السلايد الرئيسيتحقيقرصد

الوردة ب 500 والصورة بألف .. أطفال يمتهنون التسول في دمشق

الاتحاد برس_ دمشق:
إعداد: وديع فرح

يَحار المارة في شوارع دمشق أيُّ متسولي المدينة أحق بالاستحسان. فالشوارع رغم التعديلات التشريعية للقانون رقم 8 التي تقضي بعقوباتٍ تصل بمرتكبيها للحبس مدّة ثلاث سنوات، ما تزال تغصّ بمئات المتسولين حتى لا يكاد المرء ينتبه إلى أشدّهم عوزاً أو لا ينتبه إليهم أبداً فيحسبهم جزءاً من هذا المكان.

تشهد سوريا، منذ اندلاع الحرب عام 2012 إلى الآن، موجة عارمة من النزوح إلى المناطق الآمنة في الداخل، ونسبة كبيرة من النازحين لا يملكون عملاً أو مكاناً جيدًا للعيش، وهذا ما فاقم أزمة التسوّل في مدينة دمشق، فباتت محطة بارزة من محطات الـ”الشحاذة”\التسوّل في سوريا.

هذا فضلاً عن الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد منذ مطلع عام 2014، والتي خلّفت أرقاماً كبيرة في البطالة والتسوّل، فالكثير من الأهالي الذين كانوا يعملون في مناطقهم الأصلية باتوا في دمشق من دون عمل، ومن لا يملك منهم مصدر دخل خارجي كتحويلات مالية، ولايجد عملًا، فلا يبقى أمامه سوى التسوّل، وبذلك يحسبها مهنةً لا عيب فيها ولا عقاب.

الوردة ب500 والصورة ب1000.

محمد وأشرف وهمام، أو على الأقلّ هذا ما أطلقوه على أنفسهم، ثلاثة أطفال يعملون في “بيع الورد” حيناً والتسوّل معظم الأحيان.
رصدتهم كاميرا الاتحاد برس جالسين على عتبة باب في أحد أزقة “القيمرية”، حيٌّ يشهد نشاطاً بشرياً هائلاً من ساعات الصباح الأولى وحتى الليل، فالحيّ يفضي على مناطق حيويّة في وسط البلاد كـ”جامع الأمويين” و”سوق الحمدية” والكثير من الساحات الرئيسية.

فاجأنا محمد من الخلف يقول: ” خود وردة للحلوة ب500″ ولمّا سألناه عمّا إذا كان بإمكاننا التقاط صورة فقال: “الورد ب500 والصورة ب1000”. رضينا وتابعنا السير معهُ حتى بلغنا مركز البيع، فهو عتبة منزل يفرش الأطفال الأرض قربها بقارورات ماء يضعون الزهور بداخلها.

تراكضوا نحونا ومدّوا الزهور، أقنعناهم بأننا اشترينا وسألناهم عن مكان إقامتهم فرد أحدهم: “كنا بداريا بس هلق نحنا ساكنين عند عمّي بالدخانية”.

وردّ آخر عن سؤال من أين تحصلون على الورود بقوله: “منشتريون من بياع الورد بالقيمرية”.
كما لم يفصح أحدهم عن السعر الحقيقي للوردة الواحدة متذرعين بأنّهم لا يعرفون كونهم يشترونهم كـ”باقات”.
وعن سؤال هل يعلم أهلك بأنك تعمل هنا ؟ ردّ همام: “أي بيعرفوا الكل بيعرفوا اهلون أنو بيشتغلوا”.

وفي تعديل للمادتين 599 604 من قانون العقوبات السوري نلاحظ تشديد العقوبات في حقّ من يدفع قاصراً للتسوّل ورفع الغرامة على هذه الجنايات لتصل إلى 100 ألف ليرة سورية. ولكن عند استفسارنا عن الأمر من محامي، فضّل عدم ذكر اسمه، يعمل في مجال الشؤون الاجتماعية والأحوال الشخصية قال: ” ثمّة من المحامين من يعملون على ثغرات قانونية تحول وهؤلاء المتسولون دون العقوبة، وذلك مقابل مبالغ شهرية تصل إلى ال75 ألف ليرة سورية، وهم (المحامون) يتعاقدون مع الأهل أو رؤوس العصابة مباشرة دون وسيط”.

لا أذهب إلى المدرسة منذ كنت في الصف الأوّل !

رضوان طفل في الحادية عشر من عمره يبيع البسكويت في محيط “الجامع الأموي”، وهو جامع دمشقيّ ومقصد للسياح عامر بالبشر والباعة. رضوان اختار المكان عن خبرة، كما قال لنا، وهو يقف هنا يومياً ينفق بسكويتهُ بسرعة ولا يعود يشتري فيكمل يومه متسوّلاً، ويقول رضوان: “أبيع البسكوت في الصباح الباكر، واشتري طعامي بحقّه، ولا أعود للبيت حتى اجمّع غلّة “محرزة”.

وعن سؤال لماذا لست في المدرسة في هذا الصباح؟ يجيب رضوان: “كنت في “سقبا” أكمل الصف الأول عندما اضطررنا للنزوح إلى هنا، ومنذ ذلك الوقت أنا لا أدرس.”
اتعرف الكتابة والقراءة؟ ” مو كتير “.

وفي ذات السياق، كشفت منظمة “اليونسف” لحماية حقوق الطفل، في أغسطس 2019، تعرّض حوالي 40% من البنية التحتية للمدارس في سوريا للضرر أو للدمار أثناء الحرب.
ووجود أكثر من 2 مليون طفل – أي أكثر من ثلث الأطفال السوريين – لا يرتادون المدارس، ويواجه 1.3 مليون طفل خطر التسرّب.
كما بيّنت منظمة اليونسف احتياج واحد من بين ثمانية أطفال في كلّ صف دراسي إلى دعم نفسي واجتماعي مختصّ، لتحقيق التعلّم الفعال.

والدي توفّي وأنا أطعم ثمانية أطفال !

عند حائط كنيسة القديس كيرلوس في حيّ “القصاع”، التقطت كاميرا الاتحاد برس صورةً لفتاة وطفلين يتوسدان الأرض. لمى أو كما سمّت نفسها، تفترش الأرض وتستجدي مالاً من المارة فتقول: “حقّ لقمة أكل للولاد .. الله يخليلكون ولادكون”.

استوقفنا المشهد ولفتنا منظر الأطفال المتمددين على الأرض الحافية. توجّهنا إلى لمى وسألناها عن اسمها ومكان إقامتها وأسرتها وعددهم فقالت: ” والدي متوفي وأعيش مع أمي وأخوتي وهم 6 فتيات وولدين وأنا أكبرهم، أعمل هنا لأطعم أخوتي، أسكن في مدينة جرمانا، وأصعد يومياً في باص النقل الداخلي لآتي إلى هنا، ولا أعود حتى احصّل لقمة العيش لي ولأمي وأخوتي.”


وعن غلّتها تقول: “يعني بين ال5000 وال6500 حسب”. وفي أخذ هذا الرقم بعين الاعتبار قد تصل غلّة لمى إلى 170 ألف ليرة سورية شهرياً.

وكانت نشرت صحيفة “الوطن” السورية، في حزيران 2019، أنها سجلّت ما يقارب ال 1700 حالة تسوّل في دمشق وريفها خلال شهرٍ ونصف (من نيسان 2019 حتى منتصف أيار 2019) وما يقارب نصفهم من الأطفال وذلك من خلال حملة (فيك تساعد) التي أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون مع شركة إحصاء خاصّة وبمساهمة المجتمع المدني.

وفي أحدث تقارير الأمم المتحدة فإن 83% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وتقدر أعداد النازحين بنحو 6.2 ملايين شخص و أن أكثر من 1.6 طفل محرومون من التعليم، هذه الظروف المُعاشة هي التي دفعت الآلاف إلى التسوّل وأتاحت فرصة استغلال المشردين في أعمال التسوّل.

ومن ناحيته، صرّح الناشط المدني في منظمة الهلال الأحمر (ق.ص) لصحيفة الاتحاد برس بأنّ ” الوضع الاقتصادي في سوريا يؤثر سلباَ على الأطفال، من حيث عمالة الأطفال والتسرّب من المدارس؛ لأن الأطفال تترك المدارس لتشتغل وبعضاً منهك يدرسون صباحاً ويعملون مساءً ممّا يؤثر بشكل كبير على المستوى العلمي، وهذا بالإضافة للأضرار الجسدية والصحية التي تصيبهم نتيجة العمل وهم لا يزالون في طور النمو. الطور الذي يفترض أنّهم يلعبون ويتعلمون فيه ولا يشتغلون.”

إنّ مشكلة التسوّل باتت مشكلةً كبيرةً لا يكفيها تعديل القوانين وإقرار الحملات لحلّها، ذلك أنّ الحلّ يتطلّب تمويلاً ضخماً وتضافراً لجهود حكومية وغير حكومية، ممّا يجعل معالجتها شيئاً صعباً في ظلّ الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تمرّ بها سوريا، وعلاوة على ذلك شهدت سوريا تفكّكاً وتشرذماً للجمعيات والمنظمات المسؤولة عن رعاية الأسرة والطفل بعد الحرب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق