الاتحاد

مصير معتقلي داعش الأوروبيين في سوريا.. بين مخاطرهم الأمنية والتحديات القانونية

حسام أبو حامدمصير معتقلي داعش الأوروبيين في سوريا..  بين مخاطرهم الأمنية والتحديات القانونية

حسام أبو حامد

مدخل:

مع انهيار “دولة الخلافة الإسلامية” التي أعلنها تنظيم داعش العام 2014، باتت السيطرة على مزيد من الأراضي التي خضعت له في سوريا تثير قلق المجتمع الدولي، خشيةً من فرار مقاتلين متمرسين ومسلحين أجانب وتشكيلهم خلايا جديدة في أماكن مختلفة، بما في ذلك بلدانهم الأصلية. تزايد هذا القلق بعد إعلان الرئيس الأمريكي نيته سحب قواته المتواجدة في سوريا.

بات السؤال حول ما ينبغي فعله تجاه مئات الداعشيين الأجانب الذين تم أسرهم في سوريا مشكلة حرجة ومتنامية تواجه دولاً أوروبية، ودفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي استعدت إدارته للانسحاب من سوريا وفاءً لتعهداته أثناء حملته الانتخابية، إلى التراجع عن وعد قطعه في ديسمبر الماضي بانسحاب سريع. وأعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في 6 فبراير/ شباط الماضي أن الانسحاب الأميركي من سوريا تكتيكي، ولا يعني نهاية الحملة ضد “داعش”، بل انتقالاً من مرحلة الأعمال القتالية إلى مرحلة جديدة، يحظى فيها عمل الشرطة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بين بلاده وأعضاء التحالف الدولي، بأهمية قصوى، مشدداً على أهمية تحقيق العدالة لضحايا التنظيم الإرهابي.

وبينما استقرت التوجهات الأمريكية عند وجوب عودة هؤلاء “الإرهابيين” الى بلدانهم الأم وملاحقتهم قضائياً، خصوصاً اولئك المحتجزين لدى “قسد”، وتحمل مسؤوليتهم عبر برامج دمج وإجراءات أخرى لتفادي سقوطهم في الإرهاب مجدداً، تتردد دول أوروبية أو ترفض عودتهم لصالح محاكمتهم في الدول التي يواجهون فيها اتهامات، مع ضمان تحويل عقوبات الإعدام المحتملة إلى عقوبة السجن مدى الحياة.

رداً على هذا التوجه الأوروبي، الذي بدا اتكالاً على الآخرين لحلّ مشاكل مواطنيهم “الداعشيين”، كان ترامب حازماً حين حذّر “الحلفاء الأوروبيين “، في 16 فبراير/ شباط الماضي، أنه مالم تتم استعادة أكثر من 800 من مقاتلي تنظيم “داعش” الأجانب الذين تم أسرهم في سوريا وإحالتهم للمحاكمة، فإن البديل لن يكون بديلاً جيداً، إذ قد تضّطر الولايات المتحدة إلى إطلاق سراحهم.

لماذا ترفض دول أوروبية أو تتردد في استعادة مواطنيها المنتمين إلى “داعش”؟ وما هي الخيارات البديلة التي يمكن لها حسم الخلاف وتحديد مصير هؤلاء؟

أرقام وإحصاءات

ذهب تقرير المركز الدولي لدراسة التشدد، التابع لجامعة «كينغز كوليدج» في لندن، إلى أن عدد المقاتلين الأجانب في سوريا من حاملي جنسيات دول أوروبية، في الفترة الممتدة من أبريل 2013 إلى يوليو 2018، يقدر بحوالي 41 ألف مقاتل من نساء ورجال مع أطفالهم. وتشير تقارير إلى أن أعداد المقاتلين الحاملين للجنسية الفرنسية يبلغ أكثر من 1900، بينما يحمل الجنسية الألمانية 960 شخصاً. وتأتي بريطانيا في المركز الثالث بـ 850 شخصاً. وشهدت دول أوروبا الغربية عودة 1765 من حملة جنسياتها، بحسب نفس الدراسة الصادر عن المركز الدولي لدراسة التشدد، وتأتي ألمانيا في المركز الثاني بعودة نحو ثلث المغادرين. وبحسب تقرير للبرلمان الأوروبي وصلت نسبة العائدين إلى فرنسا إلى حوالي 12 %.

وفق تصريحات مسؤولين في “قسد” فإن 700 إلى 800 من مقاتلي داعش الأجانب محتجزون في معتقلات خاصة، بينما عزلت عنهم زوجاتهم (حوالي 548 امرأة)، ومعهم 1248 طفلاً. غالبية هؤلاء لا يحملون وثائق شخصية، وينتمون إلى أكثر من 40 دولة في العالم. لكن من المرجح تنامي هذه الأعداد بعد معركة الباغوز شرقاً، آخر جيوب تنظيم “داعش” في سوريا.

الرفض الأوروبي وأسبابه

دول أوروبية على رأسها فرنسا وبريطانيا وألمانيا لا تزال مترددة في استعادة المواطنين الذين لهم صلات بالدولة الإسلامية، تجنباً لمواجهة التحدي القانوني المتمثل في مقاضاتهم، أو المخاطرة الأمنية المحتملة إذا تمّ إطلاق سراحهم، ووجدت مخرجاً بإسقاط الجنسيات عن بعض هؤلاء.

رفضت فرنسا استعادة المقاتلين الداعشيين وزوجاتهم رفضاً قاطعاً، باعتبارهم “أعداء” الأمة الذين يجب أن يمثلوا أمام العدالة، سواء في سوريا أو العراق، كما أشار إليهم وزير الخارجية جان إيف لو دريان. وحين أعلن وزير داخليتها كريستوف كاستانير، في أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي أن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا أجبر فرنسا على الاستعداد لعودة عشرات الجهاديين الفرنسيين المحتجزين في سوريا، بقيت طبيعة تلك العملية غامضة، من دون أي إشارات إلى الطريقة التي ستتمّ بها تلك الاستعادة.

وفي 18 فبراير/ شباط الماضي، ردّت وزيرة العدل الفرنسية نيكول بيلوبيه على المطلب الأمريكي باستعادة الدول لمقاتليها “الداعشيين”، بأن بلادها لن تتخذ أي إجراء في الوقت الحالي، وستعيد المقاتلين على أساس مبدأ “كل حالة على حدة”، ورأت أن الوضع الجيوسياسي الجديد في ظل الانسحاب الأمريكي، لا يدفع إلى تغيير في السياسة الفرنسية في هذه المرحلة.  وتتحدث مصادر عسكرية ودبلوماسية أن “قسد” تحتجز نحو 130 مواطناً فرنسياً، بينهم 50 بالغاً، وبالرغم من تسلم فرنسا أسرى فرنسيين من “قسد”، أواسط فبراير الماضي، صرّح الرئيس الفرنسي في 26 من الشهر نفسه أنه لا توجد خطة للعودة.

تخشى تلك الدول أن تضفي عودة هؤلاء وإدانتهم طابعاً راديكالياً على زملائهم في السجن، أما إسكانهم بشكل منفصل فيجهد الموارد والنظم القانونية، وهناك سؤال حول ما يجب فعله مع زوجاتهم وأطفالهم، ولا توجد ضمانات لإدانة العائدين أمام المحاكم الأوروبية مع توافر فرص لهم في استغلال حرية تلك المحاكم في المماطلة إلى ما لا نهاية، وقد تضطر الحكومات الأوروبية إلى إطلاق سراحهم، بسبب عدم وجود أدلة على ما فعله الأفراد خلال فترة إقامتهم مع “داعش”، فقد يزعم معظم هؤلاء أنه ليس لهم علاقة بالتنظيم، وأنهم ليسوا مقاتلين، بل طهاة أو أطباء أو عمال إغاثة وجدوا أنفسهم ببساطة في “الخلافة” عن طريق الصدفة، ناهيك عن عقبات قانونية أمام استقبال الأسرى من كيان غير حكومي (قوات سوريا الديمقراطية) الأمر الذي لا تجيزه قوانين تلك الدول.

احتجاز غير مستدام

أبدى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال جو دانفورد تفهمه للأسباب السياسية والقانونية التي تؤجل عودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم ومحاكمتهم، لكنه حذّر من أن عدم تحديد كيفية محاكمة وإنهاء تطرف المقاتلين الأجانب الذين تمّ القبض عليهم، وإعادة تأهيلهم، سيجعل من الصعب، في النهاية، القضاء على أيديولوجية التنظيم.  

وبينما تمكنت “قسد” من إعادة قسم صغير من الأسرى لديها، سيما النساء والأطفال إلى روسيا وإندونيسيا والسودان، ترفض غالبية الدول استقبال رعاياها المتهمين بالانخراط في صفوف التنظيم. فرفضت بريطانيا استلام اثنين من مواطنيها، وهما أعضاء وحدة في التنظيم، تعرف باسم “خلية إعدامات البيتلز” (ألكسندر أمون كوتي والشافعي الشيخ)، وجردتهما من جنسيتهما البريطانية. وكانت بلجيكا قد ذكرت أنها لن تبذل أي جهد كبير لتأمين إطلاق سراح 12 مواطناً مسجوناً في سوريا واثنين في العراق.

وبالإضافة إلى أن قوانين الإدارة الذاتية الكردية ألغت عقوبة الإعدام، فإن “قسد” لن تستطيع الاحتفاظ بهم على المدى الطويل، خصوصاً مع افتقار المنطقة للموارد اللازمة لإعادة تأهيل الكثير من السجناء بشكل ملائم. بالنسبة لعناصر “داعش” السوريين تحاكمهم سلطات الإدارة الذاتية، أما الاجانب منهم فإنها تمتنع عن محاكمتهم، خشية من التبعات الاقتصادية والقانونية والسياسية لهذه المحاكمات. ورغم التعزيزات الأمنية للسجون، بدعم الجيش الأمريكي، إلا أن “قسد” لا يمكنها أن تصبح سجناً دائماً لأسرى “داعش” الأجانب، مع رمادية الأراضي التي تسيطر عليها “قسد” من الناحية القانونية، فالسلطات الكردية التي تقوم بمحاكمة المتهمين، لا تزال جزءاً من سوريا، وسلطتها وقوانينها غير معترف بها دولياً.

حتى مع وجود ضمانات بعدم فرار المحتجزين أو معاملتهم بطريقة سيئة، فإن وضع “قسد” غير المستديم يزيد من احتمالية هروب المحتجزين أو قتلهم، في حال تعرضت “قسد” لهجوم من تركيا، أو من الجيش السوري وحلفائه. ويخشى أن تتم تصفية هؤلاء السجناء في حال أبرمت “قسد” صفقة ما مع النظام السوري.

حدود الخيارات الممكنة

تتعدد الخيارات الأخرى، وتتفاوت فرص نجاحها، ومنها: عودة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم، أو إلى طراف ثالث على استعداد لإدانتهم، أو نقل بعض المقاتلين الأكثر صلابة إلى المعسكر الأمريكي في خليج غوانتنامو بكوبا، حيث لا يزال يقبع هناك بعض المدانين بتهمة المشاركة في هجمات 11 سبتمبر.

تقديرات المسؤولين الأمريكيين، أن نحو 295 أمريكياً انضم أو حاول الانضمام إلى جماعات متطرفة في العراق وسوريا. وذكرت تقارير صحفية أن هناك 10 مواطنين أمريكيين من المعتقلين، لم تطلب الولايات المتحدة عودتهم، ورفض البيت الأبيض الإفصاح عن أي خطط بشأنهم. وفي العام الماضي، دار جدل داخل الإدارة الأمريكية حول إمكانية استخراج بعض المقاتلين الأجانب المعتقلين ليمثلوا أمام محاكم مدنية، أو وضعهم في سجون حربية في غوانتنامو، وكان ترامب من أشد المتحمسين لإرسالهم إلى هناك. لكن، علاوة على أن هذا القرار لا يحل مشكلة كافة المعتقلين، فيترك من بقي منهم في سوريا إلى القدر ليحدد مصيرهم، فإن القادة العسكريين الأمريكين لم يتحمسوا لهذا الخيار، حيث لا زالت المعوقات تواجه محاكمة سجناء غوانتنامو بعد 16 عاماً من تأسيس السجن، مع صعوبات بيروقراطية وسياسية تحول دون الإفراج عنهم، لذلك يعارض البنتاغون العودة مرة أخرى إلى سنوات حجز المعتقلين لفترات طويلة. ويفضّل أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين محاكمة المقاتلين المتورطين في قتل مواطنين أمريكيين أو غربيين بمحاكم فيدرالية مدنية بالولايات المتحدة، عوضاً عن احتجازهم من دون توجيه تهم رسمية لهم في غوانتنامو.

لا تفضّل دول أوروبية محاكمة هؤلاء في أمريكا بسبب عقوبة الإعدام المطبقة فيها، لكن ميلهم للإبقاء عليهم في سوريا، خشية من عودتهم إلى أوروبا، تدفعهم إلى التساهل حيال إرسالهم إلى هناك، الخيار الذي كان يحبذه ترامب، لكنه تراجع عنه تحت ضغط المؤسسة العسكرية، ليطالب الحلفاء باستعادة مواطنيهم.

كان العراق قد أعلن في 21 فبراير/ شباط الماضي تسلّمه أكثر من 150 إرهابياً من “قسد”، بينهم قادة، وأعلن الرئيس العراقي برهم صالح من فرنسا، بعدها بأربعة أيام، أن العراق سيحاكم، وفق قوانينه، 13 مقاتلاً فرنسياً اعتقلهم جهاز المخابرات العراقي خلال عملية أمنية داخل سوريا، مطلوبون للقضاء العراقي بجرائم إرهابية. لم يعارض مسؤولون فرنسيون هذا الاعلان، فمحاكمة هؤلاء الفرنسيين في العراق أمر مريح للحكومة الفرنسية، طالما أن عودتهم ودمجهم على الطريقة الدنماركية أمر شبه مستحيل، فلا يمكن لفرنسا التي سبق أن تعرضت لهجمات إرهابية، خُطط بعضها انطلاقاً من سوريا، أن تسمح بعودة هؤلاء، سيما وأن عددهم يقارب 1700 فرنسي، مقابل 125 عائداً دانماركياً.

سبق لمجلس القضاء الأعلى في العراق أن أعلن عن محاكمته لأكثر من 600 أجنبي “داعشي” أغلبهم من جنسيات أوروبية وآسيوية، جرى اعتقالهم بعد معركة الموصل، لكن تلك المحاكمات أثارت في حينها نقاشات وخلافات سياسية وقانونية داخلية حادة، خصوصا أن كل سجين من هؤلاء يكلّف العراق يوميا نحو أربعين دولاراً. الخلاف قد يتكرر مجدداً، ومعه اعتراضات سابقة من دول أوروبية ومنظمات حقوقية على بعض الأحكام بحق كثير منهم، رأت افتقار تلك المحاكمات لشروط العدالة. كما أن الفساد المستشري في المؤسسات العراقية الذي أتاح في الأمس إطلاق صراح داعشيين عراقيين عن طريق دفع الرشاوي، قد يوفر فرصاً مماثلة لهؤلاء الأجانب.

خاتمة

قوبل طلب الرئيس دونالد ترامب بأن تستعيد الدول الأوروبية مواطنيها الذين يقاتلون في سوريا بردود فعل متباينة، وتفكر دول أوروبية في كيفية محاكمة متطرفي “داعش” في سوريا، أو لدى طرف ثالث كالعراق، كبديل لعودتهم إلى بلدانهم، حيث أن إثبات هوية المشتبه بهم وجمع أدلة قوية ضدهم أمام المحاكم الأوروبية يبدو أمراً مستعصياً، ناهيك عما يجب القيام به مع زوجات وأطفال الجهاديين الأوروبيين. لكن لهذا الخيار محاذيره أيضا، فقلّة من الدول الأوروبية لديها سفارات في سوريا أو العراق، ولم توقع معها معاهدات تسليم المجرمين تتيح لها استعادة مواطنيها، إلى جانب خشية الاتحاد الأوروبي الذي يعارض عقوبة الإعدام من أن يتعرّض سجناء “داعش” للتعذيب، أو لعقوبة الإعدام، إذا ظلوا في السجن في سوريا أو العراق.

يبدو أن خيارا انشاء محكمة دولية لمحاكمة المعتقلين قبل إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، باتت ضرورية، وقد تفرض نفسها في نهاية المطاف، توفيراً لشرط العدالة، وضمانا للحد اللازم من المعايير القانونية والإنسانية، وخياراً يتناسب وطبيعة تنظيم “داعش” العابر للحدود، ولمعتقليه المنحدرين من عدة دول. على الأقل، بإمكان تلك المحكمة أن تقوم بمهمة الفرز وتحديد أي السجناء هم أشدّ خطراً، وأيهم يمكن إعادة تأهيله، ودمجه في المجتمع بعد محاكمته. لكن الاحتكام إليها يبقى رهناً بتوافق الدول المعنية بخطة واضحة، تحدد مصير الأسرى الداعشيين.

المراجع:

www.militarytimes.com/flashpoints/2019/01/08/fate-of-detained-isis-fighters-uncertain-as-us-exits-syria/

A report by Associated Press, “Trump wants Europe to take back ISIS fighters. That’s tricky”, NBC News, Feb. 18, 2019, at:

www.nbcnews.com/news/world/trump-wants-europe-take-back-isis-fighters-s-tricky-n972696

المصدر: العدد السادس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق