حصاد اليومقلم توكموزاييك

الشحّادون والحرب والدولار

لكل مدينة متسولون يشبوهونها، ولللاذقية متسوليها مع لمسة جنون، بعضهم دبق ومزعج كطقس هذه المدينة البحرية في يوم حار، والبعض الآخر كالبحر يلفتون انتباهك وأحياناً تتجه نحوهم وتعطيهم النقود مقابل أن يتحدثوا إليك لبضع دقائق!

هم مشهورون كأي فنان أو مطرب محلي، فمعظم سكان اللاذقية يعرفون كتكوت وعادل وهيام.

كتكوت وهو لقب لرجل يبلغ من العمر حوالي الخامسة والخمسين، بذقن كثيفة وبنية جسدية متينة وثياب رثة يسببون بعض الخوف للوهلة الأولى وحين يطلب منك المال يطلبه بشيء من العدائية وبالطبع المبلغ الذي يطلبه أحيانا يكون غير منطقي..! بجدية يقول:
“اعطيني مليون ليرة عندي شغل فيهن وبحاجتون كتير..”
حين يجيبهُ أحدهم : أوووف مليون كتير، مو كتير؟!
يبدء بالمساومة حتى يصل إلى مبلغ زهيد! وأحياناً يطلب أن تقرضه مبلغاً من المال ويعدك بإرجاعه بعد يومين..!.

ذات مرة سألني كتكوت كي أعطيه مالاً فقلت له: أنت لست مجنون بل تدعي الجنون وتضحك علينا؟ فتركني ومضى مشيت خلفه وقلت سأعطيك مليون ليرة إذا جاوبت على سؤالي: لماذا تتدعي الجنون؟! ضحك وقال لي بالحرف الواحد “بدنا نعيش” وذهب دون أن يلزمني بدفع المليون ليرة.

الحرب وارتفاع سعر الدولار لم يؤثرا عليه اقتصادياً فهو رغم كل ما حدث لم يغادر الشارع حتى هذه اللحظة فالشارع بيته الفسيح، ولم يغير سياسته بخصوص ألية طلب الصدقة قبل وبعد الحرب، وبالطبع كتكوت لا يتابع نشرات الأخبار ولا يقرأ الصحف ولا يوالي ولا يعارض أحد، ولكن على ما يبدو هو يدرك أن لمدينة اللاذقية خصوصية من نوع ما..

ذات مرة قال وبصوت عالٍ لأحد العاملين في مقهى يتردد عليه دائماً : “إذا كان اسمك “علي” مفكر أني رح خاف منك وما بقا ادخل اطلب مصاري من الناس أنا بدي عيش ليش مابتخليني فوت..!”

رغم قسوة الحياة على كتكوت لم يحدث ولامرة أن طلب من أحد أن يعطيه نقداً أجنبياً فهو لا يفكر بالهجرة ولا بالادخار إنه يعيش كل يوم بيومه.

في الوقت الذي كانت فيه الكثير من الدول العالم متخبطة بمواقفها وتصريحاتها تجاه سوريا بقي عادل ثابتاً على موقفه ورؤيته للتسول وكان على مسافة واحدة من جميع السوريين..

عادل الذي لم يتجاوز الخامسة والأربعين والأنيق بالنسبة لمتسول، يختلف كلياً عن كتكوت من جهة المظهر وألية التسول!

عادل ذو القامة القصيرة كل يوم يحلق ذقنه يلبس بنطال أسود وقميص أبيض وحذاء لا بأس به ويذهب ليطرق أبواب المنازل وما أن يفتح أحدهم الباب حتى يرى ابتسامته وهو يطلب ملعقة سكرأو شاي أو قهوة وما شابه ..

وفي الطريق يطلب من المارة فقط خمس ليرات سورية ونادراً ما يُقابل طلبه بالرفض هو يدير أموره بإسلوب دبلوماسي لم يتغير بفعل الحرب وارتفاع الدولار.. أناقة مفرطة بالنسبة لمتسول ابتسامة دائمة ويطلب أشياء قليلة القيمة.. مؤخراً بدء يطلب من المارة خمسين ليرة ربما أدرك أن عليه أن يواكب المتغيرات وخصوصاً ارتفاع الدولار !!

ولهيام حكايتها أيضاً في شوارع اللاذقية تلك المرأة التي لم تبلغ الخمسين من العمر بملامحها القاسية وجسدها الضخم إلى حد ما وهي معروفة من قبل الجميع بعدائيتها للنساء، والرواية تقول أن سبب هذه العدائية هو زوجها الذي خانها مع كثيرات قبل أن تصبح مجنونة أو ربما تدعي الجنون ..!.

في ذروة الازدحام والضجيج يمكن أن تسمع صوتها وهي تردد كلمات بذيئة وسوقية أمام الجميع، ولازالت كما كانت قبل الحرب تستحم في الشارع عارية ولا أحد يجرؤ على النظر إليها أو توجيه كلمة واحدة..!

نادراً ما تطلب مالاً من أحد، ولكن ثمة الكثير من الذكور يعطونها المال مقابل فتح حديث إباحي معها وتصويرها عبر الموبايل وهي تتحدث وبالطبع لها فديوهات منشورة على الانترنت.

هيام لاتطلب من أحد نقوداً بشكل مباشر ولكن حضورها الملفت هو من يجعل الاخرين يبادرون لإعطائها المال والطعام.

منذ حوالي أكثر من أربعة أعوام غابت هيام عن شوارع اللاذقية ولم تظهر حتى هذه اللحظة !غيابها الكلي وغياب كتكوت الجزئي مؤخراً أفسح المجال لظهور وجوه جديدة في الشارع، وكأن المدينة لايمكنها أن تعيش دون متسولين يجوبون شوارعها.

رامي غدير

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق