الاتحاد

هيئة تحرير الشام: آلية احتكار التمثيل الجهادي في الساحة السورية

محمد حلاق الجرفهيئة تحرير الشام: آلية احتكار التمثيل الجهادي في الساحة السورية

محمّد حلاّق الجرف

مقدّمة

يعتمد الباحثون ثلاثة تصنيفات للحركات السلفية في الدراسات الأكاديمية، وهي السلفية العلمية التي تهتم بالدعوة فقط، والسلفية الحركية التي تعتمد على العمل السياسي، والسلفية الجهادية التي تقوم على العمل المسلّح. وفيما تقول السلفية العلمية بمفهوم مدني للحكم، فإنّ السلفية الحركية تستند إلى آليات الحكم المدنية للوصول إلى “التمكين”، وبالتالي إلى إقامة مفهوم إسلامي للحكم “خلافة، دولة إسلامية، إمارة. الخ”. السلفيتان السابقتان، العلمية والحركية، اعتبرتا أنّ للثوار (المجاهدين) سلطة مؤقتة طارئة في الشأن السوري، ذات صلاحيات محدودة تفسح للسياسيين اللعب بشكل مستقل عن العسكر، والسلفية الحركية خصوصاً، ترى أنّ المجتمع هو المجال الأساسي لنشاطها، ويعتمد منهج العمل لديها على العمل والتوعية، وللسلفية الحركية موقف متحفّظ من التنظيم السياسي نتيجة الخوف من الحزبية، ولا تملك السلفية الحركية طريقة واضحة للوصول إلى الحكم. بينما تعتبر السلفية الجهادية أنّ التنظيم العسكري هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق هدفها في الوصول للحكم، لذا تُشكّل السيطرة على الدولة أولوية مطلقة بالنسبة لها.

بالنسبة إلى “هيئة تحرير الشام”، موضوع هذه الورقة، فإنه من المهم التأكيد على أنها ليست وليدة اللحظة السياسية في سوريا، وإنما خضعت لمراحل تطور نتيجة لتفاعل السياق المحلي والدولي، إضافةً إلى علاقات التفاعل والتنافس القائمة ضمن الوسط الجهادي، وتستند أيديولوجيا “هيئة تحرير الشّام” إلى مصادر سلفية جهادية متنوعة، غير أنها تفتقر إلى التجانس والتماسك نظراً إلى حداثة نشأتها عقب انطلاق الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، وإعلان تأسيسها باسم “جبهة النصرة” في يناير/ كانون الثاني 2012. والتي تكونت من خليط هجين من المقاتلين بدعم وإسناد الفرع العراقي، وبالتالي فإن السلطة العلمية المرجعية لـ “هيئة تحرير الشّام” تستند أساساً إلى السلفية الحركية التي نشأت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وتتبع المدرسة الجهادية التي وضع أصولها النظرية سيد قطب، وأخذ بها أيمن الظواهري زعيم جماعة “الجهاد المصرية” و”القاعدة” لاحقاً، وتبنّاها مروان حديد، مؤسس جماعة “الطليعة المقاتلة” في سوريا، وبلور أطروحاتها عبد الله عزام، الأب الرّوحي للأفغان العرب في أفغانستان، وطوّر مستنداتها أبو مصعب السّوري في الشتات..

إذاً، ثمة روافد متعددة لأيديولوجيا الهيئة، ويعود خيطها الرّئيس إلى فكر السلفية الجهادية العام، وما مرّ به من تحولات، وصولاً إلى ما استقرت عليه مراجعات القاعدة المركزية، والتي كشفت عنها وثائق حصل عليها الأميركيون في مخبأ أسامة بن لادن لحظة مقتله، ونُشرت لاحقاً.

تحولات هيئة تحرير الشّام

تُعتبر “هيئة تحرير الشام” نتاجاً للتحوّل التنظيمي للسلفية الجهادية العابرة للحدود، والتي مثّلها تنظيم “القاعدة”، في البيئة المحلية السورية، وذلك بتفاعلها مع العناصر التالية: العلاقة المعقدة مع المجتمع الدولي، والتجربة الجهادية في العراق، والعلاقة مع “القاعدة”، وعلاقات التنافس الجهادية على البيئة الحاضنة.

بالعموم، لا يمكن الركون إلى التفسير القائل بأنّ تمظهر “جبهة النصرة” على شكل “هيئة تحرير الشّام” قد كان نتيجة لمراجعات فكرية عميقة وحقيقية قام بها قادتها، بقدر ما عبّرت عن الاستجابة الاضطرارية لحالة الضغط والاستحقاق الإقليمي والدّولي التي تعرضّت لها عقب خسارة “غزوة” حلب وانطلاق مسار الأستانة، وأيضاً كان هذا التمظهر فرصة للجبهة لفرض احتكارها للتمثيل الجهادي السّوري أمام “حركة أحرار الشّام” منافسها الأهم على البيئة المحلية، خصوصاً وأنّ العديد من قيادات “الأحرار”، وعلى رأسهم أبو جابر الشيخ، القائد العام لـ “أحرار الشّام”، قد انضموا للتنظيم الوليد.

يمكن تقسيم تحولات “هيئة تحرير الشّام” إلى المراحل التالية: المرحلة الأولى إعلان جبهة النصرة لأهل الشّام “(بين يناير/ كانون الثّاني 2012 ويوليو/ تمّوز )2016، وهذا الإعلان أتى نتيجة ولوج الفرع العراقي لـ “لقاعدة” إلى الساحة الجهادية السّورية. وقد حرص القائد العام لـ “جبهة النصرة” أبو محمد الجولاني على تجنّب أخطاء العراق، والالتزام بالمنهج الجديد لـ “القاعدة” القائم على الاندماج بالبيئة المحلية، من دون الإعلان عن التبعية المباشرة للتنظيم المركزي. وفي هذه المرحلة تم تصنيف الجبهة على لائحة الإرهاب الأمريكي في يناير/ كانون الثاني 2012، والأممي في مايو/ أيار 2013، كما عاشت صراعاً مع تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق”، على خلفية إعلان أبي بكر البغدادي “الدولة الإسلامية في العراق والشّام” والتي عُرفت لاحقاً بـ “داعش” في أبريل/ نيسان 2013، الأمر الذي دفعها إلى إعلان بيعتها لـ “القاعدة”، وهو ما أثار ردود فعل سلبية من قيادات التنظيم، علاوة على امتعاض السوريين.

المرحلة الثانية لتحول “هيئة تحرير الشام” كان إعلان “جبهة فتح الشّام” في يوليو/ تمّوز 2016 والتي استمرت لغاية يناير/ كانون الثاني 2017، في هذه المرحلة أعلن الجولاني عن فك ارتباطه مع “القاعدة”، مبرّراً الأمر برغبة أهل الشّام في دفع ذرائع المجتمع الدولي حمايةً لـ “الجهاد الشّامي”. وفي حين كان الإعلان عن “جبهة النصرة” في أحد وجوهه هو نتيجة للصراع مع “داعش”، فإنّ الإعلان عن “فتح الشّام” كان نتاج لعلاقات التنافس مع “أحرار الشّام” في مسعى لاحتكار “الجهاد السّوري”، ممّا يؤكد على أنّ عامل الصراع والتنافس بين الحركات الجهادية هو من أهم العوامل لتحولات الحركات الإسلامية في سوريا.

في 28 يناير/ كانون الثاني 2017، وعلى إثر انتكاسة حلب وانطلاق مسار الأستانة، أعلن أبو محمد الجولاني عن تشكيل تنظيم جديد قائم على التحالف مع فصائل أخرى باسم “هيئة تحرير الشّام” والتي ضمّت “جبهة أنصار الدين” ولاحقاً “جيش لواء السنة”، و”حركة نور الدين الزنكي”، لكن كل المعطيات تشير إلى أن عصب هذا التشكيل الجديد هم قادة وعناصر “جبهة النصرة”.

لم يتخلَّ الجولاني عند انفكاكه عن “تنظيم القاعدة” عن المرجعية السلفية الجهادية، بل تمّ التأكيد عليها في الأهداف الخمسة التي أعلن تبنيها في تشكيل “فتح الشام”، وهي:

  • العمل على إقامة دين الله وتحقيق العدل بين الناس.
  • التوحّد مع الفصائل المعارضة لرصّ صفوف المجاهدين ولتحرير أرض الشام والقضاء على النظام وأعوانه.
  • حماية الجهاد الإسلامي والاستمرار فيه واعتماد كافة الوسائل الشرعية المعينة على ذلك.
  • السعي لخدمة المسلمين والوقوف على شؤونهم وتخفيف معاناتهم.
  • تحقيق الأمن والاستقرار والحياة الكريمة لعامة الناس.
  • اعتبرت خطوة الجولاني للانفكاك عن “القاعدة” محاولة سياسية وقانونية وإعلامية، ذات طابع براغماتي محض، للهروب من التصنيف الأممي لـ “جبهة النصرة” بوصفها منظمة إرهابية.

من الناحية العملية، لم تلقَ “جبهة النصرة”، لغاية الآن، مصير تنظيم “داعش”، حيث افترق التنظيمان عملياً منذ أبريل/ نيسان 2013، حين رفض الجولاني تصريحات أبو بكر البغدادي عن اندماج “النصرة” في “داعش”، وأعلن مبايعته لتنظيم “القاعدة”.

ثمة عناصر أساسية لعبت دوراً حاسماً في بقاء “جبهة النصرة”، وعدم تفككها، أو تعرضها لمصير “داعش”، وفي مقدمتها بنية كل منهما، حيث أصرّت “النصرة” على البقاء كتنظيم محلي، بشكل رئيس، وعدم الاهتمام بالتمدّد خارج الحدود، والاعتماد بشكل أكبر على العناصر المحليين، وعدم القيام بعمليات إرهابية في أوروبا، أو غيرها.

سنحاول في هذه الورقة المكثفة تناول ثلاثة محاور، وهي بنية “هيئة تحرير الشام”، ودورها في الصراع السوري، والسيناريوهات المحتملة التي تواجهها.

خصائص التركيبة البنيوية

تعتمد “هيئة تحرير الشام” على بنية مستقاة من التركيبة الأساسية ل “جبهة النصرة” سابقاً، مع الأخذ بالحسبان دور الفصائل الأخرى التي تتشارك معها في القيادة والعمل، خصوصاً أن بعض الحركات الأخرى كانت قد انضمت إلى “الهيئة” كمحصلة طبيعية لتوازنات القوى، وخوفاً من خوض حرب خاسرة. فحركة “نور الدين الزنكي” مثلاً، المحسوبة من الأصل على تشكيلات “الجيش الحر”، وتضم عناصر قيادية ليبرالية، شهدت نهايتها التنظيمية، بعد انضمامها إلى “هيئة تحرير الشام”، وانفكاكها عنها لاحقاً، وانسحاب مقاتليها إلى قراهم، من دون القيام بأي عمل عسكري وازن.

بحسب مصادر عديدة فإن “هيئة تحرير الشام”، تضم في صفوفها حوالي 25 ألف منتسب بين مقاتل، وقيادي، وشرعي. وتبلغ نسبة الأجانب نحو 20% (وهم بشكل رئيس من الأردن، والسعودية، وتونس، ومصر، وبعض دول جنوب آسيا)، أما باقي العناصر فهم سوريون، تمّ تجنيدهم خلال فترة الصراع من مناطق عديدة.

اعتمدت “هيئة تحرير الشّام” استراتيجية للسيطرة على الحكم في مناطق نفوذها، والتي تُشكّل محافظة إدلب مركز ثقلها، على ثلاثة مراحل: تبدأ بالتعشيش لخلق بيئة القبول، ومن ثمّ البناء وتوسيع السياق، وأخيراً الهيمنة. ويعتمد النظام المحلي لـ “الهيئة” على ثلاثة أدوات تتجسّد في هياكل تنظيمية هي: الإدارة العامة للخدمات لتوفير الخدمات الاجتماعية، والجناح العسكري والأمني لتنفيذ سياسة الإكراه، ومكتب الدّعوة والإرشاد (إضافةً إلى دُور القضاء) لنشر الأيديولوجيا. وهي ارتكزت في تنفيذ استراتيجيتها هذه على بنية مؤسّسية مشابهة تماماً لما هو معتمد لدى الحكومة السّورية التابعة للنّظام (بينما، وللمقارنة، فقد اعتمد جيش الإسلام على بنية مؤسّسية وآلية مشابهة لحزب الله اللبناني، وهو ما يؤكّد اطلاع القيادات الجهادية على تجارب الحكم القائمة، واستفادتها منها). وأداتها في ذلك كان احتواء المجالس المحلية، التي مثّلت فرصةً لتمرير استراتيجية الهيئة، إلاّ أنّها أيضاً مثّلت تهديداً لها فيما لو كانت مستقلة.

بلغ عدد المجالس المحلية في المناطق الخارجة عن سيطرة النّظام السّوري ذروته في العام 2014 بـ 950 مجلساً محلياً، بينما يُقدّر العدد حالياً بـ 320 مجلساً فقط، بينها 156 في محافظة إدلب، و81 مجلساً محلياً في مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشّام”، تتوزّع حسب التقسيمات الإدارية التّالية: 14% مجلس مدينة، و39% مجلس بلدة، و47% مجلس بلدية، إضافة إلى تواجد 43 مجلس قرية. وتتبنّى “الهيئة” مقاربة مصلحية تجاه المجالس المحلية تتنوّع أنماطها بين التّعاون المصلحي، والاحتواء، والاختراق، والإقصاء. وهي عملت على تحقيق التمكين المهيء لإقامة الحكم الإسلامي بشكل تدريجي عن طريق إيلاء السكّان المحليين الأهمية، باعتبارهم الفاعل الرّئيس الذي يمتلك القدرة على رفع مشروع “الهيئة” أو إجهاضه.

تُركّز “هيئة تحرير الشّام” على الخدمات الأكثر حيوية للسكّان، والتي من خلالها تستطيع التأثير والتحكم بالمجالس المحلية، كالمياه والكهرباء. كما تعمل الهيئة على شغر المناصب الخدمية بعناصر سورية، يغلب عليها طابع المحلية (النموذج المحلي البريطاني) بما يمكنّها من نسج علاقات إيجابية مع السكّان المحليين. وهي تستحصل بالمقابل ضرائباً مقابل خدماتها، وهذا يُشكّل مصدراً هاماً لتمويل تلك الخدمات، إضافةً إلى الرسوم التي تفرضها على حركة المرور التجاري خلال المعابر التي خاضت حروباً شرسة مع باقي الفصائل من أجل السيطرة عليها، وكذلك هناك نسب مالية معينة تستحصل عليها الهيئة مقابل السماح وتأمين الحماية لمنظمات العمل المدني العاملة في مناطقها، علاوةً على الموارد المتأتية من استثمار الأملاك العامة.

مكانة “هيئة تحرير الشّام” في ساحة الجهاد السّورية

بعد فشل تجربة “الجهاد العراقي” قام تنظيم القاعدة المركزي بمراجعات شاملة فكرية وتنظيمية، وتمّ العثور بالفعل على الأوراق التي تضمنتها تلك المراجعات في مخبأ زعيم التنظيم أسامة بن لادن عند مقتله. وتُفصح تلك الوثائق المهمة عن استياء قيادة القاعدة من مسار الفرع العراقي، خلال مرحلة أبي مصعب الزرقاوي، مروراً بإعلان قيام “الدولة الإسلامية في العراق”، وفيها اعتراف واضح بجوانب الفشل لدى الشبكة في اجتذاب تأييد الشارع العربي عامة، وبارتكاب أخطاء جسيمة من جانب بعض الفروع، مثل التوسع في العمليات، الأمر الذي يؤدي إلى قتل مدنيين أبرياء، واستسهال التكفير. وتصل تلك الوثائق، وهي عبارة عن رسائل متبادلة بين بن لادن وقيادات فكرية، إلى ضرورة تصحيح المسار عبر الاندماج في المجتمعات العربية والمسلمة، حتى لو أدّى الأمر إلى تغيير اسم “القاعدة” نفسه، وتبنّي عناوين أُخرى، لتحسين الصورة، سياسياً وإعلامياً وشعبياً.

وعزّزت حقبة الثورات الشعبية العربية أهمية هذه المراجعات وإخراجها إلى العلن، ونجد خلال المرحلة الأولى من عمر هذه الثورات مجموعة من المقالات والرسائل لقيادات في “القاعدة” تعكس حالة القلق لديها جرّاء خسارة الشارع العربي والإسلامي، وتُظهر محاولات من طرف هذه القيادات لما يمكن أن نسمّيه “تكيّفاً أيديولوجياً”، يتم من خلاله تطوير خطاب السلفية الجهادية وحركاتها كي لا تصطدم بحركة الشعوب السلمية، لكن مع الإبقاء على “النواة الصلبة” في هذه الأيديولوجيا، والتي تقوم على مبدأ الحاكمية وتطبيق الشريعة الإسلامية، ومواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، لكن مع ردّ الاعتبار إلى الخيار السلمي في التحرك الشعبي من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية.

وانبثقت عن هذه المراجعات فكرة “أنصار الشريعة”، والتي اتخذت تطبيقات عملية في اليمن وتونس، ونجد صداها في اسم الجبهة نفسه وهو “النصرة”، الذي يقوم على ضرورة الاندماج في الشعوب والاهتمام بالقضايا العامة، في مواجهة الاستبداد، وإقامة النظام الإسلامي، وتوجيه الخيار الثوري نحو الإسلامية، لكن مع البقاء خارج قبّة البرلمان وحدود اللعبة السياسية.

وتقوم فكرة أنصار الشريعة على التحول من العمل النخبوي النوعي ذي الطبيعة العسكرية المحضة إلى العمل الشعبي الإعلامي والسلمي العام، تحت شعار “تطبيق الشريعة الإسلامية” و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وهو تحول نوعي وكبير مقارنة بالمراحل السابقة من تطور أيديولوجيا السلفية الجهادية التي آلت إلى عمل عسكري، والتحول في نهاية التسعينيات من القرن الماضي من قتال “العدو القريب” المتمثّل في الأنظمة العربية إلى “العدو البعيد” أي الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبح الآن هنالك دمج في أبعاد الصراع، بين الإبقاء على مشروع “عولمة الجهاد “والصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والسعي لاستثمار موجة الحراك الثوري الشعبي للدفع نحو تطبيق الشريعة الإسلامية في الدول والمجتمعات التي تتخلص من الأنظمة العربية، من جهة أُخرى.

ونجد، عبر متابعة سلوك “النصرة” واندماجها في المجتمع وبحثها عن الأنصار في المجتمع المحلي ومخرجات المراجعات القاعدية المركزية، أن هنالك تماثلاً كبيراً، ولعلّ ذلك ما يفسّر حرص “النصرة” و”القاعدة” في البداية على عدم الإشارة إلى علاقة “النصرة” بالمركز أو الفرع العراقي تجنباً للأخطاء التي وقع فيها التنظيم في العراق، وتعميةً على الأجهزة الاستخباراتية، ولتسهيل مسار العمل مع الفصائل المسلحة الأُخرى وفق نهج “الأنصار”. فبحسب “النهج الجديد”، لا بد من الابتعاد عن إعلان الانتماء إلى “القاعدة”، في سبيل عدم إعطاء النظام السوري مبررات قمع الثورة بذريعة محاربة “الإرهاب”، وعدم إثارة الولايات المتحدة، وتجنباً لإثارة الحاضنة الاجتماعية اللازمة لجلب مزيد من الأنصار. لكن أبا محمد الجولاني (أمير جبهة النصرة) اضطر إلى الكشف عن علاقته بتنظيم “القاعدة” بعد إعلان البغدادي إقامة “الدولة الإسلامية في العراق والشّام”، كما يصرّح بذلك الظواهري قائلاً: “فوجئنا بالإعلان -يقصد إعلان الفرع العراقي في أبريل/ نيسان 2013 ضم جبهة النصرة-الذي وفّر للنظام السوري ولأمريكا فرصة كانوا يتمنونها”، فضلاً عن: “جعل عوام أهل الشام يتساءلون ما لهذه القاعدة تجلب الكوارث علينا؟ ألا يكفينا بشار؟ هل يريدون أن يجلبوا علينا أمريكا أيضاً؟”.

وجدت قيادة “النصرة” ضالتها لتعزيز المنهج الجديد في كتب ورؤية أبي مصعب السوري، أحد منظّري السلفية الجهادية العالمية، وقد طوّر رؤيته الخاصة استناداً إلى تراث السلفية الحركية الإخوانية، ممثلة في سيد قطب وعبد الله عزام، مروراً بمروان حديد، واتكاءً على مفهوم “حرب المستضعفين”.

وتُعدّ كتابات أبي مصعب السوري السلطة المرجعية الأساسية لأبي محمد الجولاني مسؤول جبهة “النصرة”، خصوصاً كتبه: “ملاحظات حول التجربة الجهادية في سورية”، و”أهل الشام في مواجهة النصيرية والصليبية واليهود”، وكتابه الأهم “دعوة المقاومة الإسلامية العالمية”، الذي يؤسس لبناء “سرايا المقاومة الإسلامية”، ومفهوم الجهاد الفردي (الذئاب المنفردة)، وتحويل الجهاد إلى مشروع أمة، من خلال إنشاء خلايا يجمع بينها الفكر والعقيدة والهدف، من دون أن تكون في تنظيم يعتمد على هيكلية التنظيمات التقليدية.، ويخلص أبو مصعب السّوري إلى أنّ الفكر الجهادي العالمي يتشكّل من خليط هو (أساسيات من فكر الإخوان، مضافاً إليه النّهج الحركي للشّهيد سيّد قطب، والفقه السّياسي للإمام ابن تيمية والمدرسة السّلفية، والتراث الفقهي العقدي للدعوة الوهابية، والمنهج السّياسي الشّرعي الحركي للتيار الجهادي).

إذاً، اعتمدت “هيئة تحرير الشّام” على تجارب “القاعدة” وفروعها، فيما يتصل بضرورة التطبيق الانتقائي والتدريجي لأحكام الشّريعة الإسلامية، وذلك لتجنّب الصدام مع السكّان المحليين.

تتمايز “هيئة تحرير الشّام” عن منافسيها الأساسيين في ساحة “الجهاد السّوري”، ففي حين اعتمد تنظيم “داعش” على الأجانب بشكل كلّي، من دون أي اعتبار للعناصر المحلية، وهو كان يعتبر مشروعه جزءاً أو تكملةً لمشروع الجهاد العالمي، فإنّ “هيئة تحرير الشّام” تعتبر أنّها معنية بالمحلية أكثر، وأنّها لكي تنجح في نشر دعوتها لا بدّ من أن يقتصر جهادها على السّاحة السّورية.

وبينما كان جيش الإسلام صورة عن حزب الله اللبناني (قبل الـ 2006) من كونه حالة مناطقية محدّدة، تلقى دعم السّلفية العلمية (الشيخ معاذ الخطيب)، انحصرت في ضاحية (دوما)، محاولاً بناء دويلة تبتعد نسبياً عن السّياسة. فإنّ “هيئة تحرير الشّام” تطمح إلى بناء نموذج حكم إسلامي يشمل كلّ الجغرافيا السّورية، مبتعدةً عن السّلفية العلمية، باتجاه سلفية حركية-جهادية، تعتبر أنّ الجهاد ليس مجرّد محتوىً أيديولوجي ذي نزعة تنظيمية محدّدة فحسب، بل هو عبارة عن عبادة وفريضة متعينة، بقطع النّظر عن إمكانية التطبيق من عدمه.

وفيما سعت حركة “أحرار الشّام” لكسب الشّرعية الثّورية من مشهدية العنف الجهادي، فإنّ “جبهة النصرة” لم تكن مهتمة بتمثيل الثّورة، إلاّ عندما أصبحت “هيئة تحرير الشّام”، أي في مراحل متأخرة، لأنّ الثّورة في نظرها هي فعل غير مؤدلج لا يدل على الشريعة الصحيحة.

في مراحلها المبكرّة رفضت “جبهة النصرة” علم الثّورة لصالح الراية السوداء، فهي تعتبر أنّ مفهوم الثّورة نفسه مفهومٌ إشكالي، والسبب أنّ الثّورة هي ظاهرة شعبية، أي أنّ الشّعب بمكوناته المختلفة هو من يأخذ زمام المبادرة، بينما ذلك هو واجب الطليعة الجهادية التي عليها أن تحتكر الشّرعية كعنصر محرّك وعنصر قيادي للعمل السّياسي. ومعارضة مبدأ الانتخابات، ليس فقط بسبب إمكانية مخالفة الأغلبية لمبادئ الشريعة (وهي مشكلة الديمقراطية الفلسفية عند الجهاديين)ـ، بل إنّ هذا الرفض ناتج عن مفهوم نخبوي طليعي للقيادة السّياسية، فالحقّ ليس مع الأغلبية، بل مع طليعة، أو نخبة، مؤمنة بالجهاد وأثبتت التزامها بالجهاد بالفعل.

المآلات والسيناريوهات

تُعتبر محافظة إدلب في شمال غرب سورية هي مركز ثقل “هيئة تحرير الشّام” ومجال نفوذها الأساسي، لذا فإنّ مآلات “الهيئة” تعتمد بشكل كبير على نتائج المعركة العسكرية التي يقوم بها النّظام وروسياً في الوقت الحالي على المحافظة. وعلى مدى التزام تركيا، الدّاعم الأساسي للهيئة حالياً، بها.

نحن أمام سيناريوهات متعددة، منها:

انسحاب “هيئة تحرير الشام” باتجاه الشّمال إلى الجانب السّوري من الحدود السّورية-التركية واقتصارها على مساحة جغرافية صغيرة، تُمارس من خلالها نفوذها بشكل ضيق، مع توسيع تأثيرها الخدمي والتنظيمي عبر حكومة الإنقاذ، وعندها ستسعى “الهيئة” برأينا إلى استئصال كلّ وجود عسكري أو تنظيمي عداها في تلك المساحة، لتصبح اللاعب الوحيد والأوحد، وعندها ستتخلّى بحكم الظرف المستجد عن “التمكين المهيء” و”نشر الدعوة” لصالح الإكراه.

السيناريو الآخر هو اتفاق تركي-روسي على إنهاء “الهيئة” عسكرياً، وطردها من كلّ سوريا، لمصلحة عودة النّظام إلى شمال غرب سوريا، في مقابل تغلغل تركي في شمال شرق سوريا، لإنشاء منطقةٍ آمنة.

يبقى سيناريو أخير مستقىً من كتابات أبي مصعب السّوري يتمثل في الاعتماد على الجهاد الفردي، أو ما بات يُعرف بالذئاب المنفردة.

ختاماً، فإنّ محدّدات تحولات الحركات الإسلامية في سوريا تعتمد على كاريزما القائد، وتعتمد كذلك على محركات محلية ديناميكية، لذلك فإنّ هذه الحركات، وخصوصاً التقليدية منها، تمتلك قابلية التكيّف مع الهزيمة، والانطلاق من جديد. فهي تستطيع أن تُعيد إنتاج نفسها لأنها تمتلك الموارد، والفكر، والمرجعيات، والقيادات التاريخية الكاريزمية التي يمكن أن تُشكّل سريعاً نواةً صلبة جديدة بديلة عن تلك التي هُزمت.

المراجع

  • أيمن الدسوقي، الحكم المحلي للحركات الجهادية ومنظورها للمجالس المحلية: “هيئة تحرير الشّام” في محافظة إدلب نموذجاً، (مركز عمران للدراسات الاستراتيجية-2017).
  • محمد أبو رمّان، السلفية الجهادية: داعش والنصرة من إدارة التوحش إلى فقه الدماء، مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 101، شتاء 2015.
  • توماس بيرييه، هيئة الشّام الإسلامية: السلفية الحركية مقابل “نظام حكم الجهاديين”، محاضرة ألقيت في سياق الندوة التي نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات بمناسبة مرور سبع سنوات على انطلاق الثورة السورية.
  • حمزة المصطفى، تقييم تحولات الحركات الإسلامية السورية، محاضرة ألقيت في سياق الندوة التي نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات بمناسبة مرور سبع سنوات على انطلاق الثورة السورية.
  • أكرم حجازي، رحلة في عقل السلفية الجهادية: “القاعدة” نموذجاً، القدس العربي، الاثنين 21 أغسطس/آب 2006.

المصدر: العدد الحادي عشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق