دولي

أمراء الخليج الباكون ومناديلهم الأوروبية

إن استهزاء ممالك الخليج في مواجهة العدوان الإيراني صارخ، وكذلك نفاق القوى الأوروبية.لماذا تقرأ:

  • تحليل دور دول الخليج في الصراع الإيراني.
  • انتقاد الدبلوماسية الأوروبية، وخاصة الفرنسية.
  • التفكير في السياسة الواقعية وعواقبها.

يقدم المشهد الدبلوماسي الحالي عرضاً للسخرية النادرة. وبينما تعاني إيران من ضربات هائلة لا تستهدف قدراتها النووية ثم العسكرية فحسب، بل تستهدف الآن بنيتها التحتية الحيوية ومصافيها وموانئها، يعزف لحن غريب من عواصم الخليج. بين الإدانات الهادئة والدعوات إلى “وقف التصعيد”، تلعب هذه الأنظمة الملكية ورقة البراءة المستهزئة. لكن، خلف هذا الستار من الدخان، يكذب الواقع الفني والعسكري حيادها المفترض: فهذه الدول ليست متفرجة، بل هي أدوات أساسية في آلة الحرب التي تضرب جيرانها.

خيال الحياد الجوي

ومن أجل طمأنة الرأي العام وتجنب الأعمال الانتقامية، تعلن دول الخليج بصوت عالٍ أنها تحظر استخدام مجالها الجوي لتوجيه ضربات مباشرة ضد إيران. هذه الحجة هي خداع تقني. وفي الحرب الحديثة، لا يقتصر العدوان على مرور الطائرات في ممر جوي. ومن خلال استضافة القواعد الأمريكية التي تعمل كنقاط انطلاق للعمليات، توفر هذه البلدان البنية التحتية غير المرئية التي بدونها يصبح الهجوم مستحيلا. هذه القواعد هي عقد لإدارة الحرب: فهي تعمل على التشويش الكهرومغناطيسي، وتدهور إشارات نظام تحديد المواقع (GPS) للعدو وتوجيه الصواريخ والطائرات. إن السماح لهذه القواعد بالعمل هو في الواقع توقيع على إذن بالهجوم.

والحجة المتعلقة بسيادة هذه الدول مثيرة للشفقة لأنها في الواقع ليس لها الحق في السيطرة على ما يحدث داخل محيط القواعد الأمريكية. ليس لدى الموظفين المحليين أي وسيلة للتحقق مما إذا كان يتم إطلاق صاروخ اعتراضي لحماية الأراضي المضيفة أو لاعتراض المقذوفات الموجهة نحو إسرائيل، أثناء تنسيق التحركات الجوية التي ستقصف الأراضي الإيرانية. علاوة على ذلك، تم تسليم راداراتهم وطائراتهم مقيدة، بما في ذلك طائرة الاستطلاع الإلكترونية السعودية أواكس، وذلك بعد الحصول على موافقة إسرائيلية.

وهذه المنشآت هي في نهاية المطاف جيوب عدوانية حولت دول الخليج إلى دروع فاعلة لحليف إسرائيل. ومن خلال موافقتها على أن تكون مراكز مراقبة واتصالات نيابة عن واشنطن، فقد جعلت هذه الأنظمة الملكية نفسها شريكة بحكم الأمر الواقع، وفقدت كل شرعية في لعب دور “الحمقى المقدسين” عندما يشتعل الصراع.

الصديق التافه وحاملي المناديل الأوروبية

ويضاف إلى هذه الصورة الدور المهين الذي تلعبه القوى الأوروبية، والذي ترمز إليه إلى حد الكاريكاتير الدبلوماسية الفرنسية التي لا يضاهى تفاهتها إلا النفاق. وأعلن الرئيس ماكرون، في دوران خطابي يتقنه، أن الهجوم “مخالف للقانون الدولي” بينما أكد أن إيران هي التي استفزته من خلال “أفعالها المزعزعة للاستقرار”. ألا يمكننا، باتباع هذا المنطق نفسه، التذرع بالأعمال “المزعزعة للاستقرار” التي تقوم بها فرنسا منذ عقود في المغرب العربي والساحل وإفريقيا عموماً، لتبرير الحرب عليها؟

يندفع هؤلاء “المستعدون للمناديل” الأوروبيين إلى جوار المتذمرين في الخليج، ويدينون بشدة ردود الفعل الإيرانية بينما يظلون بلا صوت بشكل غريب في مواجهة العدوان الصارخ والضخم وغير المبرر الذي تقوم به الولايات المتحدة و”روحها اللعينة” إسرائيل. إن هذا “المعايير المزدوجة” يشوه تماماً الكلمات الغربية: فنحن لا نستطيع أن نستر أنفسنا بالقانون الدولي بينما نتسامح مع عدوان دولة ذات سيادة والمحاولة الحالية لخنقها اقتصادياً من خلال تدمير بنيتها التحتية الحيوية.

الخلاصة: سياسة الجبن الواقعية

وستكون الصحوة وحشية بالنسبة لدول الخليج. ومن خلال الرهان على الحماية الأمريكية التي هي في الواقع مجرد منصة هجوم، فقد حولوا أراضيهم إلى أهداف مشروعة.

فالهجوم الذي شنته إسرائيل على قطر في سبتمبر/أيلول الماضي ضد كبار مسؤولي حماس، بما في ذلك خليل الحية، علاوة على فريق التفاوض الفلسطيني بأكمله لوقف الأعمال العدائية في غزة، تم تنفيذه بمعرفة كاملة من الولايات المتحدة، وهو ما يثبت هذه النقطة بوضوح: فهو يوضح تفاهة “الحماية” المقدمة، على الرغم من أن قطر تستضيف على أراضيها قاعدة العديد، وهي أكبر منشأة عسكرية أمريكية في البلاد بأكملها. المنطقة وجعلها المركز العصبي للقيادة المركزية الأمريكية.

ومن آهاتهم الحالية، لن يتذكر التاريخ ما يسمى “حيادهم”، ولا مكانتهم كضحايا، بل سيتذكر دورهم كقاعدة خلفية في مشروع غير مسبوق لزعزعة الاستقرار الإقليمي. وبين سخرية المعتدين وازدواجية المضيفين، أصبحت الحقيقة على الأرض واضحة: لم يعد الخليج مساحة للسلام، بل مركز قيادة متقدم لـ«وزارة الحرب»، الاسم الجديد للبنتاغون في عهد إدارة ترامب.