الاتحاد

استقلالية السلطة القضائية في دستوري 1973 و 2012

لقاء خاص مع الخبير الدستوري ومدير مركز المواطنة المتساوية فائق حويجة على هامش ورشة مركز أسبار حول كتابة الدستور السورياستقلالية السلطة القضائية في دستوري 1973 و 2012

فائق حويجة

لم تأخذ الدساتير السورية المؤقتة، التي أعقبت “ ثورة 8 آذار” لعام 1963 ، بعين الاعتبار المبدأ الدستوري الذي يقرر فصل السلطات واستقلالها، حيث قسمت سلطة الدولة إلى سلطتين سياسية وإدارية فقط.

ففي دستور 1964 المؤقت كان المجلس الوطني يمارس التشريع ويراقب عمل السلطة التنفيذية. وفي دستور 1966 كانت القيادة القطرية ل “حزب البعث العربي الاشتراكي” تمثل السلطة السياسية، وتعيّ رئيس الدولة ورئيس الوزراء والوزراء، أما السلطة الإدارية فكان يمثلها رئيس الدولة ومجلس الوزراء، وهي التي تسهم في التشريع.

أما دستور 1973 قد عمل بهذا المبدأ المهم، وذلك عبر تقسيم بابه الثاني المعنون باسم “سلطات الدولة” إلى ثلاثة فصول هي: السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وإن كان لم ينص صراحة، وفي مادة مستقلة، على مبدأ فصل السلطات، الأمر الذي حدا ببعض المختصين في مجال القانون الدستوري للقول إن مجمل التنظيم الدستوري، وفق نصوص الدستور الدائم لعام 1973 تقود للقول: [… أن هنالك اتجاهاً واضحاً إلى عدم الاعتراف بمبدأ فصل السلطات، بشكله التقليدي، وإلى تبني التفرقة بين الوظيفة السياسية والوظيفة الإدارية، ويبدو أن الوظيفة السياسية ينهض بأعبائها الحزب القائد ورئيس الجمهورية ومجلس الشعب… ورئيس الجمهورية لا تقتصر اختصاصاته على الميدان التنفيذي، بل تمتد لتشمل سلطة التشريع، ضمن قيود معينة، كما يملك حلّ مجلس الشعب، وتعيين وإقالة الوزارة والوزراء، ويتولى مجلس الشعب سلطة التشريع في حين أن مجلس الوزراء ينهض بأعباء الوظيفة الإدارية] .

ذات الأمر نهج عليه دستور 2012 فيما يخص عدم الإفصاح عن مبدأ فصل السلطات في مادة مستقلة منه، فقد اكتفى بإفراد باب )الباب الثالث( تحت عنوان سلطات الدولة، قسّمه إلى ثلاثة فصول، وهي السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية.

برأيي، أن إفراد فصول مستقلة لكل سلطة من السلطات الثلاث في بابٍ عنوانه: “سلطات الدولة” هو بمثابة إقرار واضح بهذا المبدأ الدستوري المهم خصوصاً إذا تذكرنا نص المادة 131 من الدستور، والتي تقول: [السلطة القضائية مستقلة … إلخ[. إذ لا يمكن أن نقول إن الدستور لم يفصل بين السلطات، في الوقت الذي يفرد فيه لكل سلطة فصلاً مستقلاً، كما يذكر بصريح العبارة أن “السلطة القضائية مستقلة”. أما ما يتعلق بتداخل عمل السلطات، وما يبدو من هيمنة للسلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، سواءً في النصوص الدستورية، أو في الحياة العملية، فمردُّه في حقيقة الأمر ليس إلى غياب مادة دستورية تقول أن مبدأ فصل السلطات هو مبدأ مقرر.

بل وبشكلٍ أساسي إلى وجود الكثير من المواد الدستورية التي تمنح السلطة التنفيذية إمكانية الهيمنة -دستورياً -على السلطتين التشريعية والقضائية، وذلك عبر السماح لها بالقيام بالوظيفة التشريعية في مناسباتٍ مختلفة، إضافةً لدورها البارز والمؤثر في طريقة عمل وتشكيل السلطة القضائية كما سنرى.

صلاحيات السلطة التنفيذية في المجال القضائي في دستوري 1973 و 2012 نصت المادة 132 في دستور 2012 على أن: السلطة القضائية مستقلة، ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال، ويعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى وبذات الحرف جاءت المادة 131 من دستور 1973 : [السلطة القضائية مستقلة، ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال، يعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى.

أشارت المادة 1- 134 من دستور 2012 إلى أن: [القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون وجاءت المادة 133 – 1 من دستور 1973 بذات الحرف: [القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.

إلا أن هذه النصوص الدستورية الواضحة لا تمنع – ولم تمنع السلطة التنفيذية من إمكانية الهيمنة على السلطة القضائية وبشكلٍ مبررٍ “دستورياً” للأسباب التالية:

أولا : منحت المادة 133 – 1 من دستور 2012 رئيس الجمهورية رئاسة مجلس القضاء الأعلى:

يَرأس مجلس القضاء الأعلى رئيس الجمهورية، ويُبين القانون طريقة تشكيله واختصاصاته وقواعد سير العمل فيه.]، وهي ذات المادة 132 من دستور 1973 [ يرأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى، ويبين القانون طريقة تشكيله، واختصاصاته، وقواعد سير العمل فيه ماذا نستنتج من ذلك؟

بمقارنة المادة 1- 133 (دستور 2012) مع سابقتها 132 ، فإننا نجد:

– تطلب المادة 132 من الدستور، من رئيس الجمهورية (رئيس السلطة التنفيذية) احترام استقلال القضاء بمعاونة مجلس القضاء الأعلى، أما مجلس القضاء الأعلى فيرأسه حسب المادة 1- 133 رئيس الجمهورية، وأعضاؤه يحددهم القانون بحسب المادة.

أما القانون المقصود فهو (قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم 98 لعام 1961) والذي يحدد أعضاء مجلس القضاء الأعلى في مادته 65 المعدلة على الشكل التالي:

• رئيس الجمهورية، ينوب عنه وزير العدل رئيساً.
• رئيس محكمة النقض، عضواً.
• النائبان الأقدمان لرئيس محكمة النقض، عضواً.
• معاون الوزير، لوزارة العدل، عضواً.
• النائب العام، عضواً.
• رئيس إدارة التفتيش القضائي، عضواً

وإذاً، فهناك أربعة أعضاء، من أصل سبعة أعضاء في مجلس القضاء الأعلى، ينتمون إلى السلطة التنفيذية هم: وزير العدل ومعاونه والنائب العام ورئيس إدارة التفتيش القضائي في وزارة العدل، فوزير العدل ومعاونه ورئيس إدارة التفتيش القضائي في الوزارة هم موظفون رسميون، وفي الوقت نفسه هم أعضاء في السلطة التنفيذية بشكلٍ مباشر، أما النائب العام فيرأسه وزير العدل، وهو ملزم باتباع الأوامر الخطية الصادرة إليه من رؤسائه (المادة 56 من قانون تنظيم السلطة القضائية)، ذلك أن النيابة العامة هي مؤسسة قضائية يرأسها وزير العدل حسب المادة 137 من الدستور، والتي تنص على :[النيابة العامة مؤسسة قضائية واحدة يَرأسها وزير العدل، وينظم القانون وظيفتها واختصاصاتها] وقد أتت بنفس الرقم في دستور 1973 .

وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فإن السلطة التنفيذية تصبح هي فعلاً، المهيمن، والمتحكم في مجلس القضاء الأعلى، الذي عليه بالتعاون مع رئيس الجمهورية، ضمان استقلال السلطة القضائية حسب المادة 132 من دستور 2012 (المادة 131 من دستور 1973)، فكيف يكون ذلك؟!

للمقارنة، نذكر بطريقة تشكيل مجلس القضاء الأعلى في دستور 1950:

يؤلف مجلس القضاء الأعلى من سبعة أعضاء:

1. رئيس المحكمة العليا، رئيساً.
2. اثنين من أعضاء المحكمة العليا.
3. أربعة من قضاة محكمة التمييز الأعلى مرتبةً

ثانياً: خصّت المادة 141 من دستور 2012 رئيس الجمهورية (رئيس السلطة التنفيذية) بتأليف المحكمة الدستورية العليا – والتي أفرد لها هذا الدستور باباً مستقلاً: تؤلف المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء على الأقل، يكون أحدهم رئيساً، يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم، والفارق عن الوضع في دستور 1973 هو في عدد أعضاء المحكمة ، إذ نصت المادة 139 من دستور 1973 على : تؤلف المحكمة الدستورية العليا من خمسة أعضاء، يكون أحدهم رئيساً، يسميهم رئيس الجمهورية، بمرسوم، أي أن أعضاء المحكمة في كلا الدستورين يتم تعيينهم بمرسوم من رئيس الجمهورية، بما يجعلهم موضوعياً في موقع التبعية إزاء السلطة التنفيذية، التي لها حق إقالتهم وتعيينهم.

إضافةً لذلك، فإن عمل هذه المحكمة الدستورية العليا، يقتصر على البت في دستورية القوانين، وفق الآليات التالية:

1. اعتراض رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس الشعب على دستورية قانون قبل إصداره (ربع أعضاء مجلس الشعب في دستور 1973).
2. اعتراض خمس أعضاء مجلس الشعب على دستورية مرسوم تشريعي بعد إصداره (ربع أعضاء مجلس الشعب في دستور 1973).

لكن، وفي كافة الأحوال: لا يحق للمحكمة الدستورية العليا، أن تنظر في القوانين التي يطرحها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي، وتنال موافقة الشعب .

أي أن مهمة المحكمة الدستورية تنحصر في النظر، في دستورية القوانين، أو مشروعاتها، أو المراسيم الاشتراعية المحالة لها عن طريق رئيس الجمهورية أو مجلس الشعب، وهي لا تملك إمكانية النظر ابتداءً في مدى دستورية قانون ما، بناءً على طلب قضائي أو شخصي أو من تلقاء نفسها.

– للمقارنة، نذكر أن دستور 1950 كان يعطي المحكمة العليا الحق في النظر في المراسيم والقرارات التي يتقدم بالشكوى من يتضرر منها: تنظر المحكمة العليا، وتبت بصورة مبرمة في الأمور الآتية: ه: طلب إبطال الأعمال والقرارات الإدارية والمراسيم المخالفة للدستور أو للقانون أو للمراسيم التنظيمية، إذا تقدم بالشكوى من يتضرر منها ,إن المحكمة الدستورية العليا، وفق آليات عملها، سواءً، في عدم إمكانها البحث في دستورية القوانين إلا يطلب من السلطة التنفيذية، أو بعدد محدد من مجلس الشعب، أو في عدم إمكانها بحث هذه الدستورية في القوانين المطروحة على الاستفتاء الشعبي، حتى لو طلبت ذلك منها السلطة التشريعية ذلك، إضافةً لطريقة تشكيلها، بمرسوم، من قبل رئيس الجمهورية، كل ذلك يؤدي بها إلى شكل من أشكال التبعية للسلطة التنفيذية، وللدوران في فلكها.

للمقارنة: نذكر بطريقة تشكيل المحكمة الدستورية العليا، في عهود متباينة:

1. في دستور الملك فيصل 1920 : تألفت المحكمة من ستة عشر عضواً، نصفهم من الشيوخ ونصفهم من رؤساء محاكم التمييز، يتم اختيارهم من هيئاتهم بالقرعة.
2. في دستور 1950 : تتألف المحكمة العليا من سبعة أعضاء ينتخبهم مجلس النواب، لمدة خمس سنوات، من قائمة يقترحها رئيس الجمهورية، وتضم أربعة عشر اسماً، وينتخب السبعة من بينهم، رئيساً للمحكمة العليا.

ثالثاً: أعطت المادة 2- 124 من الدستور الحالي، لرئيس الجمهورية، (رئيس السلطة التنفيذية) حق إحالة الوزراء إلى المحاكمة، عما يرتكبونه من جرائم، أثناء توليهم مهامهم، أو بسببها. (المادة 123 من دستور 1973)، ويتضمن هذا الحق الممنوح لرئيس السلطة التنفيذية، تعدياً مباشراً، على اختصاصات السلطة القضائية، التي يفترض أنها تمتلك الحق الحصري بإحالة المتهمين أو المشتبه بهم إلى المحاكم…!

رابعاً: على الرغم من أن الدستور الحالي، قد أعطى من خلال مواده الكثير من الضمانات للسلطة التنفيذية في معرض تدخلها في نطاق عمل كلٍّ من السلطتين التشريعية والقضائية، إضافةً لمنحها “الأغطية الدستورية” اللازمة للهيمنة على قراراتها وتوجهاتها.

ومع ذلك فإنه أبى، إلا أن يُحصِّن هذه السلطة من احتمالات خرقها للدستور نفسه الذي أعطاها تلك الضمانات والأغطية، فقد أعفى الدستور الحالي رئيس الجمهورية (رئيس وممثل السلطة التنفيذية) من المساءلة في حالة خرق الدستور، فحسب المادة 117 : رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى، ويكون طلب اتهامه بقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية، وذلك بناء على اقتراح ثلث أعضاء المجلس على الأقل وتجري محاكمته أمام المحكمة الدستورية ، وفي ذلك تشديد للشروط الواردة في المادة 91 من دستور 1973 : لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولاً عن الأعمال التي يقوم بها، في مباشرة مهامه، إلا في حالة الخيانة العظمى، ويكون طلب اتهامه بناءً على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل.

للمقارنة: فإن دستور 1950 قد نصّ في المادة 86 على أن:

1. رئيس الجمهورية مسؤول في حالتي خرق الدستور والخيانة العظمى.
2. وهو مسؤول عن الجرائم العادية.
3. لا يحاكم رئيس الجمهورية إلا أمام المحكمة العليا.
4. لا يجوز البحث في إحالة رئيس الجمهورية إلى المحكمة العليا، إلا إذا تقدم ربع أعضاء مجلس النواب بطلب خطي معلل.

الخلاصة : مما سبق نرى أن دستوري 1973 و 2012 قد أعطيا السلطة التنفيذية إمكانية الهيمنة على السلطة القضائية، وإلحاقها بها بشكلٍ أو بآخر، وجعلا من المبدأ الدستوري القائل بفصل السلطات، والذي ناضلت البشرية، قروناً طويلة لإقراره، مجرد مبدأ نظري، تعامل معه الدستوران، من حيث إفراد فصل خاص بكلٍّ من السلطات الثلاث، وكأنهما يقرّانه، لكنهما في المتن، سمحا للسلطة التنفيذية بتجاوزه، والالتفات عليه: تدخّلاً في التشريع وتحكّماً في القضاء.

المصدر: العدد العاشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق