الاتحاد

مفاعيل حرب أهلية جديدة في لبنان: تفكيك «الطائف» أم تفكيك الطائفية؟

حسام أبو حامدمفاعيل حرب أهلية جديدة في لبنان: تفكيك «الطائف» أم تفكيك الطائفية؟

حسام أبو حامد

فعليا بدأت الحرب الأهلية اللبنانية في 13 أبريل/نيسان 1975 ، بعد حادث إطلاق النار على حرس رئيس حزب الكتائب، بيار الجميل، في عين الرمانة، شرقي بيروت، تلاه حادثة إطلاق نارٍ على باص يقلّ فلسطينيين، في المنطقة عينها. وقبل الإعلان عن انتهائها رسميا في 30 أبريل/نيسان 1991 ، انتهت الحرب فعلياً في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1990 ، بعد اجتياح الجيش السوري قصر بعبدا الرئاسي، الذي تحصّن فيه رئيس الحكومة الانتقالية، قائد الجيش اللبناني في حينه، الرئيس اللبناني حالياً ميشال عون، الذي لجأ إلى السفارة الفرنسية.

في أواخر يونيو/ حزيران الماضي، تعرّض موكب صالح الغريب، وزير الدولة اللبناني لشؤون النازحين، المقرّب من الزعيم الدرزي المؤيد لسوريا طلال أرسلان، لإطلاق نار قرب عاليه، الموالية للزعيم الدرزي المناهض لدمشق وليد جنبلاط. رأى الغريب في الحادث “كمينا مسلحاً ومحاولة اغتيال واضحة”، ونفى الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتزعمه جنبلاط أي صلة له بالحادث، الذي جاء على خلفية احتجاجات درزية على زيارة وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، ليغلق مُحتجون عدداً من الطرق المؤدية إلى بلدة كفر متى، التي كان من المفترض أن يزورها باسيل، قبل أن يقرر عدم إكمال جولته نتيجة التوتر الحاصل.

بدت الحادثة الأخيرة في عاليه شرارة لحرب أهلية جديدة، فهل تتوفر مفاعيلها، وأين تكمن؟

تفكيك الطائف
أهمل “اتفاق الطائف” العام 1989 ، الواقع الديمغرافي العددي للمواطنين المسلمين والمسيحيين، واعتمد المناصفة التامة، وتوزيع النسب المذهبية في كلا النصفين، بما لا يُكّن أياً من المذاهب في لبنان من امتلاك الثلث منفرداً، ليبقى الجميع بحاجة إلى توافق دائم، تحت مسمى “الديموقراطية التوافقية”. كرّس الاتفاق عملياً المحاصصة الطائفية والمذهبية التمثيلية للجماعات والطوائف، في إطار نظام يقوم على تقاسم المناصب الإدارية، لكن الاتفاق لم ينفذ بكل بنوده، وبدأ بالتفكك تحت وطأة مصالح الفرقاء اللبنانيين المتناقضة، والتدخل الخارجي.

يتهم البعض الوصاية السورية على لبنان بتسليم السلطة لميليشيات ما قبل اتفاق “الطائف”، عبر إجراء انتخابات سابقة لموعدها في عام 1992 بدلاً من 1994 ، ليتخذ انتخاب السلطة شكل التعيين بدلاً من الانتخاب، ويُولّ التمثيل السياسي الشيعي رعاية خاصة بما يضمن ولاءً سياسياً كاملاً.

كما فرضت هذه الوصاية على المجلس النيابي نائبين من الطائفة العلوية، فنفّذت الطائف تبعا لمصالحها لا وفق المصالح اللبنانية. أما “الترويكا” التي فرضتها فعملت على التداخل بين السلطات، وثمة من لايزال يعتقد أن تداعيات هذه الوصاية السياسة لاتزال مستمرة حتى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان العام 2005 .

عطّل الصراع الطائفي والمصالح الميليشياوية القوانين التطبيقية التي تضمنها “الطائف”، الخاصة بالإصلاحات السياسية والدستورية، لاسيما الكفيلة بإلغاء الطائفية السياسية، وانتخاب أول مجلس نيابي على أساس وطني، لإنشاء مجلس شيوخ يمثل العائلات الروحية اللبنانية. فقد اختزل النسق الفعلي لتطبيق هذا الاتفاق مؤسسات السلطة السياسية عموماً بحفنة من زعماء الطوائف، جرى تكريسهم عبر سياسة الأمر الواقع، ورأس المال التابع لجهات إقليمية ودولية مؤثرة، ليعاد إنتاج هذه الزعامات على مدى حوالي ثلاثة عقود عبر قوانين انتخابية طائفية، استندت الى مبدأ التمثيل الأكثري، وتقسيمات إدارية متغيرة وأحيانا مرتجلة، بخلاف ما وعد به “الطائف” من توجّه نحو اعتماد مبدأ التمثيل النسبي خارج القيد الطائفي (ولو على مراحل).

ساهم هذا المسار عمليا في تفكيك آليات الانتقال الطبيعي للحكم، وفي تكريس ممارسات غير دستورية، وغير قانونية، لجهة التجديد والتمديد المتكرر للسلطات العامة القائمة، تبعاً لذلك، تعاظمت التجاذبات الطائفية داخل النظام السياسي، وفي معظم مناحي الحياة العامة، واستقرت في أشكال وعي الجماعات اللبنانية المختلفة، وتمثّلها للبنى الطائفية في البلاد، لتتأثر ببحر الانقسامات الأشد عمقًا وشمولاً التي انتشرت في العالم العربي والإسلامي، والتي تَجهد قوى إقليمية ودولية متنوعة لاستخدامها وتكريسها كأداة فعّالة في إعادة تقسيم هذا الجزء من العالم، وتقاسمه على أسس جيوسياسية مستجدة.

لبنان اليوم لا يمتلك في ظل تفكك اتفاق الطائف، ما يكفي من وسائل للاندماج الاجتماعي، ولا القدرة على تحقيق التوازن بين الهوية الوطنية اللبنانية وبين الخصوصيات الدينية والثقافية والمذهبية والسياسية، فبدا أنه على شفير حرب أهلية في ظل تصاعد حدّة الخلافات الطائفية والمذهبية في الآونة الأخيرة، لا سيما الخلاف السُنّي – الشيعي الذي ظَهَر جلياً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والانسحاب السوري، ثم عادت وتصاعدت حدّته أكثر مع اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام 2011 ، ومن خلفه الاستقطاب السياسي المذهبي المتعاظم بين الرياض وطهران.

الحرب الأهلية السورية
رغم إعلان لبنان الرسمي انحيازه لسياسة النأي بالنفس عن الصراع في سوريا، انتقل هذا الصراع إلى لبنان، فعكست جنازة رجل الدين المناهض للأسد، الشيخ أحمد عبد الواحد، وحارسه، برصاص الجيش اللبناني عند نقطة تفتيش عسكرية في شمال لبنان، في 20 مايو/أيار 2012 ، تأثير الصراع السوري على الوضع الداخلي اللبناني، ومدى تشابك المشاعر السياسية بين الناس في البلدين، فاختفى العلم اللبناني، وحمل الساخطون على النظام السوري الأعلام التي يرفعها مناهضوه. بعد وفاة عبد الواحد شهد لبنان العديد من المعارك السياسية والمسلحة بين الفصائل المؤيدة والمناهضة للنظام السوري، تدخّل في بعضها الجيش اللبناني، وأسفرت عن مقتل العديد من اللبنانيين (على سبيل المثال: الاشتباك المسلح السني-السني بين أنصار المستقبل، وأنصار التيار العربي العام 2012 ، والهجوم الذي شنّه الجيش اللبناني وحزب الله على أنصار الشيخ الأسير في صيدا العام 2013).

على الرغم من سنوات الاستفزاز، تم إخضاع السنة للرقابة إلى حد كبير من قبل تيار المستقبل المعتدل، لكن مع اندلاع الحرب السورية، بدأ الوضع يخرج عن السيطرة، وبدا الكثير من أنصارها راغبين في الرد بقوة على ما يرونه تهديدا سوريا لاستقلالهم، ورغم أن رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري قام بتسليح لبنانيين للانضمام إلى القتال في سوريا ضد نظام الأسد، فإن سنة لبنان بدأوا يبحثون عن قيادات أخرى، يعتقدون أنها قادرة على حمايتهم والدفاع عنهم.

كان رد حزب الله بإرسال مقاتليه الشيعة على الجبهة لمساعدة نظام دمشق، وبحلول عام 2012 ، عبر مقاتلو حزب الله الحدود من لبنان، وتمكنوا من السيطرة على أكثر من ثماني قرى في منطقة القصير في سوريا. في 17 – 16 فبراير 2013 ؛ أكّدت مختلف مجموعات المعارضة السورية أن حزب الله قد ساندَ الجيش السوري في هجومه الأخير على ثلاث قرى سنية كانت خاضعةً لسيطرة الجيش السوري الحر. انقسم المسيحيون أيضا حول الموقف من الصراع في سوريا، الموقف المؤيد لسوريا الذي سلكه البطريرك الماروني أزعج كثير من المسيحيين، لكن حتى المعادين للأسد منهم تخوفوا من أسلمة الربيع السوري، ورأوا في التزام الرئيس ميشيل عون الكامل بالأسد، وتحالفه مع حزب الله، إنقاذاً لوجودهم في المنطقة، ومن الإسلاميين السنة.

المناهضون لحزب الله، يعتبرون الدولة اللبنانية مسؤولة يعجزها عن منع تدخل الحزب في النزاع السوري، وتدعيم بنائه دولة داخل الدولة، وعرقلته للحياة السياسية في لبنان.

كانت السعودية من أشد المعارضين لنفوذ حزب الله السياسي والعسكري في لبنان، وبعد عامين من الجمود السياسي في البلاد، شكلت حكومة الحريري جزءًا من تسوية شهدت انتخاب الجنرال ميشال عون، المدعوم من حزب الله، رئيسًا للبلاد، لكن في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 ، أعلن سعد الحريري استقالته المفاجئة على قناة العربية، متحدثًا من الرياض بدلاً من بيروت، في خطوة بدت، تارة، سياسية محسوبة هدفت إلى تعزيز مكانته في نظر دائرته الانتخابية، بعد السخط السني على تحالفه مع حزب الله، وتارة على أنها حالة اختطاف لرئيس الوزراء، وجزء من الصراع المستمر بين إيران والسعودية على النفوذ في لبنان. حسمت السعودية رغم تراجع الحريري عن الاستقالة موقفها من حزب الله بأنه لا يوجد مجال ل “منظمة إرهابية” في الحكومة اللبنانية، وأنه ليس من شرعية “سنية” لأي حكومة تضم وزراء حزب الله في المستقبل. في فبراير/شباط الماضي رضخ الحريري أخيراً لإرادة حزب الله، الذي أفرج عن الحكومة اللبنانية بعد تلقيه ضوءً أخضر من إيران، التي حصلت على آلية أوروبية تسمح لها بالتبادل التجاري مع دول القارة، وتجاوز العقوبات الأمريكية.

كان دور المملكة العربية السعودية هو نصف القصة فقط. والنصف الآخر هو النفوذ الإيراني المتزايد في لبنان، ووجود حزب مسلّح يتعهد علانية بالولاء للزعيم الأعلى للجمهورية الإسلامية. تعاظم العنف المتبادل، والتجاذبات الطائفية داخل النظام السياسي، وفي معظم مناحي الحياة العامة، وانعكست في أشكال وعي الجماعات اللبنانية المختلفة، وتمثّلها للبنى الطائفية في البلاد، وأصبح لبنان في الفترة الأخيرة أشد تأثّراً بالانقسامات العميقة والشاملة التي انتشرت في العالم العربي والاسلامي، والتي تجهد قوى إقليمية ودولية متنوعة لاستخدامها وتكريسها كأداة فعّالة في إعادة تقسيم هذا الجزء من العالم، وتقاسمه على أسس جيوسياسية مستجدة.

من السياسة إلى الاقتصاد
توافقت الزعامات الطائفية على نوع من “تقسيم عمل” ضمني، أجيز بموجبه للبعض أن يقتطع حصة أكبر نسبياً في إدارة أجهزة الأمن والسياسة الخارجية والجزء البيروقراطي والمتقادم من الإدارة العامة، في مقابل تحكم أكبر للبعض الآخر في ملفات السياسات الإعمارية والاقتصادية والنقدية والمالية، وفي إدارة الملفات مع المنظمات الدولية والدول المانحة المعنية بتلك الملفات. وتجسدت معالم الفشل الاقتصادي في ضمور مقوّمات الاقتصاد الحقيقي، مع تعاظم دور الاستهلاك، لاسيما المرتكز على الاستيراد محدّدا للنمو الاقتصادي، وكذلك من جرّاء تضخم الاستثمارات العقارية والمضاربات على الأراضي، والخدمات الطفيلية القليلة الإنتاجية، وغيرها من الأنشطة البسيطة والمرتجلة.

وبالتعارض الصريح مع ما أكّده اتفاق الطائف من وجوب إقرار مشروع اللامركزية الإدارية، حدث تفاوت في النمو بين المناطق، انسحب خللا موازياً في العلاقة بين السلطة العامة المركزية والسلطات المحلية. أدى إلى تنامي ظاهرة التهميش والإقصاء الاجتماعي في المناطق الطرفية، ولا سيما في محافظتي الشمال والبقاع، اللتين تسجلان أدنى معدلات نمو وأعلى معدلات فقر غير مسبوقة، مع انشغال الطبقة السياسية بمصالحها الزبائنية الخاصة، وبتنافسها البائس على اقتطاع ما يمكن اقتطاعه من الإنفاق العام الجاري وغير المنتج، كأداة للاستمرار في استقطاب “جمهورها الطائفي”، عبر فتات السياسات التوزيعية البسيطة.

في المحصلة العامة، انطوى تطبيق اتفاق الطائف على ارتفاع قياسي في كلفة الطبقة السياسية، بالترافق مع انخفاض قياسي في حجم الخدمة العامة، التي كان يفترض أن تقدمها هذه الطبقة لعموم المواطنين. ولا شك أن الاقتصاد اللبناني يعاني جراء موجات الهجرة السورية إلى أراضيه، لكن اقتصاده الهش، وفشل ال “لا دولة” اللبنانية في إدارة البلاد، هو ما جعل موجات الهجرة أزمة لبنانية، وليس العكس، لاسيما في ظل الحسابات المذهبية والطائفية التي تجتاح لبنان، وهو ما أضاف إلى انقسامات اللبنانيين انقساماً جديداً حول الموقف من اللاجئين السوريين.

خلاصة:
لبنان اليوم على وشك أن يصبح “دولة فاشلة” سياسياً واقتصادياً، ولا يبدو أن هناك حلولاً اجتماعية اقتصادية، من دون إصلاح للهيكل السياسي. السياسيون اللبنانيون الذين هم امتداد للنظام السياسي الذي أسهم في الحرب الأهلية، يحافظون على علاقة طفيلية وتكافلية بين السياسة والاقتصاد، ما يبقيهما معاً عرضة للفساد وسياسة الهوية والتلاعب الخارجي شبه الثابت. ورغم من الإصلاحات الانتخابية التي تمثلت في إدخال عناصر التمثيل النسبي، لا توجد حالياً إرادة سياسية بين النخبة السياسية لإجراء إصلاحات أوسع نطاقاً، خشية من إيقاظ التوترات من حرب أهلية يراها اللبنانيون قريبة ومدفونة تحت السطح.

أكثر من نصف الصادرات اللبنانية تذهب إلى اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية وجهتها الأولى)، اما الاستهلاك الخاص والطلب المحلي مدفوعين بشكل رئيسي بالتحويلات المالية، خصوصاً من الخليج. الاعتماد على الخليج يجعل لبنان عرضة ليس فقط للدورات الاقتصادية من الازدهار والكساد، ولكن أيضا للمنافسات الجيوسياسية في المنطقة، وما يزيد الأمر تعقيداً أن تمرير أي قرار سياسي بات يعتمد فعلياً على موافقة حزب الله، الذي لديه وحلفاؤه، حق النقض الفعلي على قرارات مجلس الوزراء، ما يجعل علاقة لبنان مع الخارج متقلبة، وتفتح الباب أمام مزيد من الضغوط، فمثلا علقت المملكة العربية السعودية حزمة مساعدات بقيمة 3 مليارات دولار في عام 2016 احتجاجاً على صعود الحزب.

مع تفكيك “الطائف” بدل تفكيك الطائفة، هناك دائما مفاعيل حرب أهلية لبنانية تجد تبريرها أولاً في التركيبة الطائفية اللبنانية، وإفرازاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

التجاذبات الطائفية المسؤولة عن هشاشة لبنان من الداخل تستدعي تدخلاً خارجياً لحماية ومساندة الطوائف، وإن كان هذا التدخل الخارجي قد عمل على تثبيت الطوائف، والتوازنات الطائفية، فإنه لم يضمن مصالح اللبنانيين، وحقهم في العيش المشترك والتعايش في دولة مدنية، ليبقى لبنان قنبلة حرب أهلية موقوتة جاهزة للانفجار، يبدو أن لإسرائيل مصلحة في استثمارها، لتحسين شروط تدخل لها في لبنان، ينهي النفوذ الإيراني في لبنان، بعد سوريا، لاسيما في ظل التهديد الأمريكي بعقوبات على لبنان، إذا ما استمر طغيان نفوذ حزب الله على السياسة اللبنانية.

المراجع

  1. كمال حمدان، اتفاق الطائف والمسار المأزوم للاقتصاد اللبناني، صحيفة النهار، 27 كانون الأول 2014 .
  2. SUNE HAUGBOLLE, Lebanon Is Facing an Economic and Environmental Disaster, Foreign Policy 20/02/2019
  3. Farid Aichoune, Is Lebanon On The Verge Of A New Civil War?, worldcrunch 22/11/2013
  4. Omar Katerji, Is Lebanon on the Brink of Civil War?, Vice 25/05/2012

المصدر: العدد العاشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق