الاتحاد

مسيحيّو ربع الساعة الأخيرة

حسام ميرومسيحيّو ربع الساعة الأخيرة

حسام ميرو

احتضنت باريس مؤخراً، لقاءً دعت إليه جمعية “سيّدة الجبل” اللبنانية، للتحضير لما سمي “المؤتمر المسيحي العربي”، بمشاركة شخصيات سياسية سورية، أبرزها جورج صبرا، وميشيل كيلو، وكشفت الورقة الصادرة عن اللقاء مبررات عقد المؤتمر، من وجهة نظر المشاركين، من بينها (البند الأول) الخطر الوجودي الذي ينتاب المسيحيين في المنطقة، كما تضمّنت الورقة تأكيداً على خطر الوجود الإيراني في المنطقة.

إذاً، ثمة خطر وجودي يهدّد مسيحيي المنطقة، ولا بد من التصدّي له، وقد استفاق معارضون بارزون سوريون ليأخذوا على عاتقهم هذه المهمة التاريخية، بالتنسيق والتعاون مع شخصيات لبنانية بارزة، ومن المتوقع أن تزداد قائمة المسيحيين “البارزين” من مصر والأردن وفلسطين والعراق،

وإذا كان المرء من غير المتابعين للحدث السوري، أو من أصحاب الذاكرة الضعيفة، فسنذكّر بتصريحات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، التي باركت التدخل العسكري الروسي في سوريا، في أواخر عام 2015، كما سنذكر بتصريح جديد للمتحدث الرسمي باسم قاعدة حميميم الروسية في سوريا، أليكسندر إيفانوف، الذي قال فيه” إن القوات الجوية الروسية تشن هجمات مركزة ومكثفة على مقاطعة إدلب، رداً على قصف مسيحيين أرثوذكس في مدينة محردة”.

لم تعر المعارضة السورية كثير اهتمام لمباركة الكنيسة الأرثوذكسية في وقتها، فقد فُهمت كجزء من تدعيم محلي روسيي لشرعية التدخل العسكري في سوريا، وتغطية مكشوفة وساذجة للمصالح الاستراتيجية برداء ديني/ مذهبي، يستعيد خطابات وسياسات القرن التاسع عشر، بل أن تلك التبريكات الكنسية لاقت استهجاناً، لكونها أقرب إلى الكوميديا منها إلى التراجيديا.

لكن استعادة ورقة المسيحيين اليوم لا تبدو ساذجة، لأسباب عديدة:

هناك بحث دولي عن الشكل الإخراجي لحلّ المسألة السورية، من شأنه الإبقاء على الكتلة الصلبة للنظام السوري، في صيغ، تراها الدول الكبرى بأنها تتناسب مع الواقع الطائفي في سوريا.

بعد القضاء على تنظيم “داعش” الإرهابي وخلافته، تمّ حصر اللاعبين المحليين في سوريا، بين النظام، و”قسد”، والإخوان المسلمين، المدعومين تركياً وقطرياً.

إن تشكيل حلّ مقبول يعتمد على قوى الأمر الواقع يتطلّب، من وجهة نظر القوى الكبرى، مشاركة هذه القوى في أي حل مستقبلي، عبر دستور يكرّس شكلاً من أشكال المحاصصة،

ما ينقص التشكيلة السابقة هم المسيحيون، بوصفهم أقلية كبرى، وتعتقد فرنسا، وربما دول غربية أخرى، أن ورقة المسيحيين يجب ألا تبقى بيد روسيا، ولا بأس من إيجاد تيار مسيحي-روسي، وآخر مسيحي-فرنسي-غربي، كما في لبنان، حيث هناك تيار مع إيران، وآخر مناهض لها.

بالمحصلة، فإن مثل هذا السيناريو، سيكون مرضياً لعدة أطراف دولية، حيث ستكون الأقليات من حصة روسيا وإيران والغرب، والأكثرية السنية من حصة تركيا والخليج، وقد تحدث تحوّلات تُستبعد فيها إيران، لمصلحة روسيا وفرنسا،

  • الخارطة المستقبلية لسوريا وفقاً لهذا التصوّر:
  • أكثرية سنية (تمثّل حلب وإدلب بشكل رئيس) عصبها الإخوان المسلمون، برعاية تركيا وقطر.
  • تيار سني دمشقي أقرب لروسيا والخليج.
  • قوة وازنة من الأقليات الدينية أقرب لروسيا.
  • تيار مسيحي أقرب لفرنسا والغرب.
  • أكثرية كردية برعاية أمريكية.
  • تيار كردي مدعوم تركياً.

وبالتالي، فإن مصالح جميع القوى الإقليمية الدولية ستكون مأخوذة بعين الاعتبار، بغض النظر عن مجريات الأعوام السابقة، وبغض النظر عن أي ثورة، أو معتقلين، أو لاجئين،

وطالما أن السياسة هي فن الممكن، بحسب توصيفها التقليدي، وليست عملية نضال من أجل تحقيق المبادئ، وهو ما يعلمه صبرا وكيلو تماماً، فهما يعلمان بأنهما يستطيعان الانخراط في هذا السيناريو، بما يحقق لهما مصالحهما، بل يجعلها أكثر تأكيداً في الواقع العملي، فالائتلاف الوطني هو في نهاية المطاف بنية إخوانية، ولن يكون صبرا من وجهة نظر الإخوان سوى ورقة قديمة تمّ استعمالها، وانتهى مفعولها.

أما ميشيل كيلو، فقد سعى خلال الأعوام الماضية، عبر أكثر من مدخل ليكون في واجهة تمثيل المعارضة، لكنه كان، في كل مرة، يمضي من فشل إلى آخر، وربما يكون هذا المشروع الجديد لبناء تيار مسيحي موالٍ لفرنسا هو طوق النجاة لطموحه السياسي.

الغريب في الأمر أن الرجلين، صبرا وكيلو، ينتميان إلى اليسار السوري، واعتقلا لسنوات، وعملا في المعارضة وتشكيلاتها قبل الثورة وبعدها من منطق غير طائفي، لكنهما اكتشفا فجأة أنّهما مسيحيين.

قبل أن تضع الحروب أوزارها، وقبل أن يتم تقاسم المصالح بين القوى المتحاربة، أي في ربع الساعة الأخيرة، تظهر مفاجآت عديدة، ومن بينها أن يكشف البعض، ممن يخشون أن تفوتهم الغنائم، عن انتماءاتهم الضيقة لمصالحهم، بعيداً عن أي شعارات وطنية كبرى،

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق