السلايد الرئيسيتحقيقتقاريرحصاد اليومرصدسوري

الكوميديا السوداء شقيقة الليرة السورية ..ماذا تفعل زيادة خجولة للرواتب أمام صاروخ الدولار .!


الاتحاد برس_ دمشق:
إعداد: عبير صارم

● زيادة خلّبية لكن  20 ألف حلوين 

●  لأسباب ارتفاع الدولار شجون 

● الزيادة مجرّد عظمة 

يتناقل السوريون اليوم أخبارارتفاع الدولار بشيء من الكوميديا السوداء التي تدل على فقدانهم الأمل بأن يعود إلى سعر معقول لتسيير أمور حياتهم اليومية في ظل غلاء غير منطقي وغير مستقر. التدهور في سعر صرف الليرة أمام الدولار  تسبب في مفاقمة سوء معيشة المواطنين إلى حدود قصوى ومن المرجح أن تتجاوز على ضوء هذا الانحدار تقديرات المنظمات الدولية ل خط الفقر في سوريا الذي تخطى 70 بالمئة ممن يعيشون في البلاد.

في ظل هذه الظروف صدر قرار مفاجئ أمس يتضمن زيادة بالرواتب وصلت إلى 20 ألف فوق الراتب للمدنيين والعسكريين، وتنوعت ردود أفعال الشارع السوري وتباينت حول الفجوة بين الواقع والزيادة والبعض اعتبرها شيئًا إيجابي في  موجة الغلاء التي تشهدها الأسواق السورية، والبعض اعتبرها خلبية ولا معنى لها، ضمن هذه الموجة من الغلاء المتنامي.

زيادة خلّبية لكن 20 ألف حلوين 

 “خليل س”  شاب في العقد الرابع من عمره خريج هندسة وموظف في أحد الدوائر الحكومية، كان يبدو ممتعضًا وراضيًا بنفس الوقت لموضوع الزيادة، يقول اختلطت عليّ المشاعر، ولست أدري هل أكون سعيدًا أم حزينًا، فالزيادة يجب أن تقرّ ولكن الأسعار ستزداد معها لا مفر، يتابع ضاحكًا  ” بحسبة بسيطة، وبالعقل والمنطق منذ سنة ونصف كنا نتقاضى 43 ألف ليرة يعادل 100 دولار 

لأن الدولار في وقتها كان يعادل 425 لليرة الواحدة، اليوم وبعد أن ارتفع الدولار وأصبح ب 750 ليرة يكون الراتب 57 دولارًا وما زلنا نتقاضى الراتب نفسه”.

وهذه الزيادة التي تعادل 20 ألف ليرة تعادل 26 دولار، إذًا 26 مضافة إلى 57 دولار يصبح مجموع مانتقاضاه 83 دولار.

واستنتج بعد أن قام بحساباته جميعها بأنّ الراتب انخفض 17 دولار، وهذا فقط ما ينطبق على شخص بعد 17 سنة خدمة في دائرة حكومية ومازال على رأس عمله، ولم يشمل الأشخاص ذوي الفئة الثانية أو المتقاعدين”.

وبحسب موقع الليرة اليوم كان سعر الدولار في 11 نوفمبر 2018  يعادل 489 ليرة سورية أما اليوم تجاوز 745 وذلك في السوق السوداء.

وعلى الرغم من مبادرة عملتي قوتي التي أطلقتها غرفة تجارة دمشق بالتنسيق مع مصرف سورية المركزي، والمتمثلة ببدء تدخل قطاع رجال الأعمال من خلال حساب خاص بالغرفة لدى المصرف التجاري السوري لخفض سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة السورية في السوق الموازي بتاريخ الأحد 13/10/2019 إثر استكمال الإجراءات التنفيذية في المصرف التجاري السوري، إلا أن سعر صرف الليرة السورية في السوق الموازي كما رصدناها انخفض انخفاضًا طفيفًا جدًا.

وبلغ الدولار في 15 أكتوبر 630 ليرة سورية بعد أن كان في 12 أكتوبر 656 ليرة سورية، ما لبث أن عاد للارتفاع تدريجيًا حتى بلغ في 663 ليرة سورية في 31 أكتوبر استمر بالارتفاع تدربجيًا حتى 21 نوفمبر  بواقع 750 ليرة سورية، الأمر الذي يعني أن المبادرة كانت بلا معنى.

يقول “خليل س” بالنسبة لعائلة مثل عائلتي مكونة من أربعة أشخاص أنا وزوجتي وطفلي يجب أن أتقاضى ما يقارب 150 الف ليرة سورية، حتى اكتفي فقط من حاجاتي الأساسية دون الحصول على ترف الخروج في نزهة إلى أحد المطاعم، الأمر الذي قد يكلفني ” بقرة جحي” وأبقى مكسورًا لبقية الشهر، أي غداء أو عشاء خارج البيت سيكلفني نصف راتبي”.

والمصرف المركزي ثبت سعر الصرف  بواقع 434 ليرة للدولار الواحد. لكن هذا السعر لايعتبر حقيقيًا أمام موجة الأسعار المحلّقة التي ترتبط دومًا بسعر الدولار.

إذًا الزيادة خلّبية مع تصاعد الدولار الذي يؤثر على الأسعار، لكنه يستدرك ” 20 ألف حلوين كتر خيرا الدولة” بحسب تعبيره. 

لأسباب ارتفاع الدولار شجون  

هو ما بدأ به “فادي ع ” كلامه وهو الموظف حكومي والمهندس المدني الذي لم يتزوج بعد، على الرغم من بلوغة سن 40 عامًا، فقال: ” لأسباب ارتفاع  الدولار شجون، ثم ابتسم  وتابع “بماذا أبدأ” تساءل ثم قال ” اعتقد أن سبب الزيادة الكبيرة لسعر الدولار أمام الليرة، هو احتكار التجار وتلاعبهم بالأسعار، واتهمهم بأنهم قاموا بتحويل الأموال الموجودة بالليرة السورية إلى دولار بالإضافة لاستمرار تهريب الدولار الموجود داخل سوريا إلى خارجها.” كما اعتبر أن  ما يحدث اليوم في دول الجوار والحلفاء سبب ثانٍ لارتفاعه.

أوضح فادي  ” أنا كمواطن بسيط غير مختص بالشؤون الاقتصادية شأني كشأن جميع الناس اعتقد أن ما يحدث في دول الجوار والحلفاء يؤثر على عملتنا بشكل مباشر، فمداخيل الدولار من التصدير إلى العراق ولبنان كونهما دول الجوار الوحيدتان اللتان نستطيع التصدير إليهما بعد فرض الحصار والعقوبات علينا من قبل الدول الأخرى” .

لكن رئيس مجلس الوزراء “عماد خميس” اعتبر أن الارتفاع سببه الشائعات والمضاربات، وهو ما أكده يوم الأربعاء في 20 نوفمبر وخلال لقائه مع القائمين على القطاع المصرفي من وزراء ومديري المصارف العامة والخاصة.

وقال : إن أسباب تراجع سعر صرف الليرة والتقلبات السريعة  صعوداً وهبوطاً تتبع لعوامل عديدة ولقرارات معينة، وشائعات إعلامية أو صفقات لمضاربين مستفيدين يدفعون عليها ملايين الدولارات” ،مؤكداً أن بعضها اليوم مرتبط بانتقال العملة بشكل منظم وغير شرعي إلى بعض دول الجوار.

وفي وقت سابق أرجع حاكم مصرف سورية المركزي، “حازم قرفول“، ارتفاع سعر صرف الدولار إلى  “حملة ممنهجة لإضعاف الليرة والاقتصاد وزعزعة الثقة بالمصرف المركزي، ودفع المواطنين إلى الخوف والتخلي عن عملتهم الوطنية”. معتبراً  أن الارتفاع في سعر الصرف “وهمي وليس له أي مبررات اقتصادية وليس له أي مستند على الأرض إطلاقاً”. الأمر الذي أثار ردود أفعال ساخطة من قبل الناس.

يفسر تقرير للبنك الدولي أسباب ارتفاع سعر الدولار، بانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي بين العامين 2010 و 2016، من 60.2 مليار دولار إلى 12.4 مليار دولار. وبالتالي، اعتمدت الحكومة بشكل متزايد على البنك المركزي لتغطية نفقاتها، ما أدى إلى انخفاض احتياطي العملة الصعبة من 20 مليار دولار في العام 2010 إلى 0.7 مليار دولار في عام 2015.

كما  أشار تقرير آخر  صدر في 2017 إلى  أن الاقتصاد السوري يعاني  من عجز مزدوج حاد، واستنزاف احتیاطیات النقد الأجنبي، وارتفاع في الدين العام مستدام.

وأدت التعطيلات الناتجة عن الصراع والعقوبات الدولیة إلى خفض الصادرات السوریة بنسبة 92% بين عامي 2011- 2015، وتشير التقديرات إلى أن العجز في الحساب الجاري بلغ 28% من إجمالي الناتج المحلي عام 2016 ،بعد أن سجل 7.0%عام 2010 وكان تمویل ھذا العجز یجري على نحو متزاید بالسحب من احتیاطیات النقد الأجنبي التي انخفضت بشدة من حوالي 21 ملیار دولار عام 2010 إلى أقل من ملیار دولار عام 2015 .وانخفضت إیرادات الموازنة من 23% من إجمالي الناتج المحلي عام 2010 إلى أقل من 3% عام 2015.

ويرجع ذلك أساسًا إلى تراجع عائدات النفط والضرائب، وانھیار التجارة مع بلدان العالم بسبب العقوبات، ونمو الاقتصاد غیر الرسمي، وضعف قدرة الإدارة على الجبایة.

وتصدیًا لھذا النقص، تم تخفیض الإنفاق الحكومي وخاصة النفقات الرأسمالیة، لكن ھذه التدابیر لم تكن كافیة لتعویض انخفاض الإیرادات. ونتیجة لذلك، ارتفع الدین العام الإجمالي من 30% من إجمالي الناتج المحلي عام 2010 إلى 150% عام 2015.

و اعتبر الباحث الاقتصادي يونس الكريم  أن العامل الأساس وراء تدهور سعر العملة السورية هي  الاختلالات الهيكلية في بنية الاقتصاد السوري. وأحد الأسباب برأيه هو استعجال الحل العسكري، فالمنظمات الدولية  التي كانت تموّل المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة المسلحة،كان لابد من التفاوض لنقل مراكزها من الأردن ولبنان إلى سوريا، وبما قد يعوض عن خسارة الأموال التي كانت تأتي إلى مناطق المعارضة المسلحة على شكل منح ومساعدات إنسانية، وتصب في النهاية في المصرف المركزي رافدة احتياطيه من العملة الصعبة. بحسب تعبيره، ورغم ذلك لا يشكل هذا الأمر إلا أثرا جانبيا كما قلنا لهذه النتائج التي نراها الآن.

كما أنّ هناك العقوبات الاقتصادية التي حالت دون وصول النفط الإيراني إلى مناطق سيطرة الحكومة ما فرض الاعتماد على النفط المستورد عن طريق لبنان، بكميات محدودة، متسبباً في استنزاف احتياطي العملة الصعبة مع تمويل المستوردات عمومًا، أدى لتدهور النشاط الاقتصادي و حدوث التضخم بشكل متواصل.

في وقت سابق، أعلن رئيس مجلس الوزراء “عماد خميس” في مجلس الشعب في سورية 15/ 9 / 2019 في دورته البرلمانية الثانية، بأن “المصرف المركزي السوري صرف كل ما لديه من احتياطي نقدي، خلال السنوات الخمس الأخيرة من الحرب”.

وهذا يعني أنه لا غطاء بعد اليوم للورق السوري المطبوع باسم الليرة السورية، وأن دخل الخزينة السورية من الانتاج النفطي انخفض من قيمة 380 ألف برميل يوميًا إلى  الصفر، ما معناه بأن الزيادة المطروقة، تمت بطباعة ورق عملة دون تغطية عملة صعبة أو انتاج، الأمر الذي سيسوق المزيد من التضخم والزيادة في الأسعار. 

يقول ” فادي ع” بأن الحرب أثّرت على مستوى المعيشة بشكل كبير، اليوم من الاستحالة لا بل تعتبر جريمة أن تسعى لتكوين عائلة، لا تستطيع أن تؤمن كافة احتياجاتها. وأي زيادة لن تكون كافية لتغطية تدهور الأسعار، إذا فالحل هو البقاء أعزبًا” 

الزيادة مجرد عظمة 

لم تختلف ردود الأفعال على الصفحات الزرقاء عن “خليل وفادي” التي تباينت بين التندر والشكوى ووصلت إلى الشتائم أحيانًا.

إحدى الصفحات السورية وتسمى “سوريا فساد في زمن الإصلاح“،  ابتدأت تعليقها بسؤال ” ماذا قرأ  الموظف في زيادة الراتب،  تحليق للدولار وارتفاع جديد مرتقب لأسعار المواد والسلع، والتجار الكبار لي “قلبهم ع البلد” أتتهم الفرصة لكي يمتصوا الزيادة”.

وكانت أجوبة زوار الصفحة متنوعة يصاحبها التندر المصحوب باليأس من إيجاد حل، وجاء تعليق  “عثمان عثمان” لاذعًا قال “في اجتماع للحكومة مستعجل كيف بدن يشلحوه للمواطن تيابو” في تلميح منه بأن الحكومة فاسدة وسارقة، بين وصف ” أخيل عدي” الزيادة بأنها “عظمة” وأجرى مقارنة بين سعر الدولار والزيادة المطروحة حيث قال  ” كان الدولار 600، صار 740 يعني زاد الراتب 5000 ليرة كيف تمتع نفسك ب 5000 ليرة بسوريا، يعني عضمة”.

أما “أبو يعرب الحلبي” فأثنى على الذين هاجروا من البلد واعتبر أنهم كانوا بتمتعون ببعد نظر وتابع قائلًا ” ثبت بعلم اليقين أنه لم يبقَ إلا المتحكمين المتنفذيين و ال……. ليركبوهم و يتابعوا عليهم  المسير” بحسب تعبيره .

وفيما نشرت صفحة دمشق الآن مرسوم الزيادة كما هو، وانهالت التعليقات بين راضٍ ومستهجن مقارنًا الزيادة مع ارتفاع الدولار التي حتمًا ستترافق مع ارتفاع الأسعار.

وعبرت “راما الصفدي” إحدى زوار الصفحة عن  سخطها واصفة الزيادة على أنها استخفاف بعقول الشعب وقالت “يعني كان الراتب 55 دولار قبل فتره وبعد ارتفاع الدولار صار راتب الموظف 35 دولار بالشهر وهلأ رجعت على الـ 55 دولار بعد الزياده ياحسرتي اديش عم تضحكو على هالشعب لا والشعب مبسوط ومروق عالزيادة مابيعرف انو العملة انهارت والاسعار رح تصير اضعاف مضاعفة”.

أما الملقب بـ “ورد ريحان” فعبّر عن معاناته بعيدًا عن الدولار وضجيجه، وطالب بالتسريح من الخدمة العسكرية وقال “مابدنا زيادة رواتب بدنا تسريح يلي صرلو 7 سنين وفوق”.

وفي جولة لصفحة السويداء 24  التي نشرت قرار الزيادة كما هو، جاءت التعليقات مستهجنة للفرق الكبير بين سعر الدولار والزيادة  وقال الملقب بـ “نورس النورس“: “مشكورين على هذا القرار بس الفلاح شو بيعمل بحالو بوضع غلا الأسعار يلي ما عندو راتب شو بيعمل بحالو يا سيادة الرئيس او هذا مش مواطن”.

فيما تساءل “رامي الصفدي” زائر آخر للصفحة عن الشهادة الجامعية لوزير الاقتصاد وخمن أنها ربما تكون هندسة ديكور في تلميح منه على سبيل التندر بأن الوزير لايعرف ماذا يفعل وقال “يالله كيف بصير في زيادة بهيك وقت …. ماعنا انتاج ماعنا اكتفاء ذاتي … ورح نستورد بالدولار … زيادة رواتب يعني زيادة طلب عالسلع يعني زيادة استيراد يعني زيادة طلب عالدولار يعني ارتفاع اسعار اكتر من قبل “وزير الإقتصاد شو دارس ؟…..هندسة ديكور”.

من جهته صرّح عاطف النداف” أمس الخميس 21 نوفمبر بأنه  فور صدور المرسومين التشريعيين بزيادة الرواتب، أوعزت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك إلى مديرياتها بكافة المحافظات تكثيف الرقابة على المحلات التجارية، سيتم التصدي بحزم لكل من تسول له نفسه رفع أسعار أي مادة أو سلعة غذائية أو استهلاكية والخروج عن الأسس والقرارات الناظمة لعملية التسعير والالتزام بما يصدر عن الوزارة من قرارات ناظمة لتنشيط عملية البيع والشراء وطرح المواد بالأسواق بأسعارها الطبيعية والمنطقية.

وخلال السنوات السابقة من عمر الحرب  لم يحدث أي ضبط للأسعار، واستمرت موجة الغلاء بالاستعار، وليس من المعروف إن كانت الوزراة فعلًا ستتمكن من تنفيذ وعودها بضبط الأسعار، ولكن حتى في ظل ضبط الأسعار مازالت الزيادة أدنى بكثير من الحاجات المعيشية، ويبقى المواطن السوري اليوم رهين لعنة الحرب ولعبة التجار والسياسة دون أفق مفتوح لحلول قريبة …. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق