الاتحاد

السياسات النقديّة السورية: معالجات إسعافية «قاتلة»

محمد مصطفى عيدالسياسات النقديّة السورية: معالجات إسعافية «قاتلة»

محمد مصطفى عيد

مع بداية انتشار فكر النظرية الكينزية في الاقتصاد، تعاظم دور الدولة، بشكل أكبر، وكان في مقدمة ذلك، السياسات المالية والنقدية؛ نظراً لفاعلية السياستين في تحقيق أهداف وخطط الدولة الاقتصادية، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية التي شهدها العالم في النصف الأخر من القرن الماضي، والتي كان لها أثر كبير في تزايد حجم المديونية الخارجية وخدمة الدين العام والعجز في الموازنة، واختلال الميزان التجاري لمختلف الدول، ما أدى إلى تحوّل دور السياسة النقدية، وتغيُر مفهومها، وطريقة عملها. وبما أن السياسة النقدية تعتبر من السياسات المهمة، في تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي، إلا أن درجة التطبيق لهذه السياسات النقدية مختلفة بين دولة وأخرى، وما يهمنا في هذا الجانب، أن نستعرض سير الأوضاع النقدية في سوريا، ما بعد الأزمة التي تعصف فيها منذ عام 2011 ، رغم أن المتابع لهذه السياسة في العقود الأربعة الماضية، يجد أن إدارة السياسة النقدية مسيرة وغير مخيرة، وتتبع إيديولوجية النظام، التي هي محكومة بسياسات اقتصادية معلبة، وتنسجم مع طبيعة الخيار السياسي للاقتصاد السوري، والذي نتج عنه نهج، استبعد فيه استخدام الأدوات النقدية، والتي تعتبر مكوناً رئيسياً في السياسات الاقتصادية بالدول المتقدمة، ما جعل “مصرف سورية المركزي” عبارة عن مؤسسة تدار بطريقة تقليدية، لا تتمتع بالاستقلالية والمرونة المطلوبة، بل على العكس، أصبحت أداة بيد سلطة أصحاب القرار السياسي، فغاب دور المصرف المركزي، في أن يكون قاطرة من قاطرات النمو الاقتصادي في سوريا، واقتصر دوره على السعي لاستقرار سعر صرف اللرة السورية، ورغم ذلك لم يعمل “مصرف سورية المركزي” على استقرار قيمة العملة الوطنية، بل كانت العملة، تخضع للمضاربات في السوق، ويتحكم بها حيتان المال وأصحاب المصالح، علماً أنه من أبجديات السياسة النقدية، المرونة والمكاشفة الصريحة للوضع النقدي، لمواجهة الظروف الطارئة والاستثنائية(1).

أثر السياسات النقدية على القيمة الشرائية لليرة
دخل الاقتصاد السوري في مرحلة استثنائية وحرجة مع بداية الأزمة في سوريا عام 2011 ، نتيجة الحصار الاقتصادي والعقوبات، حيث بدأت اللرة السورية تواجه صعوبات عديدة، أدّت إلى تراجع قيمتها، وظهور أزمات اقتصادية واجتماعية خطرة، كان أبرزها تراجع دخل الفرد الحقيقي، علاوة على زيادة الطلب على القطع الأجنبي الرسمي وغر الرسمي، وقلّة العرض منه نسبياً، وذلك لمجموعة من الأسباب التي حددتها الدراسة الاقتصادية “ أثر السياسات النقدية على القيمة الشرائية لليرة السورية: 2013 – 2001 ” التي أعدها الدكتور عابد فضلية (2).

وربطت الدراسة تراجع قيمة اللرة السورية إلى ستة أسباب أبرزها:
1. تراجع القدرة الاقتصادية والإنتاجية للدولة السورية، والمتمثلة بتراجع وتقلّص الكتلة السلعية والخدمية، وعلى الأخص من خلال تراجع الإنتاج الزراعي (النباتي والحيواني)، والإنتاج الحرفي ومنتجات الصناعة التحويلية، ما أدى إلى زيادة الاستيراد لتلبية احتياجات المواطنين، أي زيادة الطلب على القطع الأجنبي، إما من احتياطي المصرف المركزي، أو من الاستنزاف للمخزون الوطني من القطع الأجنبي.
2. التراجع الشديد في إيرادات القطع الأجنبي من قطاع السياحة ومن حصيلة التصدير، وبسبب تقلّص وتوقف الاستثمار الأجنبي المباشر، وتراجع تحويلات السوريين في الخارج.
3. شدّة الطلب على القطع الأجنبي لغايات حماية المدخرات أو الاكتناز بالقطع، بدلاً من الاحتفاظ بالمدخرات أو الاكتناز باللرة السورية.
4. شدّة الطلب على القطع الأجنبي لغايات تحويل الأموال نحو الخارج لأسباب عديدة، وأيضاً لغايات المضاربة والمتاجرة، بعد أن أصبح النقد سلعة لبعض الناس، بدلاً من كونه وسيلة.
5. استمرار الطلب على القطع، لتغطية الاحتياجات العادية للمواطنين، مثل السفر والطبابة والسياحة والدراسة في الخارج، في ظل القلّة والندرة النسبية للقطع.
6. التدخل بسوق القطع الأجنبي الخارجي أو الداخلي بأدوات داخلية، لإضعاف قيمة العملة الوطنية، وإحداث الاختلالات النقدية والاقتصادية والاجتماعية.

معدلات التضخم فاقت ارتفاع أسعار الصرف
وبما أن عمل السلطات النقدية التقليدي يندرج في إطار السياسة الاقتصادية بمظاهرها المختلفة، لتحقيق الأهداف التي يرمز لها عادة بالمربع السحري: معدلات نمو عالية -استخدام كامل- استقرار سعر النقد -توازن ميزان المدفوعات، فنلاحظ أن السياسة النقدية اليوم غدت أكثر التفافاً حول هدف مركزي أساسي هو الاستقرار النقدي، المتمثل بتخفيض معدلات التضخم، أو إلغائه إن أمكن، للحفاظ على القوة الشرائية للنقد، إلا أن الحالة السورية، وخصوصاً مع بداية 2011 وما تبعها ، نجد أن السلطات النقدية في الحكومة خالفت ذلك المربع السحري ، واتجهت إلى حلول ترقيعيه وإسعافيه تمثلت بزيادة الإصدار النقدي، لتمويل عجز الموازنة، وانخفاض الناتج المحلي لتوقف العمل في الكثر من مراكز الإنتاج، فكانت النتيجة ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير، فاقت معدلات ارتفاع أسعار الصرف، وانخفاض الناتج المحلي بشكل كبير، وظهرت الأزمة من خلال وجود تضخم كبير وركود أكبر . كما أن دوافع عدم عدالة توزيع الدخل القومي، من قبل أحداث 2011 ، قد ساهمت في حالة تراجع مستوى المعيشة لذوي الدخل المحدود، والذي رافقها ارتفاع دائم في الأسعار، بينما الأحور بعيدة عن الواقع.

تاريخ تراجع قيمة الليرة السورية
في تسلسل زمني ودراماتيكي لتاريخ تراجع قيمة الليرة السورية ، منذ عام 2011 ، نجد أن خطها البياني كان معظمه نحو الأسفل، فمن سعر صرف مقداره 48 ليرة لكل دولار، في نهاية عام 2010 ، بدا واضحاً أن القيمة السوقية لليرة بدأت تتآكل لتسجل انخفاضات متعاقبة و لم يغلق العام 2011 أبوابه حتى بلغ سعر الصرف الدولار الواحد 59 ليرة سورية، أي بخسارة قدّرها الخبراء بـ % 19 ، بعد أن كان سعر صرف الدولار نحو 46.5 ليرة قبل الأحداث في سوريا، واستقبلت سوريا العام 2012 بمزيد من الخسائر الاقتصادية، ووصل سعر صرف الدولار الواحد في نهاية عام 2012 لحاجز الـ 70 ليرة أي بانخفاض يقدر بنحو % 50 .

وفي العام 2013 ، كانت أحداثه مفصلية، وأبرزها كانت التهديدات الأمريكية بضربة عسكرية، التي نتج عنها تهريب الكثر من الأموال إلى الخارج، فبعد أن كان سعر الصرف في مارس/ آذار 120 ليرة للدولار الواحد، ارتفع إلى
240 ليرة لكل دولار في أكتوبر/ تشرين الأول، ليتدخل البنك المركزي في السوق، ويسمح ببيع الدولار لشركات الصرافة حتى تبيعها للمواطنين، ووصل في نهاية عام 2013 إلى سعر 163 ليرة سورية، ولم تصمد إجراءات البنك المركزي، بل ظلّ سعر الدولار يرتفع ويهبط، ووصلت قيمة الليرة في نهاية عام 2014 إلى 218 ليرة مقابل الدولار. وخلال العام 2015 استمر هبوط اللرة وتضاعفت الأسعار بنحو 700 % وربما أكثر في عموم أرجاء البلاد، ولم يغلق العام 2015 أبوابه حتى تجاوز الدولار الواحد حاجز 380 ليرة.

أما العام 2016 شهد انخفاضاً كبراً لقيمة الليرة ووصل حدود 650 ليرة لكل دولار. بدت ملامح الانهيار الاقتصادي واضحة، بعد الخسائر العسكرية للنظام على الأرض، وخروج الكثير من المناطق التي كانت تحت سيطرته، وبعد تدخل القوات الروسية بشكل مباشر إلى جانب قوات النظام، لم يحصل أي انخفاضات تذكر على قيمة الليرة، إلا بعد تدخل المصرف المركزي مرة ثانية في شهر يونيو/ حزيران، وعاد الدولار إلى حاجز ال 400 لرة. لكنه ايضا لم يصمد طويلاً، حيث عاود الارتفاع ليصل في بداية شهر يوليو/ تموز إلى حاجز ال 490 ليرة، وليعاود سعر الليرة بالتحسن منذ عام 2017 ، بالقياس مع سعر عام 2016 ، ليتفاوت السعر عند عتبة 500 لرة، قبل أن يتحسن أيضاً في العام 2018 ، ويسجل بين 445 و 420 لرة للدولار الواحد، إلا أنه سرعان ما ارتفع في العام الجاري 2019 ليصل إلى 550 لرة للدولار الواحد، وسط ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة جداً، لم تشهدها البلاد منذ قرون، ولا بد من الإشارة إلى أن الاحتياطي النقدي للمصرف المركزي بلغ نحو 20 مليار دولار عام 2011 ، وتبدّد إلى أقل من 700 مليون دولار، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي العام 2017 .

الإنفاق يفوق الإيرادات بأكثر من % 60
وفي ظل الأزمة الجديدة التي تعيشها الليرة السورية، أعلن “مصرف سورية المركزي” إصدار شهادات إيداع بالليرة السورية، وفق طريقة سعر الفائدة الثابت للمصارف التقليدية العاملة في سوريا، وتبلغ القيمة الاسمية للشهادة 100 مليون ليرة، ويبلغ سعر الفائدة % 4.5 وبأجل استحقاق عام واحد، اعتبارا من 21 فبراير/ شباط 2019 .

ووفق بيان صادر عن المصرف المركزي، برر إصدار شهادات الإيداع بهدف إدارة السيولة المحلية في إطار تنفيذه للسياسة النقدية، وتشجيع المصارف على استقطاب المزيد من الودائع إلى القطاع المصرفي، ويعتقد “المصرف المركزي” أن اصدار هذا النوع من الشهادات سيسهم بخفض قيمة صرف الدولار، واستعادة بعض العافية لليرة السورية (3)، إن حزمة الإجراءات المتنوعة التي يتخذها المصرف، لم تعطِ نتائجها المرجوة، فالمؤشرات الاقتصادية تدلل على أنه لا يوجد اقتصاد فعلي، بما أن الإنفاق يفوق الإيرادات بأكثر من % 60 ، وهي نسبة كارثية، ويبقى السؤال، كيف يغطي المركزي هذا الفارق الهائل؟ تدفعنا المعطيات المتوافرة إلى ترجيح وجود عمليات طباعة للعملة من دون تغطية، وطباعة النقود من دون أن يكون لها غطاء يؤدي إلى نتيجة أساسية واحدة، هي: ارتفاع الأسعار، حيث يزيد المعروض النقدي، من دون أن يقابله زيادة موازية في السلع والخدمات، وهذا ما لمسناه خلال سنوات الأزمة، من آثار سلبية طالت الاقتصاد الوطني، لأن طباعة المزيد من النقود، قد يكون أحد أدوات السياسة الاقتصادية لإنعاش الاقتصاد والحثّ على زيادة الإنتاج، ولكن تستخدم هذه الأداة فقط، عندما يكون الاقتصاد في حالة نمو وليس في ركود.

إيران توقف الخط الائتماني الثالث
وبما أن دوافع عدم عدالة توزيع الدخل القومي متأصلة في البلاد، خصوصاً لجهة تدني أجور العاملين، وهو ما أسهم باستمرار في تراجع مستوى المعيشة لذوي الدخل المحدود، وعدم اتخاذ المؤسسات الحكومية إجراءات كافية، تكون في مستوى الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، خصوصاً بعد توقف الدعم الاقتصادي والمالي الإيراني للحكومة السورية، منذ أكثر من عام، بعد تفاقم الوضع الاقتصادي في إيران بسبب العقوبات، حيث أن طهران لم تفعّل الخط الائتماني الثالث البالغ مليار دولار، والمقدم للحكومة السورية، الموقع بين الجانبين في يوليو /تموز 2017 ، بعدما كانت إيران قدمت للحكومة السورية في يناير 2013 الخط الائتماني الأول، بمقدار مليار دولار، لدعم العجز المالي الكبير الذي عانت منه سوريا بعد هبوط إيراداتها بمقدار النصف، عماَ كانت عليه قبل الحرب، بينما فعّل الجانبان في أغسطس من العام نفسه الخط الائتماني الثاني، البالغ 3.6 مليار دولار، ليتم إنفاقه بشكل أساسي على استيراد المشتقات النفطية من إيران حصراً.(4)

تزايد شكلي في قيمة الموازنات العامة
في دراسة تحليلية صادرة عن مركز جسور للدراسات الاستراتيجية، استعرضت الموازنات العامة المعتمدة من الحكومة السورية، خلال السنوات الماضية، والتي بينت عن تزايد شكلي في قيمة الموازنة العامة للدولة السورية، إذ تم تقويمها بسعر صرف الدولار، فبلغت موازنة عام 2010 ما يقارب 15 مليار دولار، في حين أصبحت في عام 2017 نحو 5.1 مليارات دولار، على سعر صرفٍ قيمته 517 ليرة للدولار الواحد. وتزايدت نسبة العجز المالي في الميزانية في سنوات الأزمة بشكل مطرد، فمن (% 6.5) في عام 2010 إلى (% 74.1) في موازنة عام 2018 ، كما تزايدت الديون بشقيها الخارجي والداخلي نتيجة العجوزات المتراكمة، حيث تشر الأرقام إلى أن الدين العام زادت نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة، لتصل إلى (% 147) عام 2014 . (5)

خلاصة
بقيت الجهود التي بذلتها السلطات النقدية شكلية، وذات طبيعة إسعافية، ولم تتناول جوهر مشكلة السياسة النقدية، وربطها بصورة التنمية المستدامة، كما إن أسباب ارتفاع سعر الصرف وانخفاض القيمة الشرائية لليرة السورية يكمن في الاختلال الهيكلي في المؤشرات الاقتصادية، كالتضخم وميزان المدفوعات والاحتياطات الأجنبية والعجز في الموازنة العامة، إضافة إلى خلق نقود جديدة عبر التمويل بالعجز واستمرار الحرب من دون أي أفق للحل، وطالما استمر الوضع على ما هو عليه ،في ظل غياب معالجة تلك المؤشرات بطرق صحيحة، فإن سعر صرف الليرة معرّض للارتفاع مع مزيد من النزيف في القيمة الشرائية لليرة السورية.

المراجع
• مدين، علي، محن الاقتصاد السوري: بين محدودية أداء الإدارة النقدية والمالية ومآزق التمويل البديل، مركز دمشق للأبحاث والدراسات (مداد) 2018 .
• عابد. فضلية، «أثر السياسات النقدية على القيمة الشرائية للرة السورية: 2013 – 2001» مجلة جامعة تشرين للبحوث الاقتصادية، العدد الخامس 2015 .
• نشرة مصرف سوريا المركزي، فبراير 2019
• صحيفة الشرق الأوسط (الأزمة المعيشية تتفاقم في دمشق… والحكومة «عاجزة» عن إيجاد حل) 10 فبراير 2019 م رقم العدد 14684 .
• مناف. قومان، ملف تحليلي: أداء الليرة السورية في سبع سنوات، مركز “جسور للدراسات”، مارس 2018 .

المصدر: العدد الثامن من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق