الاتحاد

القطّاع الصناعي السوري من المعالجات الفاشلة إلى الاحتضار

محمد مصطفى عيدالقطّاع الصناعي السوري من المعالجات الفاشلة إلى الاحتضار

محمد مصطفى عيد

مدخل

أعتقد أن مسك عصا الاقتصاد من المنتصف لا يمكن أن يتأتّى عنه إلاّ المزيد من الغموض والتعقيد لأي قضية، فمفردات الاقتصاد تتبنّى الرقم والوضوح وتبادل الأثر والتّأثير بين الذّات والموضوع، وبالتّالي فهو الأبعد عن التّخمين ولغة العواطف والحلول العامة الارتجالية. لكنّ مسيرة إصلاح القطّاع العام الصّناعي السّوري خالفت لغة الاقتصاد وابتعدت عن الوضوح، وخضعت للقرارات الارتجالية على مدى عقدين من الزمن حتّى  أصبحت محتويات شركاته والعاملين فيه عبارة عن خردة، فإصلاح القطّاع العام الصّناعي عبارة ملّ منها المتلقّي وأرّقت أصحاب القرار وراسمي السّياسات الاقتصادية في سوريا، ومنذ عقود ونحن أمام هاتك الألفاظ التي انعكست سلباً على موارد الخزينة وعلى الإنتاج كمّاً ونوعاً، وحتّى لجهة البطالة والبطالة المقنّعة على وجه التّحديد.

وقبل الخوض في أتون  البحث عن الواقع المُزري الذي وصلت إليه شركات القطّاع العام الصّناعي منذ بداية الحرب السورية، وحتى وقتنا الرّاهن، لا بدّ من العودة للوراء قليلاً لاستعراض أبرز نقاط الخلل الذي كان يعاني منه القطّاع العام الصّناعي السوري، والتي يمكن إرجاعها إلى بدايات التّسعينيات من القرن الماضي، ولكنّها زادت سوءاً مع دخولنا الألفية الثانية، حتّى بدأ الحديث يعلو بين الجهات المعنية، وخاصّة وزارة الصّناعة السورية، من خلال تقديمها مشروعاً لإصلاح القطّاع العام الصّناعي في عام 2006، وهذا الأمر أتى استكمالاً لما تمّ مناقشته وبحثه منذ عام 2000 حول وضع تشريع خاصّ للقطّاع العام الصّناعي، بهدف إصلاح ما يمكن إصلاحه، وأسس تحديد معالجة مؤسّسات وشركات هذا القطّاع حسب ريعها الاقتصادي، إلاّ أنّ واقع القطّاع العام الصّناعي ومشروع إصلاحه الذي أُعلن عنه سرعان ما تمّ إيقافه بعد عامين من الإعلان عنه، إذ احتاج إلى جولات ماراثونية  كثيرة كي يرى النور، باعتباره المخلّص الوحيد لشركات القطّاع العام الصّناعي المتعثّرة، لكنّ الأمر انتهى به ليستقر على الرّف إلى أجل غير مُسمّى على مبدأ أنّ الزمن كفيل بالإفصاح عنه، رغم أنّ وزارة الصناعة كانت من أشد المتحمسين له، وكثير ما اعتبر مشروع القانون المذكور لدى الجهات الوصائية والمهتمين بهذا الشأن بمثابة مصباح علاء الدين الذي سيكون المنقذ الوحيد لأوضاع شركات القطّاع العام الصّناعي، وخاصّة الشّركات الحدّية والخاسرة.

مشروع قانون إصلاح القطّاع العام الصّناعي

في أواخر 2006 ، شكّلت  رئاسة مجلس الوزراء لجنة خاصّة للعمل على وضع مشروع قانون خاص يتعلّق بإصلاح القطّاع العام الصّناعي، وهذا الأمر يأتي استكمالاً لما تمّ مناقشته وبحثه منذ بداية الألفية الثّانية حول وضع تشريعٍ خاصّ للقطّاع العام الصّناعي، بهدف إصلاح ما يمكن إصلاحه، وتحديد معالجة مؤسّسات وشركات هذا القطّاع حسب ريعيتها الاقتصادية، وقد توصّلت اللجنة الخاصّة التي شُكّلت من أجل العمل على وضع مشروع القانون  إلى وضع مجموعة من الأفكار والمقترحات، تمثّلت بصيغة ليست نهائية لمشروع القانون على أن يتمّ توجيه عملية الإصلاح باتجاه الشّركات الصّناعية الخاسرة، والعمل على تغيير أو إيقاف نشاط أي شركة أو منشأة عن العمل لضرورات يقدّرها مجلس الوزراء، كما أنّ اللجنة طرحت ثلاثة خيارات لمعالجة أمر الشّركات الخاسرة، الأوّل دراسة الجدوى الاقتصادية لتغيير نشاطها، والثّاني دراسة الجدوى من نقل تبعية الشّركة والمنشأة إلى إحدى الجهات العامة الأخرى داخل أو خارج وزارة الصّناعة، وإذا تعذّر الأخذ بأيّ من الخيارين، يتمّ طرح الشّركة أو المنشأة للاستثمار أو المشاركة مع رأس المال الخاصّ المحلّي أو الأجنبي مع إعادة تقييم الأصول الثّابتة للشركة، والسّماح بتغيير النّشاط، والمحافظة على حقوق العاملين فيها. واشترطت للإقدام على هذه الخطوة أن تكون خسائر الشّركة مستمرّة لمدة خمس سنوات، وتشكل 25% من القيمة الدفترية لأصولها الثّابتة وفق تقييم لجنة الخبراء.

انقسام لجنة مشروع القانون

بعد نهاية أعمال اللجنة في مطلع شهر فبراير/ شباط من العام 2007 تبيّن أنّ أعضائها منقسمون إلى فريقين. إذ تمّ وضع صيغتين، الأولى تنادي بفصل القطّاع العام الصّناعي عن وزارة الصّناعة، وإلحاقه بهيئة تنفيذية، تقوم بتأهيل القطاع العام، وإخضاع منشآت القطّاع العام لقانون التّجارة وقانون العمل، وإغلاق الشّركات الخاسرة منه فوراً. والصّيغة الأخرى تكرّس ارتباط القطّاع العام الصّناعي بالوزارة وإخضاع عمّاله للقانون الأساسي للعاملين في الدولة، ومعالجة الشّركات الخاسرة من خلال الدّمج أو تغيير النّشاط، أو نقل تبعية الشّركة إلى إحدى الجهات العامة الأخرى.

إلاّ أنّ وجهة نظر الاتحاد العام لنقابات العمّال، وكممثّل للعمّال، كانت ضدّ تشكيل شركات قابضة وتوزيع أصول الشّركات إلى أسهم لطرحها في سوق الأوراق المالية، وضدّ مبدأ الخصخصة. كما رفض الاتحاد مبدأ المشاركة في بعض مؤسّسات القطّاع العام وشركاته مع القطّاع الخاص، معتبراً ذلك مساساً بالملكية العامة.

فشل القانون المالي 54

كما لا يمكن إغفال المرسوم التّشريعي 54 الخاصّ بالقانون المالي لشركات الإنتاجية وذات الطّابع الاقتصادي في القطّاع العام الصّناعي الذي صدر في عام 2006، والذي وُجد من أجل المساهمة في إيقاف النّزيف الكبير الذي كان يصيب الشّركات الصّناعية، من خلال مطالبتها بأن تموّل ذاتها من فوائضها المالية، وعلى رأسها رواتب عمّالها، وأن تدعم الشّركات الخاسرة. ولكن لم يكتب النجاح لهذا القانون، وأوقع المؤسّسات العامة التي تمتلك شركات خاسرة وحدّية، وأخرى رابحة إلى حدّ ما، في حيرة من أمرها، كون وجود العديد من الشّركات لديها غير مجدٍ اقتصادياً، وبعضها متوقف عن العمل، وبالتالي ستتساوى الشركات بالخسارة بموجب هذا المرسوم التّشريعي، ولن ينتج عنه سوى مزيداً من التّراجع لمعظم الشّركات الصّناعية. وهكذا فإنّ القرارات الارتجالية التي كانت تتخذ آنذاك ساهمت في تراجع إنتاجية القطّاع العام الصّناعي، واستمرت عملية النّزيف لموارده الاقتصادية، حتّى بات عبئاً ثقيلاً على كاهل الاقتصاد الوطني حتّى بداية الأزمة السورية، إذ تعمّقت جراح القطّاع الصّناعي، بشقيه العام والخاص، نتيجة للعقوبات الاقتصادية الغربية التي فرضت على الحكومة السورية منذ أواخر عام 2011.

أثر الأزمة على الصّناعة السّورية

أدّت الأزمة السّورية التي دخلت عامھا الثّامن إلى زیادة حجم الصّعوبات والتّحديات الكبیرة التي كانت قبل عام 2011 للصّناعة السّورية، وذلك بسبب النّتائج السّلبية لسياسة الانفتاح غیر المدروس، وتحرير الصناعة السورية. وتلخّصت هذه الآثار على القطّاع الصّناعي من خلال تضرّر أعداد كبيرة من المنشآت الصناعية نتيجة التّدمير والتّخريب والسّرقة، ما أدّى إلى توقفها عن الإنتاج، إذ كثيراً ما ساهم القطّاع العام الصّناعي قبل سنوات الحرب في النّاتج المحلّي الإجمالي، وفي تغذية السّوق المحلية بالسّلع، وفي تشغيل الأيدي العاملة. وتعدّدت قطاعاته الصّناعية من هندسية، ونسيجية، وغذائية، وكيميائية، وتبغ، وإسمنت، حيث كان لديه نحو ثماني مؤسّسات، وأكثر من 100 شركة شهدت في الفترة تواجداً كبيراً في السّوق المحلية والخارجية. واليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة في غاية الصّعوبة والتّعقيد، تتفاعل فيها متغيّرات ومستجدات عربية وإقليمية ودولية، تتجلّى أولاً بالأزمة التي تعيشها سوريا، وما نتج عنها من خراب لحق بالقطّاع الصّناعي.

خسائر القطّاع العام الصّناعي

تشير البيانات الأخيرة عن نتائج أعمال القطّاع العام الصّناعي في عام 2018 إلى استمرار تعثّر هذا القطّاع، وتدني مستوى تنفيذ خططه، وتراجع عدد من مؤشرات شركاته ومؤسّساته. فقد قدّرت وزارة الصّناعة السّورية، على لسان وزيرها السّابق أحمد الحمّو، أنّ قيمة الأضرار التي لحقت بالمنشآت والشّركات في القطّاع العام الصّناعي والشّركات والمؤسّسات التي تتبع لوزارة الصّناعة بلغت نحو أكثر من 900 مليار ليرة (1.7 مليار دولار تقريباً) حتّى العام 2017.‏

وبحسب معاون وزير الصّناعة في الحكومة السّورية، فقد ألحقت الحرب أضراراً بـ 50 منشآة من أصل 100 منشأة وشركة صناعية قدّرت خسائرها المباشرة بأكثر من 365 مليار ليرة. وتُعتبر مؤسّسة الإسمنت إلى جانب مؤسّسة الأقطان الأكثر تضرراً بمبلغ وصل لأكثر من 50 مليار ليرة و57 مليار ليرة على التّوالي، ومؤسّسة التبغ بـ 30 مليار ليرة.

أمّا رئيس اتحاد غرف الصّناعة السّوري فارس الشّهابي فقد أوضح في تصريحات صحفية أنّ الحرب دمّرت أكثر من 1500 منشآة صناعية خاصّة، في حين تعمل 4000 منشآه في حلب من أصل 40 ألف صناعية وحرفية، إذ بلغت نسبة المنشآت الحرفية التي تعرّضت للتّخريب 70%.

بينما أشارت إحصائيات صادرة عن وزارة الصناعة إلى أنّ أعداد العاملين الذين تركوا أعمالهم في القطّاع الخاصّ بلغ 800 ألف عامل، منهم 200 ألف فقط مسجلين في التّأمينات الاجتماعية.

أمّا في القطاع العام، فقد تعطّل أكثر من 25 ألف عامل من أصل 87057 عاملاً، بالإضافة إلى حجم الأضرار الكبيرة، المباشرة وغير المباشرة، والتي وصلت إلى مئات المليارات (بالعملة السوريّة)، بحسب وزارة الصّناعة السّورية.  

صادرات القطّاع الصّناعي بالأرقام

في مقارنة سريعة تستعرض صادرات القطاع الصناعي العام ما بين العام 2010 قبل الأزمة السّورية، والعام 2015 بعد أربع سنوات من عمرها. فقد حاول الاستشاري فؤاد اللّحام، في دراسة قدّمها لصالح ندوة الثلاثاء الاقتصادي، أن يرصد حجم الخسائر الكبيرة التي منيً بها القطّاع العام الصّناعي، فوجد أنّ صادراته انخفضت في العام 2015 إلى نحو 562 ألف دولار فقط، بعد أن وصلت في عام 2010 إلى نحو 422 ملیون دولار.

كما تجدر الاشارة إلى أنّ صادرات المؤسّسة العامّة للصّناعات النّسیجیة، مثلاً، تراجعت خلال فترة الأزمة من 194,8 ملیون دولار في عام 2010 إلى 135 ألف دولار فقط في عام 2015. كما تراجعت صادرات المؤسّسة العامّة للصّناعات الغذائية من 15 ملیون دولار في عام 2010 إلى 47 ألف دولار فقط في عام 2015. كذلك تراجعت صادرات المؤسّسة العامّة للصّناعات الكیمیائیة من 12,6 ملیون دولار في عام 2010 إلى 2,5 ملیون دولار في عام 2011، وإلى 65 ألف دولار في عام 2012، وصفراً في عام 2013، لتعاود الارتفاع إلى 31,8 ملیون دولار في عام 2014 بسبب تصدیر الاسمدة، ثمّ لتنخفض إلى 380 ألف دولار في عام 2015. أمّا المؤسّسة العامّة للسكّر فقد ارتفعت صادراتها من 359 ألف دولار في عام 2010 إلى 1,2 ملیون دولار في عام 2011، ثمّ انخفضت إلى 38 ألف دولار في عام 2012، لتتوقف تماماً طیلة السّنوات اللاحقة.

أمّا المؤسّسة العامّة للصّناعات الهندسية، فقد تراجعت صادراتها من نحو 15,6 ملیون دولار في عام 2010 إلى 483 ألف دولار في عام 2011، لتتوقف كلیاً خلال السّنوات اللاحقة. ولم تصدّر المؤسّسة العامّة للإسمنت شيئاً بعد عام 2010، حيث كانت صادراتها الأولى في ذلك العام 708 ألف دولار. كما انخفضت صادرات المؤسسة العامة لحلج وتسویق الأقطان من نحو 192 ملیون دولار في عام 2010 إلى 37,8 ملیون دولار في عام 2011، وإلى 2 ملیون دولار في عام 2012، لتتوقف صادراتها كلیاً.

كما تراجعت صادرات المؤسّسة العامة للتبغ من 3.3 ملیون دولار في عام 2010 إلى نحو ملیون دولار في عام 2011، و194 ألف دولار في عام 2012، و27 ألف دولار في عام 2013، لترتفع مجدّداً إلى 36 ملیون دولار في عام 2014، ثم لتتوقف نهائياً في عام 2015.

خاتمة

بالمحصلة نجد من خلال ما تمّ استعراضه عن الواقع المتردّي للقطّاع العام الصّناعي في سوريا، بأنّ بذور أزمته لا يمكن إرجاعها إلى بداية الأزمة السّورية في عام 2011، بل يمتدّ الأمر إلى أكثر من عقدين من الزّمن، فالاستنزاف الكبير أصاب هذا القطّاع الحيوي بدءاً من فترة الثّمانيات. ولكن مع تعاقب الإدارات الفاشلة، والتي كانت تعيّن بقرار من السّلطات العليا أباحت لها التّعدي على المال العام من دون وجود أي محاسبة، فجزء من هذه الأسباب ساهمت في فشل هذا القطّاع، ثمّ لتأتي الحرب في سوريا، وتطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من شركات ومؤسّسات كانت في طور الاحتضار. لذلك فإنّ إعادة تأهيل القطّاع الصّناعي في سوريا، بشقيه العام والخاص، يرتبط بعودة الأمن والأمان، وانتهاء العمليات العسكرية. ومن ثمّ الانتقال إلى نظام ديمقراطي يحافظ على وحدة البلاد، ويضمن تحقيق الاستقرار السّياسي الذي يرتبط بتحقيق التّنمية الاقتصادية والاجتماعية المتساوية لكافة المواطنين، وفي كل أنحاء سوريا، وبذلك نكون قد وضعنا خطوتنا الأولى على الطّريق الصّحيح بعيداً عن أي مطبّات قد تظهر مستقبلاً.

المراجع

  1. معروف، محمد، حوار خاص مع أحمد حمو وزير الصناعة السوري السابق، 25 ديسمبر/ كانون الأول 2017، موقع Sputnik.  
  2. ملحم، نور، لولا الحرب…  الصناعة إلى المزيد من التطور والمكون التكنولوجي، صحيفة الأيام، فبراير/ شباط 2019.
  3. اللحام، فؤاد، رؤية لإعادة تأهيل الصناعة السورية، ندوة الثلاثاء الاقتصادي، 2016.

المصدر: العدد السادس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق