد يؤدي على العكس من ذلك إلى تقويض هذه المصالح، بعيداً عن خدمة المصالح الاستراتيجية الغربية.
إيران: دولة منظمة
إيران ليست دولة فاشلة ولا قوة معزولة راسخة في قصر رئاسي. يعتمد النظام على بنية مؤسسية كثيفة وعميقة الجذور: الحرس الثوري، وقوات أمن داخلي منظمة تغطي كامل الأراضي، وجهاز قضائي وإداري مركزي، وشبكة إيديولوجية ودينية مؤثرة، فضلاً عن قاعدة اجتماعية حقيقية، سواء من حيث العضوية أو المصلحة.
وبالتالي فإن إسقاط مثل هذا النظام لا يشكل إضعافاً عسكرياً بسيطاً لمرة واحدة. وسيتضمن ذلك تحييد قواتها المسلحة، وتفكيك أجهزتها الأمنية، والسيطرة بشكل مستدام على المراكز الحضرية الكبيرة، وضمان انتقال مؤسسي ذي مصداقية. وبعبارة أخرى، لا يقتصر الأمر على ضرب البنية التحتية فحسب، بل يتعلق بتفكيك النظام السياسي بأكمله، وهو أمر لا يمكن لحملة قصف واحدة أن تحققه.
التكلفة السياسية للتدخل البري
ويضاف إلى هذا الواقع الاستراتيجي عائق سياسي كبير على الجانب الأميركي. ومن المحتمل أن تنطوي العملية البرية في إيران على خسائر كبيرة في مواجهة جيش كبير والقوات شبه العسكرية المتمرسة في القتال ومنطقة شاسعة ووعرة. سيكون الالتزام ثقيلًا وطويلًا وغير مؤكد.
ومع ذلك، يظل الرأي العام الأميركي متأثراً بعمق بالتجربتين العراقية والأفغانية. إن الخسائر على الأرض، والحروب الطويلة والمكلفة، والمليارات التي ابتلعت في الصراعات دون نتيجة واضحة، تركت بصمة دائمة على النقاش الداخلي.
ل دونالد ترامب وقاعدتها الانتخابية، التي تدعو إلى الحزم الاستراتيجي ولكنها ترفض “الحروب التي لا نهاية لها”، فإن التصعيد البري من شأنه أن يصبح خطراً متفجراً سياسياً. ومع اقتراب المواعيد الانتخابية، وخاصة انتخابات التجديد النصفي، فإن فتح جبهة كبرى في الشرق الأوسط من شأنه أن يؤدي إلى انقسام المعسكر المحافظ، وتعبئة المعارضة الديمقراطية، وتحويل استعراض القوة إلى عبء انتخابي.
القصف لا يحكم
يحدث سقوط النظام عمومًا في ثلاث حالات: هزيمة عسكرية كاملة مصحوبة باحتلال الأراضي، أو انتفاضة داخلية ضخمة ودائمة، أو مزيج من الاثنين. يمكن أن تؤدي الضربات الجوية إلى خلق ضغط، وإضعاف القوة، وتعديل توازن القوى – لكنها ليست كافية لتنظيم العواقب. إن الاعتقاد بأن نظاماً منظماً مثل نظام إيران قد ينهار تحت القنابل فقط هو مقامرة سياسية أكثر من كونه تحليلاً استراتيجياً. والمسألة ليست عسكرية فحسب: بل هي مسألة مؤسسية وإقليمية وسياسية.
وفي نهاية المطاف، فإن التاريخ الحديث يدعو إلى الحذر. يمكنك إضعاف الدولة من الجو. ولا يمكننا أن نستبدله دون وجودنا على الأرض.