يوم تمنى غالب ان يشتري جسده بـ7000 دولار… ويسلّمه لجلّاد الألفية الثالثة

0

يحلمون بالرمل والصخور. مشهدية الامواج المتكرّرة اضنت بصيرتهم واتعبت نظراتهم. لا فرق اذا كان الذهاب سخرةً او رحلة استبعاد. حين تخاف القلوب على فعلها النابض، تبيع مصيرها بمبلغٍ مالي. المهم ان للروح أمل في النجاة. من على قاربٍ خشبي تبدأ رحلة المشرقيين الهاربين من الحرب الى الاغريق. قد تنتهي المغامرة في قعر البحر، وقد تكمل مسيرتها نحو اجزاء مجهولة. ما عاد للتصنيف اهمية. الرحلة غير شرعية وتوضع في خانة الاتجار بالبشر. الا ان ثقافة البيع والشراء ارحم للبعض من واقع التقطيع والتشريح. فكيف يقرّر المقرّرون اتخاذ القرار بالهجرة الماكرة؟ وكيف ينفّذ المنفّذون فعل تنفيذهم بطريقة العبودية الحديثة؟

حلم النازحين ايضاً
ليس وحدهم القابعون تحت وابل القصف والقنابل الصاروخية من يطمحون الى الهجرة الأوروبية. النازحون ايضاً لا يرغبون استمراريةً قد تكون باطلة بالنسبة اليهم في لبنان. الاسباب تتأرجح بين ندرة المساعادات الانسانية والوضع المعيشي المتهالك الذي يعانيه اللبنانيون قبلهم، ناهيك بازمات جمّة آخرها كان القمامة. المخاطرة بالروح اكثر تحبيذاً لديهم من عيشٍ في المجهول الذي لا امل فيه. مجهول ارض اوروبا فيه من الاحلام وجهاً خيالياً جميلاً. فيؤكّد النازح السوري في بيروت اسماعيل ان “العمل في الأرض والعيش في خيمةٍ الى جانب منزلٍ مهجور فاقم أزمة عائلتي التي هربت من الخراب بعد تدمير بيتنا. لم نكن نتوقّع هذا المصير المأسوي الذي ينتظرنا هنا، ولو انني استطيع ان اهاجر بحراً الى اوروبا لما رفضت”. غالب بدوره لم يحالفه الحظ في لبنان، هو الذي يعمل بوتيرةٍ متقطّعة كأجيرٍ على حسابه الخاص. وحول ما اذا كان يتبنى الهجرة الاوروبية، خاف التورط في تصريحٍ متعاطفٍ مع رحلة لا شرعية الا انه ما لبث ان اعترف: “لم يتبقَ من المأساة أكثر مما مضى. ماذا سأفعل في حال بقيت في المشرق وانا عاجزٌ عن تأمين قوتي. لو كنت ابلغ مبلغ 7000 آلاف دولار لضحيت بها واشتريت رحلة عبور الى اوروبا”.
بواخر لا تصلح للصيد
يلخّص رئيس المركز اللبناني للأبحاث المجتمعيّة الدكتور عبدو قاعي مفهوم الاتجار بالبشر “بعبارة فن العبور بين المناطق الدنيا والمناطق العليا. هي سوق تجارية كاملة تدرّ أرباحاً على المهربين، حيث تراوح كلفة الرحلة الواحدة من 7 الى 8 آلاف دولار اميركي كحدٍّ ادنى مع استخدام بواخر وقوارب لا تصلح للصيد، بل انها تفتقر لمظاهر الامان والسلامة ولو كانت كذلك لما عملت في وجهةٍ لا شرعية والمثير للجدل ان ما يسيّرها محرّكٌ متواضع يحمل رحلة التهريب على عاتقه”. وحول الخبايا التي تعتري المتاجرين يعتبر ان “هؤلاء الأشخاص يعملون بطريقةٍ مخالفة للقوانين لذلك تنطبق عليهم صفة اللا شرعية، حيث يغامرون بمصير البشر وبمصيرهم الشخصي والقانوني ايضاً، ويتبنون في رحلاتهم منطق المخاطرة، وقد يكونون ماكرين مخادعين، ويتخفون في ظل قناع الاجرام، لذلك فما ينطبق عليهم في الواقع العام ينطبق ايضاً على الهاربين وطالبي اللجوء”. وعن الدوافع التي تحمل الأشخاص على المخاطرة بمصيرهم وتبني رحلة المجهول، يقول: “لا احد يستطيع ان يلخّص مشاعر انسانٍ ميت، الوضع في سوريا والعراق مذرٍ الى درجة تدفع المواطنين الى الاختيار بين فرضية الموت المحتّم ونظرية النجاة. اذا عرض على انسانٍ ميت العودة الى الدنيا لن يرفض الطرح، بل ان مفهوم الانتقال الى ارض الرخاء والطمأنينة في اوروبا، يبقي امل الحياة متقداً في النفوس”.

المصير المتأرجح والغد الغامض
على رغم ان برّ الامان ليس مضموناً، الا ان تحقيق الغاية المنشودة يحوّل حلم النجاة الى حقيقة ويخفت الضوء على اي حديثٍ آخر. فيلفت الدكتور قاعي الى ان “القدم التي تطئ شواطئ اليونان تستعيد منطق العيش الذي خسرته في سوريا، الا ان السؤال الذي يطرح نفسه عن الوجهة التي سيقصدها هؤلاء وكيفية التعامل معهم ومع منطق لجوئهم اضافةً الى مسألة خلفياتهم الدينية والمناطقية والعرقية التي تثير التساؤلات”. وعن الرحلة الطويلة الخطى التي تنتظرهم يقول: “سيقطعون حدود عدّة بلدان في اوروبا الشرقية التي ترفض فكرة لجوئهم حتى وصولهم الى اوروبا الغربية التي قد تتعامل معهم وفق منطق انسانيٍّ يشوبه الحذر لأن النظرة الحقيقية للشعوب الغربية تجاه هذا الموضوع تتعارض والمنطق الانساني خصوصاً ان الواقع المهني في فرنسا لا يشجّع على استيعاب رحّالة البحر، بيد ان المانيا قد ترى في الموضوع وجهة اكثر ايجابية”. وفي ما يخصّ السياسات التي تتبعها حكومات الدول الاوروبية في هذا الموضوع يعتبر ان “الغموض يعتري جميع اوجه عمل وسياسات الحكومات، بخاصة المانيا التي ترحّب من منطلق انساني ولكنها في الوقت نفسه تتعامل مع المسألة من منطق اذا تمكنتم من الوصول اهلاً بكم في المجهول. وبذلك يكون المنحى العام قد جمع بين مسألتين مخيفتين، وهما المصيران الحالي والتالي”.

نظام الرق مستمر
اطلاق تسمية أخطر آفة اجتماعية على الاطلاق شهدها العالم العربي في القرن الحادي عشر على عملية اتجار البشر من طريق التهريب غير الشرعية لمئات الآلاف من الراغبين فيها للهرب من واقع المشرق العربي التراجيدي يثير القلق حول امكان عودة مظاهر الرق والعبودية بوتيرة مختلفة، في عصرٍ ينادي به الجميع بالمساواة والحريّة. هذا ما يشرح خباياه الدكتور في علم النفس الاجتماعي هاشم الحسيني: “منذ زمن كان المجتمع مؤلّفاً من أسياد ورقيق، حيث كان اصحاب القوّة والنفوذ يبيعون العبيد في سوق النخاسة كما تباع السلع، فلم يكن هناك ما يسمى بحقوق الانسان لضمان مسألة العيش في تماثل. اليوم تحرّر البشر الا ان مفهوم الرق لا يزال موجوداً حتى اليوم بأشكالٍ ونماذج مختلفة عن الزمن القديم، حيث يتّخذ منطق شراء مصائب الناس مع ادعاء القدرة على حلّها بطرق تكسب المال للمروّج، شكلاً من اشكال نظام الاستعباد الخفي المستمر”. وفي مقارنة مفصّلة حول التحوّل الذي شهده مسار العبودية بين الامس واليوم يقول: “المسألة لا تزال موجودة الا ان حدّتها خفتت مع تقدّم الزمن ونشوء عصر التقدم التكنولوجي والتقني، كما ان اشكالها تمحورت حول قضايا جديدة تختلف عن محور العرق الذي ساد في القدم. ظاهرة المتاجرة بالبشر عبر قوارب الموت تأتي هنا كشكلٍ من اشكال الخداع والمراهنة الماكرة، وهذا ما يزيد مفهومها ارتياباً”.

في الامس كان يفترض أن يكون امام السوريين حدوداً شقيقة تؤوي قلبهم المتخبّط في صراع الحرب الضروس. ليس في واقع الحال من بشائر خيّرة في المشرق. البحث عن فرصة حياةٍ في بقاع الأرض الشاسعة، رهانٌ يقض في البال المضاجع. ثقافة الرحيل ارحم من الوجودية رغم ارتباطها بمفهوم النوستالجيا الحزين. لعلّ ما في مخيّلة ابناء المشرق عامةً عبارة على شكل هاجس تتأرجح بين الامنية وفعل القرار: “يوماً ما سأرحل بعيداً… ولن اعود مجدّداً”.

مجد بو مجاهد:النهار

قد يعجبك ايضا