الاتحاد

إعادة الإعمار بين المعوقات والتحديات

صلاح الدين بلالإعادة الإعمار بين المعوقات والتحديات

صلاح الدين بلال

يبدو الحديث عن إعادة الإعمار فس سوريا أمراً سابقاً لأوانه، بسبب الجمود الذي تعاني منه العملية السياسية المتعثرة، ناهيك عن التجاذب والصراع المحموم للأجندات الإقليمية والدولية على الأرض السورية، يضاف لذلك ربط الولايات المتحدة وأوروبا إطلاق عملية إعادة الإعمار بالتوصل لاتفاق سياسي بين السوريين، يقود البلاد لمرحلة جديدة. عدد من الأطراف الغربية، ولمناكفة حلفاء النظام السوري، باتوا يلوحون – في حال تعذر الوصول إلى حل سيايي – بإمكانية المضي نحو ما يسمى بـ “ عمليات التعافي المبكر”، وهي إعادة إعمار جزئية، يخصصها الاتحاد الأوروبي، لبعض المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، وهذا أمر ترفضه المعارضة نفسها، لكونه وحسب رأيها يجسد فكرة التقسيم في البلاد، مُصرّةً على ربط أي عملية إعمار بتوافر حل سياسي، وهذا الرأي لا تتفق معه هيئات المجتمع المدني العاملة في الداخل السوري، والتي ترى أنه يجب ألا يتمّ ربط برامج التنمية والإعمار بالحل السياسي الشامل، كون هذا الأمر متعلق بالشعب السوري، وهو تعويض عن الأضرار التي لحقت به جراء الحرب، التي دمرت % 65 من البني التحتية، إضافة إلى تراجع حادّ لاقتصاد البلاد.

تبررُّ أقطاب المعارضة السورية وجهة نظرها بضرورة ربط أي برنامج لإعادة الإعمار باتفاق سياسي سوري، لسبب أن دفع أي عملية تنموية في سوريا، دون توافر ذلك الاتفاق، من شأنه المساهمة في إعادة إنتاج أو تعويم النظام السوري، ومساعدته على الانتعاش، كون ذلك سيمكّنه من جذب العديد من الاستثمارات الإقليمية والدولية، واستغلالها في إعادة تشغيل مصانع ومعامل تملكها شخصيات مالية مقربة منه، سخرتها خلال سني الحرب خدمةً لعملياته العسكرية.

وكمبررّ إضافي، حسب وجهة نظر المعارضة، فإن أي عملية ضخّ للأموال بمعزل عن وجود توافق سوري – سوري بمباركة دولية، من شأنه أن يؤدي إلى ذهاب تلك الأموال لجيوب داعمي النظام الروس والإيرانيين، اللذين أغرقوه بالديون خلال السنوات الماضية، وما ضغط حلفاء النظام على أوروبا إلا للسبب آنف الذكر، اضافة إلى التخفيف من حدّة العقوبات المطبقة عليهم، مثل إيران على سبيل المثال، كما أن رجال أعمال النظام السوري لديهم العديد من المؤسسات والشركات المالية في أوروبا، الأمر الذي سيسهل عليهم امتصاص برامج إعادة الإعمار، وحرفها عن الهدف الأساسي المرسوم لها.

برامج اعادة الإعمار أحادية الجانب
بدأ النظام السوري منذ عامين تقريباً ببرنامج أحادي الجانب لإعادة الإعمار في سوريا، تَثّل بإقامة مدينتي “ماروتا سيتي” و”باسيليا ستي”، المشروعين سيئي السمعة لدى السوريين، وخصوصاً المهجرين منهم، لكونهما أتيا على خلفية القانون 10 ، الذي هدّد بمصادرة ممتلكات كل من غادر البلاد بسبب الحرب، إضافة إلى إشكالية المواقع المختارة لإقامة المشروعين، فهي من الأماكن التي شهدت أشدّ الاحتجاجات عام 2011 ، ضد نظام الحكم الحالي.

فبرنامج الإعمار أحادي الجانب الذي يحاول النظام السوري القيام به أتى بدفع روسي – ايراني للضغط على الغرب، إلا أنه ما لبث أن بَهُتَ بريقه، بسبب العقوبات الأوروبية المتتالية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على رجال الأعمال السوريين المشاركين في هذا المشروع، إضافة إلى العقوبات الأمريكية ضد ايران، والضغوطات التي تعرضت لها الصين إثر اعتقال ابنة مالك شركة “هواوي” في كندا، على خلفية خرق لبرنامج العقوبات المفروض على سوريا، من خلال التوقيع على عقود لتطوير أنظمة الاتصال السلكية واللاسلكية مع النظام السوري عام 2015 ، وهذا ما دفع العديد من رجال الأعمال الصينيين إلى التخفيف من الاندفاع نحو الاستثمار في عمليات إعادة الإعمار أحادية الجانب السورية.

الميزانية المطلوبة للبدء بإعادة الإعمار
يرى بعض الخبراء أن الأرقام التي تمّ تداولها بخصوص إعادة الإعمار في سوريا مبالغ بها، والهدف من ذلك هو التأثير على صيرورة الأحداث، والضغط على النظام والمعارضة السوريين على السواء، إضافة إلى تمييع فكرة إعادة الإعمار، والبقاء بحالة المراوحة في المكان لأبعد حد ممكن، فتكلفة إعادة ترميم الأضرار في المساكن والبنى التحتيّة ووسائل الإنتاج، هي بين 50 و 80 مليار دولار فقط، كون سوريا لديها اكتفاء ذاتي، يمكن الاعتماد عليه، والنهوض من جديد، ودفع عجلة الإنتاج، حيث تمتلك البلاد إمكانية إنتاج 4 مليون برميل نفط يومياً، إضافة إلى تريليونات مكعبة من الغاز الطبيعي الجاهزة للشحن، أيضاً هنالك 6 ملايين طن قمح سنوياً (الانتاج الحالي وصل إلى 4 مليون طن بتكنولوجيا متوسطة أو أقل من متوسطة)، وهناك مليون طن قطن سنوياً، أيضاً لدى البلاد إمكانية إنتاج 4 مليون طن من الفوسفات سنوياً، ناهيك عن المعادن الأخرى، مثل الذهب والحديد والنحاس واليورانيوم، إضافة إلى صناعة السياحة التي من شأن عائداتها أن تسهم في عملية إعادة إعمار الأماكن المتضررة من البلاد، وبناءً على ذلك فإن سوريا تستطيع الاعتماد على ما لديها من ثروات، مع استعانة متوسطة بالأموال المقدمة من المانحين لإعادة الإعمار.

متطلبات وتحديات إعادة الإعمار
إن مرحلة إعادة الإعمار كما أسلفنا آنفاً تتطلب توصل السوريين إلى حل توافقي فيما بينهم، يؤدي إلى تشكيل حكومة وطنية موسّعة، كاملة الصلاحيات، تشرف في المقام الأول على ضبط الأمن في البلاد وجمع السلاح، ضمن مُهلٍ محدّدة، يعاقب بعدها كل من يتخلف عن تسليم سلاحه، سواء كان مدنياً أم عسكرياً، لم يعاود الانضمام إلى الجيش، وهذا من شأنه أن يُعيد الأمن للبلاد، ويقضي على حالة الفساد وظواهر أمراء الحرب، وبعد ذلك تقوم تلك الحكومة بإدارة الاستثمار الرشيد للموارد الداخلية في إعادة الإعمار، حيث أن الافراط بالاعتماد على التمويل الخارجي يكبح عجلة الإنتاج الذاتي، ويفرض هيمنة الممولين على الاقتصاد.

ومن التحديات التي ستواجه أي حكومة جديدة في سورية هي تقلّص قوّة العمل والحاجة للكفاءات، ورؤوس الأموال الهاربة، اضافة إلى عدم قدرة الدولة في الاستفادة من ريع الموارد كما كان سابقاً، يضاف لذلك مخاطر التضخم المالي، وسبل الحصول على القطع الأجنبي لاستيراد المستلزمات، وإعادة إنعاش القطاع الخاص الذي ضمر خلال سنوات الحرب.

كلّ تلك التحديات يمكن مواجهتها من خلال توفير مقومات البيئة الآمنة، التي تؤمن وتغري بعض السوريين المتخصصين بالإنتاج والبناء للعودة والمشاركة في عملية إعادة الإعمار، وعندما نتكلم عن مقومات البيئة الآمنة فإننا نقصد معيار الثقة الذي يجب على أي حكومة جديدة توفيره بينها وبين السوريين الموجودين خارج البلاد، وربما يكون ذلك مشابهاً للحالة اللبنانية، عندما تم تمكين حكومة إلياس الهراوي، التي ساهمت من خلال البرلمان بإصدار قانون عام 1991 قضى بالعفو عن كل شخص من الفترة الواقعة بين 75 حتى 91 .

التحدّيات المباشرة التي تواجه إعادة الإعمار
• عدم التوصل لحل سياسي شامل.
• عدم توافر بيئة آمنة للشروع بإعادة الإعمار.
• تشرذم الأرض السورية بين موالٍ ومعارض.
• الصراع الإقليمي عبر تواجد أجنبي مباشر على الأرض السورية.
• انتشار السلاح وظاهرة أمراء الحرب.
• تفاقم أزمة اللجوء وهروب العقول والأيدي الماهرة الوطنية.
• سياسات ممنهجة لتمييع العملية السياسية.
• انخراط ايراني مباشر لتغيير ملامح وطبيعة وتركيبة الهوية السورية.
• عرقلة استثمار الموارد الوطنية بسبب العقوبات الدولية: حيث أنه لا يمكن أن يبدأ الإعمار في سوريا في ظل عقوبات مفروضة على مؤسساتها الاقتصادية، كالبنك المركزي على سبيل المثال، الذي سيتم الاعتماد عليه في عمليات الإنعاش الاقتصادي، وبالتالي يتوجب على أي حكومة سورية جديدة طلب رفع تلك العقوبات التي تمنع سوريا من استيراد معدات توليد الطاقة، كالمحطات الكهربائية الكبيرة، وقطع غيار الطائرات المستخدمة في عمليات الري.
• سيطرة رساميل محلية فاسدة مدعومة ومقربة من السلطة الحالية على مفاصل حيوية من الاقتصاد السوري: حيث أن تلك الرساميل تستعد للاستفادة من أي برنامج تنموي استثماري مخصص لسوريا، عبر محاصرة المستثمرين، وتكبيلهم بحصص استثمارية غير عادلة، ترقى إلى مستوى “الإتاوات”.

المنطقة الشرقية كنموذج للبدء بالإعمار
تشهد منطقة شرق سوريا ازدهاراً وانتعاشاً ملحوظاً، سواء كان على المستوى الخدمي أو الاقتصادي، إضافة إلى التنظيمي الذي تقوم به الإدارات المحلية هناك، الأمر الذي جعل من تلك البقعة السورية نموذجاً يمكن تعميمه على باقي المحافظات والمناطق السورية، حيث بدأت المجالس والإدارات المحلية بتوفير مقومات لتشجيع وجذب الاهتمام الدولي إلى هناك، وكخطوات داعمة لذلك قامت بتنظيم عملية حمل السلاح، والشروع بتنفيذ برامج مجتمعية تنموية، تهدف إلى تأهيل وتدريب الكوادر البشرية، بغية استثمار طاقاتها في دفع عملية الإنتاج. أيضاً لا ننسى طبيعة العلاقة المؤسسية بين المجالس والإدارات المحلية هناك، وهذا يمكن الاستفادة منه كشكل يعمم على أماكن أخرى من البلاد.

المصدر: العدد العاشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق