أمّهات الهاربين .. روايات كَتَمَها القمع (الجزء الثاني)

الاتحاد برس

خاصّ _ الاتحاد برس 

عرضنا في الجزء الأوّل من هذا التحقيق لأهمّ ما جرى مع أمّ مهنّد وابنها الذي كان محاصراً في منطقة باب الهوا في ريف حمص قبل أن تتخذ أمّه قراراً مصيرياً بضرورة انشقاقه عن الجيش وسفره إلى خارج البلاد.

تحمّلت أمّ مهنَّد ضغطاً نفسياً عظيماً في إخفائها لتلك الخطّة على زوجها وعاشت أوقاتاً عصيبة أثناء تنفيذ لخطواتها، خاصّة عندما تعرّف أحد العناصر عند حاجز المطار على هوية ابنها الحقيقية، قبل أن تنجح أمّ مهنَّد في تضليل العنصر والخلاص بابنها من اعتقالٍ كان وشيكاً.

ولكن هل استطاع مهنّد العبور من القامشلي إلى تركيا؟ وما الذي عايشته أمّ مهنّد في أثناء ذلك؟

الوصول إلى القامشلي .. بداية أخرى

تقول أمّ مهنّد للاتحاد برس:
” عندما خرجنا من مطار القامشلي إلى الشارع شعرت بوخزٍ شديد في قلبي، كأنّه أخذ يعتصرُ ويتقلّص ويتمدّد بطريقةٍ لم أشعر بها في السابق قطّ. كانت مشاعري خليطاً من الخوف والفرح والحزن.”.

تضيف أمّ مهنَّد:
“خائفة مما ينتظرنا في القامشلي، وسعيدة بأنّنا انتهينا من أصعب مرحلة، وحزينة لأنّي قد لا أرى مهنّد ثانيةً، فكدتُ أنسى، في غمرة خوفي، أنّ ابني مقبلاً على سفر وأنّ عليّ أن أشبع من رؤيته.”.

إنّها المرحلة الأخيرة من هروب مهنَّد بعد قرابة الستين ساعة من الخوف والتخطيط والتنفيذ والسفر ومحاولة الإفلات من سلطة تدفع بأبناء شعبها إلى حرب أهلية تشكّل دماء الشباب وتضحياتهم وقوداً لها.

عبرَ مهنَّد إلى تركيا بعد أربع محاولات فاشلة قامت خلالها القوات التركية المرابطة عند الحدود بإطلاق النار مخيفةً بذلك جماعات النازحين إلى أراضيها. عن ذلك تحكي أم مهنّد:

“لقد أنهكت تماماً أثناء تلك المحاولات، فوالده يهدّدني بالطلاق من جهة، وهو يحاول التملّص من المحاولة مراراً، أمّا بالنسبة لي فكان الأمر لا يصدَّق؛ أن أودّع ابني أربعة مرّات من ثمّ يعود إليَ بعدها، كانت كلّ الأمور فوق طاقتي.”.

سألت أمّ مهنَّد: عن ردّة فعل الأب بعد سفر ابنه بهذه الطريقة، فأجابت:
” كان مصرّاً على الطلاق لولا تدخّل أخيه في الوقت المناسب ليوهمه أنّه من كان وراء هذه الخطّة وأنّه من اضطلع بكلّ خطواتها ولم أكن سوى مساعدة في ذلك.”.

اليوم يعيش مهنَّد في السويد وقد تزوّج من فتاة سورية وأنجبا طفلاً سمّياه غيث، ويعيش مع عائلتهِ بعيداً عن الحرب وويلاتها.

كان مسجوناً .. وكنتُ أكذب

لم تكن قصّة أمّ مهنّد التي أخفتها إلا واحدةً من قصص كثيرة تنعجن في قلوب مئات الأمّهات وربّما الآلاف اللواتي يخفن إلى اليوم من الحديث عن قصصهم خشية سلطة قمعية قد تسعى خلفهم أو خلف أبنائهم الذين ظلّوا في الداخل السوري ولم يسافروا.

عليا (أمّ تميم) التي تبلغ من العمر 52 عاماً وأمّ لثلاثة أشقّاء، تحكي لنا عن قصّتها مع تهريب ابنها الأكبر تميم، وعن بقاءه في أحد أحياء دمشق مختبئاً لثلاثة أعوام كاملة.

تخرّج تميم (26 عاماً) من كلية هندسة الميكانيك جامعة الهمك في دمشق عام 2014، وفي العام نفسه طُّلب تميم للالتحاق بالجيش، فتقول أمّ تميم:

” لقد تخرّج تميم بمعدّل جيّد جداً ولكننا لم نكن نملك المال الكافي لإرسالهِ للدراسة في الخارج؛ فاضطر الصبي لانتظار والده حتّى استطاع بيع أرض في البلد (القرية) ومن ثمّ سافر إلى ألمانيا، لم نفكّر أبداً ولو للحظة في السماح له بالخدمة في الجيش.”.

تخبرنا أمّ تميم عن تلك السنوات التي كان تميم ينتظر خلالها توفير المال، فتقول:
” لقد كان مسجوناً، وكنت مضطرةً للكذب على الجيران والمعارف بقولي أنّ تميم يعمل في لبنان ولا ينزل إلا زيارات إلى هنا، ونتيجة لخوفنا هذا كان تميم لا يخرج إلا ليلاً، وإذا خرجَ فإنّه لا يغادر الحيّ خوفاً من حاجز طيّار أو دورية قد تمرّ بجانبه صدفةً فيكون عندئذٍ الولد قد صار في خبر كان.”.

سنوات من الهلع والترقّب عاشتها أمّ تميم إلى جانب زوجها خوفاً من أن يُقاد ابنها إلى الجيش، المؤسّسة التي تصفها أمّ تميم بـ”فزّاعة الشباب” و “السبب الرئيس في هجرتهم”، كانت سنوات صعبة تمشي أيّامها ببطء شديد فتقول أمّ تميم:

” عندما كان يخرج تميم من المنزل ليلاً كنت أبقى مستيقظةً أصلّي وأدعو في قلبي حتّى أسمع صوت المفتاح يقرقع في الباب، فأعلم أنّه عاد ولحظتها فقط أستطيع النوم.”.

تشهد البلاد سنوياً مراسمَ عفوٍ (رئاسية) في حقّ المتخلّفين عن الالتحاق في المؤسّسة العسكرية؛ الهدف منها إعطاء فرصاً إضافية للشباب المنشقّ أو الفار أو المتخلّف عن الجيش لتسوية أوضاعه مجدّداً والعودة إلى الطريق السالكة نحو تعزيز ضحايا المقتلة السورية.

قد يعجبك ايضا