قلم توك

في ميزان ثورات الربيع العربي

ربما يتحفظ البعض على العنوان، إذ يمكن أن يكون ثمة تعارضا بين دلالة كلمتي “ثورات” و”ميزان”، فالثورة هي ضرب من الخروج على كل الموازين المستقرة والمعهودة، والميزان بدوره يشير إلى الثابت والمستقر الذي على ضوءه نزين الأمور ونقيسها بعيداً عن كل محاولات التغيير، وربما درءً لها في مستقبل منظور.

لكني أفترض هنا أن لكل سياق تاريخي ما ميزانه الخاص، كما أنه لكل لحظة تاريخية خاصة، حتى المتفجرة منها، ضمن هذا السياق ميزانها المتبدل والمتغير على ضؤ ما يحصل ويتبدل.

فسياقات السُبات التاريخي الطويل لها موازينها، ولحظات الانفجار المجتمعي الحاصلة في رحم تلك السياقات كرد عليها ومحاولة للخروج من سباتها الطويل، لها أيضا موازينها الخاصة التي تتشكل في لحظة الانفجار هذه.

لأن الإنفجارات المجتمعية كانفجارات البراكين عندما تقذف حممها، فيخرج معها كل ما في القاع الإجتماعي من رواسب عفنة وآسنة تراكمت باحتقان قوي وضاغط عبر عقود الاستبداد السياسي – الديني الطويلة. لذلك فالحروب الأهلية التي تظهر نتيجة هذا الاحتقان المديد غالبا ما تكون إحدى المراحل التي تمر بها ثورات الشعوب بداية، لاسيما تلك التي تتعدد فيها الانتماءات والثقافات الضيقة، عرقية كانت أم دينية. إلى أن تتجاوزها بتجربة المخاض الثوري الجديد المرير والأليم، نحو ثقافة المواطنة والحداثة المفترضة. فدروس الثورات الشعبية الناجحة في التاريخ الحديث للعالم، لا سيما في أمريكا وأوروبا، كلها تشير بوضوح إلى ذلك.

على أساس هذه الخلفية من النظر، كما أفترض، أحاول في السطور التالية استخلاص بعض النتائج المجتمعية الواضحة راهنا، وربما المتغيرة لاحقا في المستقبل، من ثورات الربيع العربي التي بدأت عام 2011 وما تزال ارتداداتها مستمرة بشكل انتفاضات شعبية سلمية بزخم قوي وكبير حتى اليوم في العديد من العواصم والشوارع العربية. وهي مستمرة ببسالة منقطعة النظير رغم العنف الشديد المضاد المزدوج لقمعها، سلطوي وميليشياويّ، بعد أن راهن الكثيرون على أنها دخلت مرحلة الخريف المبكر وهزمت كونها دخلت في بعض البلدان في المنعطف الخطير والكارثي للحروب الأهلية الداخلية. عدا عن اتهامها بالتعامل مع الخارج وارتباطها بالمؤامرات الخارجية … إلخ.

بتقديري الشخصي، وربما بتقدير الكثيرين أيضا أن تجدد هذا الحراك الشعبي العربي الواسع الذي بدأ في بداية العام الحالي 2019 في الجزائر والسودان، فأثمر نتائج مجتمعية وسياسية بالغة الأهمية، وإن كانت غير كافية حتى الآن. ثم تجدد ثانية في مصر وانتقاله بزخم كبير إلى الشارعين اللبناني والعراقي، دون أن يتوقف في الجزائر بانتظار الانتخابات الرئاسية القادمة قريبا.

كل ذلك يشكل الرد بالغ الدلالة والأهمية على هذه الدعاوى والاتهامات بحق ثورات الربيع العربي. كما يشير بوضوح على تهافتها.

العناوين التالية أعتبرها، كوجهة نظر شخصية، محاولة في توضيح بعض أهم تفاصيل هذا الرد.

 لعل أول ما يشير إليه استمرار هذه الثورات الشعبية في العالم العربي هو تهافت جميع الأنظمة الرسمية العربية الحاكمة دون استثناء، بكل طبقاتها ونخبها ومستوياتها وبالتالي تقادمها مع الزمن وحركة التاريخ. وأن استمراريتها لم تعد معقولة ومقبولة، ولا حتى ممكنة إلاّ من خلال المزيد من التبعية والارتباط بإحدى المحاور أو القوى الإقليمية أو الدولية الخارجية الكبرى، التي تكفل ذلك وتمده بمقومات البقاء والاستمرار.

وإنما تستمد مشروعيتها من خلال ارتباطها بمحاور خارجية تضمن بقاءها كما أشرت، لذلك لا جواب عند هذه الأنظمة وحكوماتها في الرد على مطالب هذه الانتفاضات الشعبية إلا بالعناد أمام شعوبها والتصدي العنيف لها، مهما كانت الكلف باهظة بشريا وماديا، حتى ولو أدى الأمر إلى تدمير الدولة والمجتمع.

بدأ خروج العرب من التاريخ كفاعلين بقوة فيه على مرحلتين:
الأولى كانت منذ منتصف القرن الثالث عشر ميلادي، وتحديدا عام 1258م عندما هاجم “هولاكو” بغداد ودمرها مع كل معالمها وأثارها الحضارية كعاصمة للثقافة العالمية آنذاك. بعد أن قضى على أخر الخلفاء العباسيين فيها.

والثانية كانت مع سقوط “غرناطة” آخر ممالك الأندلس العربية، بيد القشتاليين، أواخر القرن الخامس عشر عام 1492م.

وفي المرحلتين كان ذلك لأسباب تاريخية عديدة كانت تتراكم لفترة طويلة، وصلت ذروتها في دخول  دولتهم الإمبراطورية الواسعة ممثلة بالخلفاء والملوك والأمراء دور الضعف والتحلل حسب التفسير الخلدوني الصائب آنذاك، الأمر الذي تمفصل مع فساد كبير لهؤلاء الحكام ولأعوانهم المقربين والموالين. كما تفصح كل المدونات التاريخية القديمة والأبحاث التاريخية الجديدة التي اتكأت عليها.

لكن يمكن القول اليوم أنه بعد خمسة قرون ونيف من الانحطاط والتخلف المجتمعي العنيد، والتشرذم لشعوب المنطقة العربية. وتحديدا مع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة بدأ العرب يدخلون التاريخ من جديد من خلال فاعل تاريخي جديد تمثل في حركة شعوبهم، التي بدأت تنتفض وتثور على شكل أمواج متتابعة منذ ثماني سنوات، ضد طغيان وفساد حكام الدولة الوطنية الحديثة التي نشأت بعد الاستقلال عن المستعمر الأوروبي، مع ملاحظة مشاركة النساء الكبيرة الفاعلة والمؤثرة لأول مرة في التاريخ العربي، لا سيما الشابات منهن، كما شاهدنا بشكل خاص في الجزائر والسودان ونشاهد اليوم في لبنان والعراق.

ولعل الانفتاح الكبير للأجيال الشابة والجديدة على منجزات وتقنيات ثورة وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وما أتاحته من شفافية عالمية غير مسبوقة مع ضخ يومي هائل للمعلومة والمعارف في أي مجال علمي معرفي سياسي، مع سهولة كبيرة في الحصول عليها لأي شخص كان، بشكل لا يمكن لأي نظام مهما كان شموليا أو مستبدا أن يحجبه كما كان متبعا قبل هذه الثورة التقنية العظيمة والمستمرة التي كانت بلا شك عامل تحريض مباشر، كبير ومؤثر قي يقظة وتفتح أزهار ربيع العقل الجمعي العربي من جديد.

لذلك يمكن القول أيضا أن الرافعة الكبرى والقوية للشعوب العربية المنتفضة اليوم هي الأجيال الشابة والجديدة التي تشكل أكثرية نواة الحراك الغاضب المنتفض، وقيادته بنفس الوقت.

 وعلى هذا الأساس فالمستقبل المشرق الجديد لهذه المجتمعات والشعوب صار في أفق الاحتمالات القوية لا محالة.

يمكن للمتتبع هنا أن يلاحظ أن الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي التي بدأت عام 2011 في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن والتي بدأت بحركة احتجاجات شعبية مدنية سلمية كبيرة ورائعة لم تكن تهتم بداية أو لم تستطع، بالحسم النهائي مع شعارات ومطالب حركات الإسلام السياسي التي كانت تترقب وتتحفز منذ سنين دون أن يكون لها القاعدة الشعبية الواسعة التي تمكنها من تحريك الشارع كما تريد، لذلك فهذه الأخيرة استطاعت التسلل إلى داخل هذه الانتفاضة الشعبية العفوية والواسعة بزخمها الكبير، واستثمرت ميول الشارع الدينية عموما لدرجة نجحت فيها لحد كبير في تبؤ مكانة كبيرة داخلها بمساعدة القمع الشديد الذي واجهه الحراك الشعبي في بداياته، فكان ذلك البداية في إنتاج مقدمات “الثورة المضادة” في الشارع العربي واستمر الأمر كذلك حتى أوائل عام 2019 عندما أفلست برامج وأجندات أحزاب وحركات الإسلام السياسي كلها، سواء تلك التي وصلت إلى الحكم عبر الانتخابات كما في تونس ومصر، أو تلك الجهادية المتطرفة التي مهدت الطريق باتجاه الحروب الأهلية عندما خطفت الحراك الثوري السلمي من شبابه ونشطاءه السلميين المدنيين وحولته إلى حركات عصيان مسلح قادته تحت شعارات الجهاد الإسلامي المتطرف بعيدا عن أهداف ومطالب الانتفاضات الشعبية في مجتمع مدني – سياسي دستوري علماني تعددي، كما حدث في سوريا وليبيا واليمن.

 لذلك مع بداية الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي في الجزائر والسودان، أعلنت منذ البداية قطيعتها التامة والواضحة مع كل ما يمثل حركات وشعارات الإسلام السياسي في البلدين، ففي السودان تم إسقاط أهم رمز من رموز الإخوان المسلمين في السلطة الحاكمة وبالتالي تم نبذ جمهور وشعارات الإسلام السياسي في الشارع. أما في الجزائر فكان واضحا منذ البداية عزل الإسلاميين والابتعاد عنهم في الحراك الشارعي الغاضب.

وهكذا فكل موجة جديدة من موجات ثورات الربيع العربي تستفيد مما سبقها وتستمر بزخم أقوى، ولعل أفضل تعبير قرأته عن ذلك جاء في تدوين لأحد نشطاء الفيسبوك المتحمسين والمتابعين لهذه الثورات على صفحته عندما قال ما معناه  أن هذه الثورات باستمراريتها تضع النقاط على الحروف بشكل دقيق وصحيح أكثر مما قبل.

فلبنان اليوم عبر انتفاضته الشعبية العارمة هذه وشعارها الرائع “كلن يعني كلن” يسير باتجاه تقويض كامل لتركة الانتداب الفرنسي بتوزيع المناصب السياسية والقيادية والوظيفية فيه على أساس المحاصصة الطائفية، الموروث أصلا عن نظام الملل العثماني القديم. بشكل جعل من لبنان منذ بداية تأسيسه علماني وليبرالي في الشكل بينما هو في الجوهر والعمق مجتمع طائفي عنصري بغيض أنتج عدة حروب أهلية دورية كارثية منذ الاستقلال، كانت نتائجها لصالح الزعامات المناطقية والطائفية، فقط، أي زعامات الإقطاع الديني – السياسي التي تتحكم بالبلد.

وعلى نفس القياس يمكن القول بالنسبة لانتفاضة الشارع العراقي اليوم حيث أن النخب التي حكمت العراق منذ الغزو العراقي له وسقوط النظام الديكتاتوري للطاغية “صدام حسين” عام 2003 كانت تسير باتجاه نهب البلد تحت مظلة ولاءاتها الخارجية الإقليمية منها والدولية (أمريكا – إيران) وهي لذلك كانت تعمل دستوريا على مأسسة نظام المحاصصة الطائفية في الحكم، حسب قياس مصالح الهيمنة الإيرانية كما في لبنان تماما، حيث الغلبة للشيعة العرب في كلا البلدين فتمثل أكثرية الشيعة العرب فيهما تبعا لذلك، حسب توهم الفرضية الإيرانية التوسعية، القاعدة الشعبية الدائمة لها والتي تمكنها من التحكم بالبلدين وفي المنطقة عموما. وهذا ما جعل العراق في حالة متفجرة على صفيح ساخن منذ ستة عشر عاما مع تردي كبير للوضع الاقتصادي في بلد يمتلك أحد أكبر الاحتياطات النفطية في العالم. ما مهد لتشكيل العديد من المليشيات الدينية والطائفية المسلحة التي تتقاتل فتمزق الوطن وترهب المواطن.

لذلك فأهمية انتفاضة الشعب العراقي اليوم عبر أجياله الشابة والجديدة، من خلال مكونه الشيعي العربي بشكل كبير وببسالة نادرة بمواجهة الميليشيات الطائفية. أنها تنطلق بقطع تام ونهائي مع كل الانتماءات والو لاءات والمرجعيات الدينية الطائفية أو المذهبية وتنطق بلسان الوطن الواحد وشعارات المجتمع العلماني المدني الحديث والتعددية السياسية ومحاسبة كل القتلة والفاسدين وتداول السلطات كلها بشكل ديمقراطي بعيدا عن نظام المحاصصة الطائفية المفترض، ولعل أهم شعار يرفعه الشعب العراقي اليوم بأغلبيته الشيعية، كما ذكرت، هو “إيران برا برا وبغداد تبقى حرة“.

وهكذا يمكن القول إن ثورات الربيع العربي بدأت في موجتها الثالثة هذه، كما أزعم، تنجز قطيعتها النهائية مع كل الرموز الدينية والطائفية في مجتمعاتها كمقدمة لفصل الدين عن الدولة بشكل نهائي وحاسم في المستقبل تماما كما حدث في الثورات الأوروبية في عصور التنوير منذ القرن الثامن عشر، أي أنها بدأت فعلا بوضع النقاط على الحروف بشكل دقيق وصحيح..

يتساءل كثيرون سواء، عن سوء نية أم عن جهل، قائلين:
لماذا لم تظهر هذه الثورات أو الانتفاضات المجتمعية إلا في دول الجمهوريات العربية وبالأخص منها الوطنية والتقدمية، واليوم في لبنان حيث الدور القوي لمحور المقاومة؟
ولماذا غابت عن بقية الممالك والإمارات العربية المستبدة الرجعية والظلامية، لاسيما في دول الخليج؟
أليس في ذلك دليل كاف على ارتباط هذه الانتفاضات بالمؤامرات الخارجية التي تحاك ضد أنظمة المقاومة والتقدم!!!

من حيث الملاحظة الظاهرية العابرة لا خلاف مع هذه التساؤلات، لكن بالقراءة المتأنية والتأمل خلف الظواهر الخارجية يمكننا أن نرى بوضوح ما هو أعمق بكثير وأكثر دلالة من هذه الملاحظة السطحية العابرة بتساؤلاتها التي تفقد قيمتها  ومعناها كلما تأملنا أكثر.

لنتذكر في البداية أنه في 20 شباط – فبراير 2011 بدأت انتفاضة شعبية كبيرة وواسعة في المغرب استمرت أسابيع عديدة تحت شعارات ومطالب سياسية واقتصادية ومجتمعية كبيرة ولم تهمد إلا بعد أن جرى تعديل كبير على الدستور أعقبه استفتاء عليه فانتخابات برلمانية مبكرة، والأهم تم تقليص كبير لصلاحيات الملك الدستورية. مما أنعش لحد كبير الحياة السياسية والمجتمعية الحرة في المغرب.

وكذلك الأمر في المملكة الأردنية الهاشمية حيث شهدت وتشهد باستمرار منذ عام 1989 أيام الملك الراحل السابق “حسين بن طلال” عدة احتجاجات شعبية واسعة، ثم بعد هدوء طويل نسبيا عادت بين عامي 2011 – 2012 لتظهر بشكل انتفاضة حقيقية تجددت أيضا عام 2018 بسبب تدني المستوى المعيشي للطبقات الوسطى، وكلها كانت تطالب بإصلاحات سياسية واسعة وإصلاحات اقتصادية كبيرة لصالح الفئات الفقيرة وكان يتم التعامل معها من قبل النظام الملكي ببعض التعديلات الدستورية مع تجاوب في بعض المطالب الاقتصادية والإصلاحية وتغييرات حكومية.

لنتذكر أيضا الرعب الذي انتاب ملوك وأمراء الخليج عندما انطلقت هذه الثورات بداية في تونس ومصر خوفا من انتقال عدواها صوبهم وكيف ترجمت السعودية هذا الخوف بأن صارت الملجأ الآمن للرؤساء المخلوعين عندما استقبلت الرئيس التونسي المخلوع “زين العابدين بن علي” وكيف طلبت وألحت على الرئيس المصري المخلوع “حسني مبارك” أن يلجأ إليها لكنه رفض.

وكيف استقبلت الرئيس اليمنى السابق “علي عبدالله صالح” للعلاج والاستشفاء بعد إصابته البليغة بانفجار في بداية الثورة على نظامه.

لكن الأمر الأهم الذي لا يدركه هؤلاء المتسائلين، أو هم يتعامون عنه ولا يريدون أن يدركوه، وهو أن

هذه الطبقات التي كانت قد بدأت بالتكون غداة الاستقلال منتصف القرن العشرين واستمرت بالتشكل والظهور حتى بداية التسعينات حيث بدأت بالتراجع والانهيار فالتلاشي في العقد الأول من القرن الحالي لصالح امتيازات أعطيت لنخب مالية جديدة وطفيلية تحت مظلة الانفتاح الاقتصادي وقوانين استثمار حديثة صيغت على قياس هذه النخب فقط مما أدى إلى تفكك البنى الاقتصادية الضخمة في تلك الدول الجمهوريات والتي كانت رافعة كبيرة لنمو الطبقات الوسطى.

انهيار الطبقات الوسطى هو ما شكل الجذر التحتي العميق لهذه الإنفجارات المجتمعية المتلاحقة  تباعا.
وانتفاضة الشعب اللبناني اليوم ليست بسبب تحكم رموز الإقطاع السياسي الطائفي والديني فحسب، وإنما السبب المباشر هو بداية انهيار الطبقة الوسطى اللبنانية اليوم نتيجة نهب المال العام والسياسات الاقتصادية الخاطئة فيه والتي تتراكم منذ سنين.

أما في دول ممالك وإمارات ومشايخ، أو لنقل محميات الخليج، ربما لا توجد ملامح لطبقة وسطى محلية مهددة لسببين:

أولهما: العائد النفطي الوفير مهما كان توزيعه غير عادل وهو بالتأكيد غير عادل.

ثانيهما: أن الطبقة الوسطى الحقيقية في تلك المحميات تتشكل ملامحها من العمالة الوافدة بشكل كبير عليها، وهذه العمالة لا خيار لها سوى الحفاظ على فرص العمل فيها مهما كان وضعها سيئاً أو جيداً، وأصلاً لا قضية لها غير الحفاظ على فرص العمل تحت أية ظروف كانت .. أو الترحيل.
لذلك فإمكانات الانتفاضة هناك تكاد تكون معدومة إلا ما حصل في البحرين عام 2011 حيث كان قوامها الرئيس طائفي دعمه نظام الملالي في إيران بشكل واضح وصريح، وكان في ذلك أحد أسباب قمعها بشدة فظيعة بتدخل عسكري من النظام السعودي، رغم شعاراتها وأهدافها الصحيحة والعادلة.

على هذا الأساس يمكن النظر إلى هذه الانتفاضات الكبيرة والقوية في الشارع العربي، في أحد وجوهها بمثابة تعبير صريح وواضح لمحاولة هذه الطبقات الوسطى العربية بإعادة تأهيل نفسها مجتمعيا وسياسيا من جديد، لاستعادة زمام المبادرة في دور اقتصادي جديد وفاعل بقصد نهضة مجتمعاتها وشعوبها. حيث لا مجال لنهضة في أي مجتمع من جديد إلا من خلال تكون ملامح طبقات وسطى كبيرة وواسعة وتكون فاعلة في دورها المجتمعي اقتصادياً تنموياً وثقافياً.

بداية لا بد من توضيح ما أقصده بفكرة العروبة هنا بعيداً عن كل الشعارات السياسية والأحزاب القومية التي نشأت وظهرت وحكمت باسم القومية العربية منذ منتصف القرن العشرين، والتي كان لها ما يبررها آنذاك. لكنها أخفقت سياسيا تماما منذ أواخر القرن.

ما أقصده بفكرة العروبة هنا هو اللاحم الثقافي المفترض لشعوب هذه المنطقة الثائرة اليوم، حتى غير العربية في أصلها العرقي أو الإثني، التي عانت قرونا طويلة من التزرزر والتشتت، حيث أن كل هذه الشعوب لها تاريخ مشترك لأكثر من 1400 عام مضت، وتتكلم اللغة العربية كوعاء ثقافي واحد لها جميعاً. طبعاً دون أن يكون ذلك مدعاة لتفوق عرقي للعرب أو لغيرهم ضمن إطار هذا اللاحم الثقافي الواحد والمتعدد في آنٍ معا. لا سيما أن بعض أعظم من ساهم في صنع الثقافة العربية الإسلامية عبر التاريخ شخصيات عبقرية ليست من أصل عربي لكنها كانت تتكلم العربية كأي عربي وكتبت أهم مؤلفاتها بالعربية وكانت تعيش في إطار الحضارة العربية الإسلامية الوسيطة.

لذلك يمكن الزعم والقول هنا أن العمق الثقافي الحضاري التاريخي المتعدد لهوية هذه الشعوب، كان عامل استنهاض قوي وكبير في اللاوعي الجمعي لها في ذلك، فأزهار الربيع تزهر وتثمر أكثر، بالرغم من معاناة الشتاء القاسية، كلما كان لها جذور قوية في باطن الأرض.

من هذا المفترق بين إخفاق فكرة القومية العربية النهائي بدلالتها السياسية كما كانت في القرن العشرين وبين الحضور المضمر غير المباشر للاحم مجتمعي ثقافي تاريخي مضمر في قلب حدث سياسي ثوري بامتياز في كل الشوارع العربية المنتفضة

ربما لأن عصر القوميات ولّى وانتهى في زمن العولمة والرأسمال المالي وتقنيات وسائل الاتصال الحديثة التي فتحت العالم على بعضه بشفافية غير مسبوقة في التاريخ، ولم يبقى أمام المجتمعات المتخلفة والطرفية إلا البحث عن لواحم مجتمعية ثقافية تؤهلها للدخول بالعالم بشخصية واضحة قوية ومنفتحة التفكير كي لا تضيع ويتم تهميشها من جديد.

ولعل من بعض الشواهد الدالة اليوم على أن “فكرة العروبة” تتعافى من جديد فعلا:

  1. هو أن انتفاضات الشعوب العربية التي بدأت عام 2011 مستمرة بعدوى موجات متلاحقة في العديد من ساحات وشوارع العالم العربي حتى اليوم.

  2. التشابك والترابط في لغة الشارع العربي المنتفض في كل بلدانه، والتكامل في الشعارات المرفوعة وابتكار وتبادل الأساليب الجديدة في التعبير، كما في الهموم والمعاناة والأهداف المشتركة.

  3. تبادل التضامن في الشعارات المرفوعة وهتافات الحناجر، بين شوارع المدن العربية التي انتفضت وفي الملصقات والأعلام المرفوعة، بعيدا عن رقابة أو توجه أي سلطة حاكمة أو حزب سياسي ما. وهذا أمر يمكن لأي متابع للأحداث الجارية أن يلاحظه بسهولة. وهذا ما يشير بدلالة أعمق إلى رغبة التخلص من الشوائب السياسية التي لحقت بفكرة العروبة إبان المرحلة القومية، بكل سلبها وإيجابها.

  4. الاهتمام الشعبي العربي والثقافي والإعلامي الواحد بكل هذه الانتفاضات من مختلف النخب الثقافية والمؤسسات البحثية والإعلامية العربية وكأنها هم مشترك واحد للجميع في كل دول العالم العربي.

ثمة ظواهر عديدة أخرى أفرزتها، وحقائق عديدة كشفت عنها وتكشف باستمرار، هذه الثورات المتتالية منذ ثمان سنوات، تحتاج لمتابعة حثيثة يوميا، فالوضع الثوري هو في حالة تشكل دائم وفاضح للجميع، لأن زمن الثورات الحقيقية هو دائما زمن كاشف.

معاذ حسن / كاتب سوري
مجاز فلسفة من جامعة دمشق.
أشرف على تجربة صالون طرطوس الثقافي في منزله بين عامي 1991-2001
صدر له كتابين هما:
“مقاربات في سوسيولوجيا الإخفاق- المجتمع العربي نموذجا” عام 2015
“فكرة الزمان والوعي التاريخي” عام 2019

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق