الاتحاد

السياسات الأمريكية ضد ايران …. أهي آليات لمعاقبة النظام أم الشعب؟

مقالاتالسياسات الأمريكية ضد ايران …. أهي آليات لمعاقبة النظام أم الشعب؟
قراءة سياسية حول مدى نجاعة العقوبات الأمريكية في تغيير سلوك النظام الإيراني

الاتحاد برس:

أظهرت استطلاعات الرأي أن معظم الأمريكيين أيدوا قرار إلغاء توجيه ضربات عسكرية إلى ايران، حيث وجد استطلاع أجراه مركز الدراسات السياسية الأمريكية بجامعة هارفارد ومؤسسة هاريس البحثية أن 57% من الناخبين عارضوا “المواجهة العسكرية مع إيران” ما لم تهاجم إيران الولايات المتحدة، بينما أراد 5% فقط من المستطلعين من الولايات المتحدة “إعلان الحرب على إيران”، وهذا يعطي مدلولاً حول مدى رفض الداخل الأمريكي لفكرة التدخل العسكري في إيران، فالأمريكيون لا يرغبون بإثارة نزاعات مع حكومات لا تشتهر بإلحاق الأذى بالولايات المتحدة أو حلفائها، إذ يميل هؤلاء في أي استطلاعات حول التدخل العسكري إلى تقييم مخاطر التحرك ضد التهديد المتصور؛ وإذا بدا أن التدخل المقترح يزيد من المخاطر، كإرسال أفراد الجيش في مهمة خطيرة وغير جوهرية، فإن المستطلعون يرفضون التدخل، وعلى النقيض من ذلك، فإذا بدا أن التدخل يحد من الخطر الذي يهدد الأمريكيين أو لا يبدو أنه محفوف بالمخاطر بالنسبة للجنود فستؤيده نسبة أكبر من المستطلعين.

لقد ظلت هذه الأنماط قائمة على مدار 26 عاماً من الاستطلاعات، بما في ذلك فترة ما بعد 11 سبتمبر عندما كان كثير من الأمريكيين مهتمين بالأمن القومي، فمن عام 2002 إلى عام 2015، بلغ متوسط الدعم للتدخل العسكري في إيران حوالي 50%، بينما كشفت البيانات الاحصائية أن الأمريكيين كانوا بين عامي 2003-2014 رافضين لأي قتال مع كوريا الشمالية، أما 37٪ منهم فقط أيدوا التدخل العسكري كما أيد 33% فقط استخدام القوة مع الحكومة السورية بين عامي 2012-2014؛ وعندما غزت القوات الموالية لروسيا شرق أوكرانيا في عام 2014، أيد 18٪ منهم فقط تدخل الولايات المتحدة. وبالطبع، لا يمكن استخدام الرأي العام للتكهن بالسياسة الرئاسية الأمريكية، فبالرغم من تأييد 30٪ فقط من الأمريكيين للتدخل في ليبيا في عام 2011، تواصل الرئيس باراك أوباما مع شركاء الولايات المتحدة الأوروبيين وأطلق العملية في نهاية المطاف.

من المرجح ألا تمنع المعارضة الشعبية للتدخل ترامب من إصدار أمر بالهجوم على ايران، لكنها تشير إلى أنه سيواجه ردة فعل سياسية، فالأمريكيون كانوا أكثر تقبلاً لفكرة القتال في أفغانستان والعراق، حيث أظهرت الدراسات الاستقصائية التي سبقت الحرب والتي لم تذكر الخسائر المحتملة، أن ما يقرب من ثلاثة من أصل أربعة أمريكيين (74%) كانوا موافقين على مهاجمة طالبان في أفغانستان، بينما أيد 62% العمل العسكري ضد العراق، وكان مرد ذلك إلى غضب الأمريكيين بشأن هجمات 11 سبتمبر الإرهابية التي شنها تنظيم القاعدة على مدينة نيويورك وواشنطن دي سي. وبالتالي يمكن تأجيج هذا النوع من الرد من خلال الرسائل الرئاسية، كما حدث عندما عملت إدارة جورج دبليو بوش لعدة أشهر على إقناع الناخبين والكونغرس ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بدعم الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق.

قد يكون الشعب الأمريكي “الحذر” على استعداد لدعم المواجهة المسلحة مع إيران ضمن حالتين :
الأولى : أن تعتمد إدارة ترامب على استراتيجية إدارة بوش في حشد الدعم لغزو العراق ومحاولة تخويف الأمريكيين للموافقة على الحرب مع إيران، ولكن لم يظهر حتى الآن أي دليل على شن البيت الأبيض لهذه الحملة المنسقة، إضافة إلى أنه لن يكون من السهل إقناع الشعب بذلك، حيث أن الأمريكيون ليس لديهم ذلك النوع من العداوة الحادة تجاه إيران مثل تلك التي كانت تجاه صدام حسين؛ كما أن الحروب غير الحاسمة في أفغانستان والعراق جعلتهم حذرين بشأن عمليات تغيير النظام؛ ناهيك عن أنه لم يقع مؤخراً أي هجوم على الأمريكيين قد يثير الرغبة في القتال.

الثانية : قد تصعد إيران هجماتها، فحتى الآن، أسقطت طهران طائرات أمريكية بلا طيار وصادرت ناقلات أجنبية، وبالتالي فقد يتغير الرأي العام الأمريكي إذا بدأت إيران في تعريض الطيارين والبحارة الأمريكيين للخطر.

إن أنجع طريقة لمعاقبة ايران هي دعم الداخل الإيراني من خلال التركيز على فئات الشباب وتهيئتهم للثورة من جديد على نظام الحكم في طهران، كمحاولة لاعادة استحضار تجربة عام 2009 عندما انقلب الإصلاحيون على نظام خامنئي، أما فكرة توجيه ضربات عسكرية فلن تفي بالغرض وانما ستفاقم الأوضاع نحو الأسوء في منطقة الشرق الأوسط اضافة إلى أن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية كتلاحم الشعب مع قيادته بدلاً من فصله عنها، ناهيك عن حالة عدم الرضا التي ستنتاب الأمريكيين الذين يشعرون بالحذر حيال أي تدخل مسلح في الشرق الوسط بسبب التجارب السابقة في كل من العراق وأفغانستان.

يضاف لما تقدم الافراط في سياسة العقوبات الاقتصادية التي لن تؤتِ ثمارها بالنسبة لتغيير سلوك النظام، وانما ستكون كارثية فقط على المجتمع الإيراني الذي سيدفع وحده الثمن بسبب القيود المفروضة على الكثير من اللوازم الحياتية وأولها الأدوية والمستحضرات الدوائية الخاصة بأمراض السرطان والتصلب المتعدد والفشل الكلوي.

إن ايران لا تستطيع إنتاج كل ما تحتاجه محلياً لمكافحة جميع الأمراض، حيث أنه لا يمكن تصنيع المستحضرات الدوائية الأكثر تعقيداً، خاصة تلك التي تتطلب نظائر مشعة تُستخدم في العلاج الإشعاعي لعلاج أشكال معينة من السرطان، دون استيراد بعض المواد، وبذلك، سيدفع أضعف أعضاء المجتمع الإيراني، بمن فيهم مرضى السرطان من الأطفال والنساء، الثمن، ومن المرجح أن النظام في طهران سيكون مستعد كلياً لترك شعبه يعاني ولاستغلال الفرص التي تنتج عن ذلك؛ لكن يجب ألا تقع الولايات المتحدة في هذا الفخ، فلا ينبغي لعدم اهتمام الحكومة الإيرانية بمواطنيها بسبب العقوبات أن يمنع واشنطن من فعل الصواب، ففي عام 2012، عندما تجلت الآثار المدمرة للعقوبات على قدرة الإيرانيين في الحصول على الأدوية، فكرت إدارة باراك أوباما في إعفاء البنوك التي يمكن استخدامها في عمليات تحويل الأموال اللازمة لشراء الإمدادات الطبية من البائعين الدوليين، ولم يكن ذلك بمثابة حل جيد، بسبب صعوبة التحقق من عدم تورط تلك البنوك أيضاً في أنشطة غير مشروعة، ومع ذلك، كانت إحدى الخطوات الناجحة هي توسيع قائمة الأجهزة الطبية التي يمكن للشركات التجارية المسموح لها بالتداول مع إيران بيعها، ثم تشجيعها بنشاط على القيام بذلك.

يمكن أن تعلن إدارة ترامب بسهولة عن تغيير في السياسة بشكل يسمح باستثناءات للمنتجات المنقذة للحياة التي لا ترخصها الولايات المتحدة عادة، وستكون هذه الخطوة إشارة حسنة النية للشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة لا تريد إلحاق ضرر لا مبرر بهم، وانما تريد الضغط على نظامهم المهيمن على حياتهم والذي يسرق ثرواتهم ويسخرها في العبث بمصائر شعوب منطقة الشرق الأوسط خدمةً لأجندات خاصة به، وبالتالي وكأفضل طريقة كما ذكرنا في صلب هذه القراءة، فإن الاهتمام بالداخل الإيراني والعمل على دعمه وتنظيمه وحشد طاقاته ضد نظام خامنئي القائم هو أفضل حل للتأثير على هذه السلطة، ومن شأن ذلك أن يضاعف الضغوط عليها بشكل يقلص من نشاطاتها التخريبية في الشرق الأوسط ويعزز علاقات الصداقة بين الشعب الإيراني والولايات المتحدة بوصفها زعيمة العالم الحر التي تدعم وتصون حقوق الشعوب بوجه أنظمتهم الديكتاتورية الجائرة، وهذا أنجع أسلوب من العقوبات أو الهجمات العسكرية التي سيكون الخاسر الوحيد فيها هو الشعب.

إن دعم الشعوب والاهتمام بقضاياها من خلال تكثيف التواصل معها اضافة إلى كشف زيف الادعاءات التي تحاول أنظمتها الكذب من خلالها عليها هو أفضل حل لتغيير سلوك أو ملامح تلك الأنظمة، وهذا ما يحتاجه الشعب الإيراني الذي قد ينقلب على نظامه اذا ما اعيد دعم تجربته عام 2009 بشكل منظم ومدروس.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق