الاتحاد

اتفاقيتا مرفأي طرطوس واللاذقية والصراع للهيمنة على المتوسط

محمد مصطفى عيداتفاقيتا مرفأي طرطوس واللاذقية والصراع للهيمنة على المتوسط

محمد مصطفى عيد

مقدمة:

منذ بروز فكرة الدولة القومية، ككيان سياسي وقانوني في مفهوم العلاقات الدولية، حظي موضوع الحدود البرية والبحرية باهتمام كبير من قبل الدول التي تؤكد على سيادتها الوطنية والإقليمية، وغالباً ما أثيرت النزاعات على الحدود بين الدول ونشبت الحروب، بغية السيطرة على المنافذ البحرية وطرق التهريب، والبنية التحتية للنفط والغاز الطبيعي، ومراكز الحدود، والعقود الرئيسية للاستيراد والتصدير.

وكثيراً ما أثير الجدل بين أهل الاقتصاد والسياسة، فيمَنْ يقود مَنْ، أو مَنْ يؤثر أكثر على الآخر، الاقتصاد أم السياسة، إلا أن الوقائع، هي ما تفرض نفسها في النهاية، حيث أن العلاقة بينهما هي علاقة عضوية، وغالباً ما تأتي الصراعات تحت عناوين سياسية وأمنية، إلا أن هذه العناوين لا يمكن أن تخفي المصالح الاقتصادية التي تنطوي عليها.

مع تحوّل الصراع السوري إلى ساحة للصراع بين الأمم، وتداخل أجندات القوى الإقليمية والدولية، والتي تسعى تلك القوى من خلالها إلى تحقيق مكاسب اقتصادية عبر بوابة الحرب السورية، إلا أن نتائج الأزمة الحالية أفضت إلى غياب الاهتمام بالاقتصاد والانصراف للتركيز على العمليات العسكرية والسياسية الداخلية، إِذْ تراجع الاقتصاد إلى مرتبة متأخرة نسبياً، بسبب الخلل في العلاقات الاقتصادية، وتباطؤ وتيرة النمو.

من جهة داعمي النظام السوري، دخلت إيران منذ بداية الأزمة على خط الصراع، وقدّمت جميع أشكال الدعم الممكنة للنظام، اقتصادياً ومالياً، كما كان التدخل الروسي بشكل مباشر في الأزمة السورية وتغيير مجراها، في خريف عام 2015، حيث ساهم هذا التدخل في منع انهيار الدولة السورية، وخفَّف من درجة تحكم الإيرانيين بالنظام السوري، وأضعف حاضر ومستقبل النفوذ الإيراني، ولكن رغم ذلك، وبعد مضي ثمانية أعوام من الحرب، نجد أن الامتيازات الاقتصادية التي منحها النظام لشريكيه الرئيسيين في الحرب روسيا وإيران، بدأت ملامحها تتكشّف بشكل أوضح مع بداية العام الجاري 2019، من خلال الحديث عن تأجير أو استثمار ميناء طرطوس لروسيا، وميناء اللاذقية لإيران، فالهيمنة الاقتصادية تشكّل حجر الأساس لمحاولات القوى في إنشاء مناطق تبادل تجاري حر حولها، لقطع الطريق على العدو (حالة روسيا مع الدول المحيطة بها). ومن بين الأشكال التي تظهر بها الهيمنة الاقتصادية، هناك العامل الديني المذهبي الذي يسمح لدولة تحت شعار الوحدة الدينية بالهيمنة على اقتصاد بلد (حالة إيران الآن).

المسار التسويقي الذي قادته الحكومة السورية لخطوة تأجير المرفأين لروسيا وإيران قامت على فرضية أن هذه الخطوة من شأنها كسر الحصار على سوريا، والالتفاف على العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام، بالإضافة إلى العوائد المالية المتوقعة من عملية التأجير، يضاف إلى ذلك تنشيط حركة التجارة الخارجية، وتلبية متطلبات الاقتصاد المحلي.

روسيا وغاز المتوسط
في نظرة بعيدة، ووفق المصالح الجيوستراتيجية، نجد أن منطقة المتوسط أصبحت محط اهتمام الدول الكبرى، فقد خلقت حقول الغاز والنفط المكتشفة في شرق البحر المتوسط مساراً جديداً للصراع بين دول بالمنطقة، التي تعيش منذ سنوات توتراتٍ سياسية كبيرة، فمنطقة شرق المتوسط تضم احتياطات استراتيجية ضخمة، وصلت وفقاً لتقديرات المسوح الجيولوجية الأمريكية إلى ما يقارب 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ما عدا الاكتشافات الواعدة من النفط ، لذلك فإن الرغبة الروسية الشديدة في توسيع نفوذها وسيطرتها على حقول الغاز في المتوسط، تعدُّ أحد أهم أسباب تمسّك روسيا بوجودها في سوريا، التي تعد شريكاً مهمّاً في احتياطات الغاز المكتشفة في المتوسط، كما أن روسيا سجلت إنجازات كبيرة في الصراع الإقليمي على أسواق الغاز العالمية، ليس فقط على غاز المتوسط، مستفيدة من نفوذها المتزايد في المنطقة العربية. وتدرك موسكو أن صفقات الطاقة في المتوسط هي إحدى أهم الأدوات التي تخدمها في بسط نفوذها السياسي في المحيطين الإقليمي والدولي.

استثمار مرفأ طرطوس
لميناء طرطوس أهمية كبيرة بسبب موقعه على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، فهو يستقبل السفن من مختلف أنحاء العالم، حيث أن الميناء مصمّم أساساً من قبل شركة “كامب ساكس” الدانماركية المتخصصة بتصميم المرافئ، وتمّ العمل على إنشائه في عام 1960 من قبل مجموعة شركات عربية وأجنبية.

ويأتي استئجار روسيا لمينا طرطوس في وقت تشهد فيه سوريا صراعاً على النفوذ بين عدة قوى إقليمية ودولية، ولاسيما روسيا وإيران حليفتا الحكومة السورية، حيث حظي استثمار ميناء طرطوس بجدل واسع، وحسماً لهذا الجدل حول الميناء، فقد صادق مجلس الشعب السوري، في الربع الأول لشهر يونيو/ حزيران الماضي، على العقد الموقع بين الشركة العامة لمرفأ طرطوس وشركة “اس.تي .جي.اينجينيرينغ” المحدودة المسؤولية الروسية لإدارة واستثمار مرفأ طرطوس.

وفي وقت يرى مراقبون أن تسليم النظام السوري مرفأ طرطوس للعهدة الروسية، مدة نصف قرن، أتي في سياق هدف استراتيجي، تسعى موسكو من خلاله، لاستكمال السيطرة على المفاصل الاقتصادية الاستراتيجية في سوريا، فإنه يبرز أيضاً عزم روسيا استرداد الكلفة الاقتصادية التي تكبّدتها، جراء دعمهم العسكري للنظام السوري، إضافة للتحكم بمنابع الطاقة في المتوسط.

بينما حكومة النظام السوري ترى أن عقد الاستثمار مع الشركة الروسية هو الأمثل للمرفأ للاستفادة من موقعه الاستراتيجي، وتحقيق عائد ربحي، وليكون بوابة استثمار اقتصادي وتجاري لسوريا على البحر المتوسط، خصوصاً في ضوء المنافسة بين مرافئ عدة في المنطقة.

وفنّدت الحكومة السورية جملة من المزايا التي ينطوي عليها العقد، وفي مقدمتها تحقيق أرباح كبيرة تشكل نسبة 25 بالمئة من الإيرادات، بغض النظر عن النفقات، وتزداد النسبة مع زيادة الإنتاج، لتصل إلى 35 بالمئة، موضحة أنه من المزايا أيضا ضخ مبلغ 50 مليون دولار لتطوير المرفأ الحالي، وإنشاء مرفأ جديد إلى جانبه، بطاقة إنتاجية تقدّر بحوالي 40 مليون طن، بدلاً من 12 مليون طن، و5.2 ملايين حاوية، بدلاً من 400 ألف حاوية حالياً، وبأعماق تصل إلى 18 م.

وتتويجاً لهذا الاتفاق، كانت هناك سلسلة من الخطوات التي أقدمت عليها روسيا، لتكريس وجودها في سوريا منذ تدخلها العسكري في سبتمبر/أيلول 2015. حيث اتخذت القوات الروسية مطار حميميم في ريف اللاذقية قاعدة لها، بعدما قررت عام 2016 توسيع المطار الذي كان معدّاً لاستقبال الطائرات المروحية، بناءً على اتفاق في أغسطس/آب 2015، حصلت فيه على حق استخدام هذه القاعدة من دون مقابل، وإلى جانب حميميم، أنشأت روسيا قاعدة عسكرية بحرية في طرطوس، تستوعب سفناً حربية كبيرة، كما صدّق البرلمان الروسي في عام 2017 على اتفاق لترسيخ وجود روسيا في سوريا، ولتمهيد الطريق أمام وجود عسكري دائم في قواعد بحرية وجوية هناك. وتقضي الاتفاقية بإقامة مركز لوجستي للمعدّات الفنية للأسطول الروسي في طرطوس لمدة 49 عاماً. كما تمّ الاتفاق على قيام روسيا بتوسيع وتحديث إمكانات الميناء لتقديم خدمات وتسهيلات لأسطولها، ليكون قادراً على استقبال حاملات الطائرات والغواصات النووية.

لكن هناك بعض الخبراء الذين اعتبروا أن الخطوة الروسية ترتكز على هدفين رئيسيين: الأول أمني، ويتعلق بحماية القواعد الروسية في مدينة طرطوس، والشق الثاني يمكن اعتباره سياسي، ينطوي تحت موضوع إعادة الإعمار، الذي سيكون المدخل الرئيس لبناء توافقات واتفاقات مع القوى الإقليمية والدولية، كما أن الوجود الروسي في هذا الميناء سيمنح موسكو عناصر ربح اقتصادية شديدة، خصوصاً أن عملية إعادة الإعمار ستكون طويلة زمنياً.

إيران في اللاذقية
وبالتوازي مع طرح استثمار ميناء طرطوس من قبل روسيا، كانت هناك تطورات حول أنباء عن نيّة إيران استئجار ميناء اللاذقية، وهو ما أعلن عنه مكتب الرئيس الإيراني حسن روحاني، وتمّ تداول أنباء عن وجود مباحثات لتسليم إدارة ميناء اللاذقية لطهران، بشكل استثمار طويل الأمد، مقابل إسقاطها لديون دمشق المستحقة لها، وتوقعت مصادر عدة أن يتم توقيع الاتفاقية خلال زيارة مرتقبة للرئيس حسن روحاني إلى دمشق.

ويأتي سعي إيران للاستثمار في ميناء اللاذقية في إطار التنافس الروسي الإيراني للهيمنة بعيدة المدى على سوريا، وترسيخ وجود متعدد الأوجه، وليس فقط في إطار الهيمنة العسكرية، حيث تعتبر إيران أن نفوذها العسكري في منطقة المشرق العربي لا يمكن حصد نتائجه إلا من خلال مسار هيمنة اقتصادية اجتماعية.

وكان وزير النقل السوري قد طلب، في فبراير/ شباط الماضي، من المدير العام لمرفأ اللاذقية العمل على “تشكيل فريق عمل يضم قانونيين وماليين للتباحث مع الجانب الإيراني في إعداد مسودة عقد لإدارة المحطة من الجانب الإيراني”، تلبية لـ “طلب الجانب الإيراني حق إدارة محطة الحاويات لمرفأ اللاذقية لتسوية الديون المترتبة على الجانب السوري”، بسبب الدعم المالي والعسكري الذي قدمته طهران لدمشق في السنوات الماضية.

وتُشغّل مرفأ اللاذقية منذ سنوات “شركة سوريا القابضة” المتعاقدة مع شركة فرنسية، لكن رئاسة الحكومة السورية وجّهت كتباً خطية إلى الشركة، للالتزام بالاتفاق بين دمشق وطهران، لمنح إيران حق تشغيل المرفأ اعتباراً من خريف 2019.

بالمقابل أبلغ مسؤولون إيرانيون الجانب السوري أن مرفأ اللاذقية سيستعمل لنقل المشتقات النفطية الإيرانية إلى سوريا عبر البحر المتوسط، و “حلّ أزمة الغاز والنفط والكهرباء التي تعاني منها مناطق الحكومة في الأشهر الماضية”.

ويرى مراقبون أن النظام الإيراني يسعى من خلال بسط هيمنته على سوريا، وتكريس نفوذه في العراق، إلى تحقيق هدفه في التمدد في المنطقة عبر فتح ممر بري، بامتداد جغرافي متواصل، يربط طهران بسواحل شرق البحر المتوسط، حيث يمثل الساحل السوري على ضفاف المتوسط، وبالتحديد مرفأ اللاذقية الاستراتيجي، منفذاً بحرياً مهمّاً بالنسبة لطهران، التي تطمح إلى الوصول إلى المياه الدافئة، كبديل لموانئها في الخليج العربي، لنقل السلاح والعتاد، وكذلك السلع والبضائع التجارية.

ويعتبر مرفأ اللاذقية الميناء البحري الأول في سوريا، وأحد أهم الفروع الرئيسية للحياة الاقتصادية في اللاذقية، ويتم عن طريقه استيراد وتصدير معظم حاجات البلاد غير النفطية، حيث يقع المرفأ على مساحة واسعة من الواجهة البحرية للمدينة، وتشرف على إداراته شركة عامة تتبع للحكومة السورية، ويعود تأسيس المرفأ إلى عام 1950، وقد تمّت توسعته عدة مرات منذ إنشائه، وتبلغ طاقة المرفأ الاستيعابية حالياً سعة تخزين مقدرة بحوالي 620 ألف حاوية، موزعة على 23 رصيف.

السعي الإيراني لاستثمار مرفأ اللاذقية قوبل بامتعاض روسي، لكونه يهدّد المصالح الروسية في سوريا، على اعتبار أن الطائرات الروسية تنطلق من قاعدة حميميم الجوية، لذلك تعتبر روسيا ميناء اللاذقية جزءاً من أمنها في سوريا، خصوصاً أنّها توصلت إلى اتفاقات مع دمشق بشأن وجود طويل الأمد لها في منطقة الساحل السوري، لذلك جاءت الخطوة الروسية بتسريع إجراءات إدارة ميناء طرطوس، بالتعاون مع الصين، للاستيلاء على ميناء طرطوس، من أجل الحفاظ على وجود عند مفترق الطرق بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، والاستفادة تجاريًا من هذا الميناء،ومحاولة إيقاف التمدّد الإيراني في الساحل السوري.

خلاصة:
مع قرب نهاية الأعمال العسكرية في سوريا، فإن الوقت قد حان من قبل روسيا وإيران، من أجل حصد نتائج استثمارهما في الملف السوري، وتشكل الهيمنة على المرافئ البحرية نقطة فارقة في تحقيق نفوذ استراتيجي لهما لعقود مقبلة، وتتضمن تلك الهيمنة عدداً من النقاط، من أبرزها:

  • الهيمنة العسكرية في المتوسط، وامتلاك أوراق قوّة في ملفّات المنطقة، خصوصاً في منظومة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
  • الوصول إلى منابع الطاقة في المتوسط.
  • الهيمنة على مداخل التصدير والاستيراد في سوريا، خصوصاً مع انتظار بدء مسار إعادة الإعمار.
  • بناء شبكات نفوذ اجتماعية، عبر عمليات توزيع المنافع على فئات مُحددة في المجتمع السوري.

إن مسار التنافس الروسي الإيراني في سوريا لم يحسم بعد، وأصبح مرهوناً بملفات أخرى، مثل الصراع الأمريكي الإيراني في الخليج العربي، والتوافق الروسي الأمريكي على عدد من الملفات الاستراتيجية.

المراجع
1. وكالة الأنباء السورية (سانا)، مجلس الشعب يقر مشروع القانون المتضمن تصديق العقد الموقع بين مرفأ طرطوس وشركة روسية، 12حزيران 2019.
2. عدنان، أحمد، استئجار ميناء طرطوس: روسيا تحكم سيطرتها على الساحل السوري، صحيفة العربي الجديد،22 أبريل 2019.
3. موقع السورية نت، “السورية. نت” تُفندُ ملف ميناء طرطوس: هذه أبرز الأسباب الاقتصادية والسياسية لـ “صفقة” النصف قرن، 22ابريل 2019.
4. جريدة المدن الإلكترونية، موسكو في طرطوس وطهران في اللاذقية؟ ، 24 إبريل 2019.

المصدر: العدد التاسع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق