الاتحاد

المنطقة الآمنة بين الإستقرار وتصعيد التوتر في شمال شرق سوريا (1)

صلاح الدين بلالالمنطقة الآمنة بين الإستقرار وتصعيد التوتر في شمال شرق سوريا (1)

صلاح الدين بلال
مدير مركز اسبار للدراسات والبحوث

إن الاتصالات الأمريكية القائمة في الوقت الراهن للوصول إلى حل بين قوات سوريا الديموقراطية من جهة وبين الأتراك من جهة أخرى، إنما هي محاولات تعمل من خلالها الإدارة الأمريكية على الوصول إلى حل يكون الأمريكيون فيه أصحاب الكعب العالي في المنطقة، فتسليم مناطق واسعة تريدها تركيا وشمال شرق سوريا تحت مسمى (المنطقة الآمنة)، وأنا اتحفظ على هذه التسمية، لأننا رأينا ماذا يعني التدخل التركي والفصائل التابعه له في عفرين وعمليات التهجير والتغيير الديمغرافي والتنكيل والقتل والخطف والحرق للمدينة تتحت حجج مختلفه لكن حقيقتها هو تفتيت وتهجير أهالي المنطقة كونهم كورد، وهذا جوهر حقيقة أسباب احتلال عفرين لهذا اعتبر ما يطرحه اردوغان لمنطقة شمال وشرق سوريا يصح بتسميته ((المنطقة المتوترة)).

يحاول الجانب التركي بطرحه هذا، التقليل من الهيمنة الأمريكية في تلك المنطقة، وجعل الأتراك قادرين على التأثير بشكل أكبر في تلك المناطق ما يجعل الأمريكيين من جهة وقوات التحالف بشكل عام من جهة ثانية مُجبرين على التعامل مع طرف سياسي جديد قد يعرقل خططهم في تلك المنطقة، ولا سيما أن تركيا برئاسة رجب طيب اردوغان تلوح بورقة ابتزاز للجانب الأمريكي، وهي الورقة الروسية والتحالف من الطرف الإيراني، لذا فإن الولايات المتحدة تريد الوصول إلى حل تكون فيه مصلحتها هي الأساس الذي يرتكز عليه هذا الحل، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى مصالح حلفائها في تلك المنطقة، فالأمريكيون ليسوا وحدهم هناك بل هناك قوى من التحالف على رأسها البريطانيون والفرنسيون ولا تريد الولايات المتحدة أن يكون هناك إبعاد لهم من قبل تركيا في المنطقة ولا سيما أن هناك مشاريع ضخمة يتم العمل عليها من قبل الأوروبيين بدعوة أمريكية لتدريب قوات سوريا الديموقراطية.

من جهة ثانية، فإن الأمريكيين يريدون بشكل أو بآخر من خلال الدخول كوسطاء بين تركيا وقسد، إظهار قسد كقوة مستقلة لها وجودها ولها كيانها، وبالتالي لا يمكن الطلب منها أو توجيه أوامر لها، بل يجب التعامل معها كند لتركيا وقوة لا يُستهان بها وشريك محلي وليس تابع محلي وهذا ما يجعل الأمريكيين يعملون على التفاوض مع الطرفين وبشكل متوازٍ دون فرض آراء على أي طرف، وقد طلبوا من الأتراك وقتاً كي يتم الوصول إلى حل مع الأكراد ولا سيما أنهم أرسلوا قيادات على مستوى عالٍ إلى هناك، آخرها اللقاءات التي تمت بين السفير الأمريكي في البحرين سابقاً وقائد القوة المركزية ومسؤول ملف التحالف مع قسد، وجميعهم كانت زيارتهم لهدف واحد وهو الوصول لحل مع قسد حول التدخل التركي والتهديدات التركية المستمرة.

الإدارة الأمريكية تسعى بشكل أو بآخر أيضاً للحفاظ على نفوذ دولي متعدد في منطقة شمال شرق سوريا، ولا سيما نفوذ الدول الخليجية التي ترى تركيا أن أي وجود أو ظهور مستقبلي لها يعتبر تحدياً في وجه النفوذ التركي، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تريد الوقت الكافي من أجل الوصول إلى حل مع أي جهات أخرى (عربية) كي تكون هي القوات الرئيسية التي ستكون ضمن المنطقة الآمنة وربما تنضم قوة عسكرية مصرية وغيرها في حال لم ترضخ تركيا لأي حل مستقبلي بينها وبين الأمريكيين.

هناك أمرٌ مهمٌ جداً، وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد خلق أي خلل مع تركيا وتريد تعميق العمل معها، فوجود الأتراك ضمن الحلف الأمريكي في سوريا يجعل الأمريكيين قادرين على الضغط بشكل أكبر وفي حال لم يكن الأتراك كذلك فإن الخطط الأمريكية في المنطقة قد تتم عرقلتها بمشاركة تركية، لذا فإن الأمريكيين جادين في الحفاظ على التعاون مع الأتراك أو على الأقل عدم التصعيد معهم.

كما أن هناك أمراً مهماً جداً وهو السياسة الأمريكية الجديدة التي يقوم بها ترامب، ألا وهي السياسة الناعمة للوصول إلى الأهداف الاستراتيجية فالولايات المتحدة بسياستها الخارجية الحالية تريد أن تكون جهة للحل وليست للتصعيد، لذا نرى الجهد الأمريكي المعلن للوصول إلى حل بين قسد والتحالف من خلال زيارة كبار الضباط الأمريكيين إلى قوات قسد وعلى رأسهم قيادة القوات المركزية الأمريكية إضافة لزيارة قيادات عسكرية أمريكية ومسؤولي الملف السوري إلى أنقرة والإعلان عن هذا الأمر بشكل تصاريح يومية على لسان وزارة الخارجية التي تعارض أي تحرك عسكري في المنطقة وبالتالي إظهار الولايات المتحدة كقوة استقرار وليست كقوة توتر وتحقيق انتصار سياسي في الشرق الأوسط في ملف شائك كملف الخلاف التركي الكردي في سوريا.

وبشكل أو بآخر فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستكون القوة الوحيدة القادرة على الوصول لحل سياسي مثالي في المنطقة، وهي فعلياً التي تهندس أي عملية قد تقوم بها تركيا والتي يظهر بشكل واضح أنها لن تتم دون موافقة أمريكية أو عمل أمريكي منفرد كون الأمريكيين أعلنوا بوضوح أنهم غير موافقين على هكذا عملية وبدأت الولايات المتحدة بفرض حل مقابل ومن طرف واحد من خلال إيجاد نقاط مراقبة أمريكية بدأت في منطقة تل ابيض، ومن ثم الآن في الدرباسية مهمتها ضبط مناطق الحدود التركية السورية في شمال شرق سوريا وإرسال رسالة مباشرة لتركيا أن الولايات المتحدة قادرة على بناء خطة منطقة آمنة من طرف واحد وتخيير تركيا بين القبول بالمشاركة بهذه المنطقة من عدمها ووفقاً للشروط الأمريكية فحسب.

وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأمريكية تخيّر تركيا بين أمرين الأول هو المشاركة في الحل وبشكل غير عنيف وحسب ما تريده الولايات المتحدة ويحافظ على مؤسسات الإدارة الذاتيه ومجلس سوريا الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) كقوة عسكرية ومدنية وسياسية أو عمل الولايات المتحدة بشكل منفرد على تنفيذ مشروع خاص بها هناك وفرضه على تركيا وهو مشروع نقاط المراقبة.

يتبع …..

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق