الاتحاد

الدولة السُلطانيّة الكاريكاتيرية… سوريا نموذجاً

حسام ميروالدولة السُلطانيّة الكاريكاتيرية… سوريا نموذجاً

حسام ميرو

ما الذي يعيدنا اليوم، ويجعلنا نستعيد، مفهوماً تاريخياً للدولة، هو الدولة السُلطانية، في توصيف واقع، يفترض أنه تجاوز تاريخياً، واقع الخلافة، أو دولة السُلطان؟ هل نحن بذلك نتجاوز كلّ الشغل الفكري والسياسي في قراءة واقع ما تمّ التعارف عليه بأنه الدولة الوطنية؟ هل فعلاً كان لدينا دولة وطنية ناشئة أم أن تلك الدولة لم تكن سوى مرحلة جنينية سرعان ما تمّ وأدها؟

إذاً، ماذا تكون تلك المؤسسات التي حَكمت الدولة ؟ وهل يجوز لنا بعد ثورة أو حرب، كالتي شهدتها سوريا، أن نعيد النقاش إلى قرون ماضية، وكأن الزمن قد توقّف؟ ماذا عن الحراك السياسي القومي والإسلامي واليساري؟ قبل كل ذلك، ما هي الدولة السلطانية؟ إن ممارسة الحكم بشكل مطلق من قبل السلطان/الخليفة، واعتباره أمراً للمؤمنين، ليس إلا تكثيفاً لسلسلة العلاقات الاجتماعية، التي ترسّخت عليها دولة السُلطان، وتكثيفاً للعلاقات الريعية التي تسود الحيّز الجغرافي للسلطة، والذي قد يمتد في بعض الأحيان إلى دائرة أوسع من دائرة الدولة السلطانيّة، بحكم النفوذ والهيمنة، ويكفي هنا أن نتذكّر المثال اللبناني، حيث شكّلت وتشكّلت علاقاته الريعية انطلاقاً من نفوذ السلطان السوري، ولم يتمكّن اللبنانيون لغاية الآن من التخلّص من تبعية مجالهم الإقطاعي للسلطان في دمشق، وحيث أن السياسيين اللبنانيين ما زالوا مجرد إقطاعيين، تابعين لنفوذ السلطان في الخارج، وحيث أن سوريا ليست الدولة السلطانيّة الوحيدة في المنطقة، وحيث أن سلطانها ليس أمير المؤمنين الوحيد. لقد ورثت سوريا عن الانتداب الفرنسي بعض صيغ الدولة الحديثة، وخصوصاً النظام السياسي الجمهوري، ومؤسساته من برلمان وقضاء وسلطة تنفيذية، وغيرها من مؤسسات الدولة الحديثة، لكن لا يستطيع أي سوري، وبعد مرور أكثر من نصف قرن من ولادة ما سُميّ بالجمهورية الثانية، المولودة مع ما يسمّى أيضاَ ثورة البعث في عام 1963 ، أن يدّعي بوجود أي استقلالية لتلك المؤسسات عن السلطان، ممثلاً باللباس الجمهوري الظاهري، وجوهر أمير المؤمنين في العمق. الدّولة السُلطانية، كما نَظَّر لها ابن خلدون هي دولة قهر وشوكة واستبداد وعصبية، ولهذا فإن القوة تمثّل أداة ضبط الداخل، وإلى جانبها العلاقات الزبائنية، القائمة على الولاء والمحسوبية، ودرجة القرب من السلطان، ومن هنا، فإن المؤسستين العسكرية والأمنية هما ركني القوة التي يعتمد عليهما السلطان في إخضاع المجتمع وضبطه، ولا يجوز في هذه الحال أن تنمو أو تقوى أية مؤسسة أخرى، تكون منافسة لهاتين المؤسستين . إن السلطان، بنظر قوّاده، وبنظر شعبه، داهية سياسية، وكلّ فعل يقوم به هو حكمة لا يأتيها الباطل من أمام أو وراء، وهذا الدهاء السياسي، ليس فقط، نتاج تجربة شخصية، وإنما امتدادٌ لصفاتٍ وضعت إلهياً في السلطان نفسه، فهي خصائص فوق بشرية، تجعله في قائمة الخالدين . بناءً عليه، فإن الفساد، أي فساد في الحكم، ليس فساداً متأتياً من السلطان، بل هو فساد البطانة الحاكمة، أو من يدور في فلكها، بينما السُلطان منزّه عن الخطأ والخطيئة، ولا يمكن أن يكون فاسداً، ففساده كمثل رمي الإله بنقيصة، فالسلطان هو ظلّ الله على الأرض، ولا يمكن للظلّ أن يكون مناقضاً أو نقيضاً لجوهر الأصل . جوهر النظام السياسي للدولة السُلطانيّة يتمثل في ثنائية الراعي والرعية، أو السائس والخيل، وقد عرّف ابن خلدون الملك/ السلطان بأنه “المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم”، فلا مجال هنا، مع هذا النوع من الثنائيات للمطابقة في الحقوق والواجبات بين الراعي ورعيته، فهو أدرى بمصالحها، وهي ناقصة عقل، مجرد قطيع غرائزي، معرّض لكل أنواع النقائص، ومنها عدم معرفة الصالح العام، بل وأحياناً الانجرار وراء سياسات الأعداء، مرتكبة بذلك خيانة لنفسها،من دون وعي منها، فهي أقلّ من أن تعي مصالحها . لقد انتهت الدولة السُلطانيّة العثمانية في منتصف العقد الثاني من القرن الماضي، لكن تلك النهاية، وما تلاها من أحداث، لم تكن كفيلة بالقضاء على الإرث الثقافي السُلطاني، وخصوصاً الإرث السياسي، وما يترتّب عليه من علاقات اجتماعية، أساسها الولاء للشخص/ القائد، بديلاً عن السلطان، مهما تغيّت الصيغ، ومهما ارتدت الشخصيات لباساً حديثاُ . قد لا نكون هنا بحاجة لضرب أمثلة متعددة، ليس فقط على ضفة السلطة، بل أيضاً على ضفة المعارضة، حيث يمكن لأي منّا أن يحصي عدداً من السلاطين في أحزاب المعارضة العربية والكردية، حيث لا يستقيل السلطان أو يعزل، بل يمارس مهامه، حتى لو وصل إلى آخر العمر . أما الجاه والثروة في الدولة السلطانية فلا يأتيان فقط من خلال مواقع حسّاسة في الدولة، أو عبر التراكم الطبيعي للثروة، بل من خلال الحظوة لدى السلطان، فأن يكون المرء قريباً من السلطان فهذا يجعله وجيهاً اجتماعياً وصاحب ثروة، إذ يغدق عليه السلطان أمواله، أو يفتح له باب الرزق الوفير . ما وصلت إليه سوريا، خلال الأعوام الماضية، هو في أحد أوجهه نتيجة حتمية لمقاومة الإرث السياسي والثقافي للدولة السلطانية، وممانعتها للانهيار، لكن هل ستفتح خطوة الانهيار هذه الباب أمام بناء دولة حديثة، أم أنها ستقود إلى مرحلة أكثر سوءاً؟ إن تعرّض الدولة الحديثة إلى ضربات قوية ومدمرة لا يعيق عودتها كدولة قوية مرّة أخرى، كما في مثال ألمانيا، وغيرها من الدول الحديثة، التي تعرّضت إلى دمارٍ كبير، في الحرب العالمية الثانية، لكن انهيار النسخ الكاريكاتيرية من الدول السُلطانية يحوّلها إلى مجرد جغرافيا، ويحوّل القوّاد السابقين إلى أتباع لدى القوى الكبرى، أو ولادة قوّاد جدد، بذات الخصائص النفسية والثقافية السلطانية، كما أن فرصة نمو قوى سياسية أو قيادات سياسية بدلالة القيم السياسية الحديثة، من ديمقراطية ومدنية وعلمانية وإنسانية، تبدو ضعيفة، حيث الانهيار الشامل يجعل تأثيرها ضعيفاً، وحيث تصبح السياسة رهناً بالخارج، وحيث تصبح المشكلات والأزمات هي صانعة المصالح والمواقف والضمائر.

المصدر: العدد الثامن من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق