تعالوا إلى رؤية سواء بيننا

رئيس التحرير ـ أيهم صقر

حدثان متتاليان انقسم خلالهما الشارع السوري المعارض بشكل هستيري؛ الأول “مبادرة” المجلس العسكري، حيث تناولت أقلامٌ وحواراتٌ، ارتباط المطلب/المبادرة باسم العميد “مناف طلاس”، تلاه حكم محكمة “كوبلنز” الألمانية على العنصر في جهاز أمن الدولة في سوريا “إياد الغريب” بأربع سنوات ونصف.

وجهات نظر متباينة بشكلٍ لافتٍ تناولت القضيتين، وهذه المرة ليس بين الموالاة والمعارضة، بل بين من يعتبرون أنفسهم معارضة، لكن معارضة لمن وعلى من!

صراع الآراء المتضاربة أظهر كما في كل مناسبةٍ مشابهةٍ غيابَ مفاهيم العمل السياسي وإدارته بشكل منظّم؛ فبات السوري صيداً سهلاً لطرح وجهة نظرٍ سريعةٍ وعفويةٍ للحدث بحد ذاته، أو التماهي مع وجهة نظر سياسيٍ يراه الأفضل فيتبعه. كيف لا؟! والسياسي السوري يطرح نفسه كسياسي ومثقف وكاتب وخزّان من المعلومات المختلفة التي لا يعلم بها أحدٌ غيره، ومفكرٌ ثوري وإصلاحي وصحفي ومتحرر وعلماني ومتدين.

ربما يظهر لنا على “التيك توك” كموسيقي أو طبّاخ لا يحرق الطبخة، لكن يحرق كل أساسات العمل السياسي،

باتت مائدة الحراك السياسي السوري المعارض كالموالي متخلّفة وباهتة اللون والطعم في دسم اللعبة السياسية الدولية ومحترفيها

بالطبع، سيخرج من يقول أن القرار السوري محكوم بمصالح دول، وهذا مبحثٌ آخر يحتاج إلى سردٍ طويلٍ لا ينتهي، لكن على الرغم من ذلك، فإن الحراكات السياسية التي تتمتع باللياقة واللباقة والحرفية غائبةٌ تماماً عن حاضرنا، وذلك على مستوى التقاليد السياسية بالمضمون والفكر وامتلاك مهارات الطرح، وحركة الجسد التي يفتقدها أغلب العاملين في الحراك المعارض، لكن أقلامهم كانت حاضرة بقوة لتنتقد بشكل لاذعٍ حركة جسد “بشار الأسد” وارتباكه حين وُجّه له الأمر بالوقوف خلف خطٍ أصفر في قاعدة “حميميم” أثناء إلقاء “بوتين” لكلمته.

خطٌ واحدٌ من بين خطوط كثيرة يُمنع عليه تجاوزها إلا بأمر من الشرطي الروسي الذي ينظم اقتصاده ومشاكله الداخلية على حساب الفوضى السورية.

لا أسعى إلى فتح باب التنظير بمستوى الأداء السياسي، بقدر ما هو لفتُ انتباهٍ بمدى حاجتنا ل”رؤية عملٍ سياسيٍ” تكون مرتكزاً لهيكليةٍ منظمةٍ وواعيةٍ للمسؤوليات، وتدرك واجباتها وأين تتقاطع مصالحها مع الآخر. رؤيةٌ ذكيةٌ تُخرجنا من التصنيفات المتعلقة بمن يحب سوريا أكثر، ومن يحق له أن يُقصي رأي الآخر وفق قاعدةِ الأكثر تأذٍّ، وهو ما فشل به ساسة المعارضة فشلاً ذريعاً.

سمعت في جلسة حوارٍ، يوماً ما، إحدى الناشطات المعارضات من مريدي السيد “مناف طلاس” عزت دعمها له بكونه “كشكل بيبيض الوش”. سابقاً، سمعنا مريدو “جهاد مقدسي” يثنون على كونه “مرتب” رغم عيشه في ظل أفكاره التي لا نعلم عن ترتيبها شيئاً، وصولاً للسيد “جمال سليمان” الذي يقدم أداءً اعتقد أنّه الأفضل من ناحية تصدير نفسه كفنان يجيد حركة الجسد التي يعلّمها هو نفسه لطلابه في معاهد خاصة، لكنه كسياسي افتقد “الرؤية” حين خرج علينا بحماسٍ زائد وحلٍ وحيدٍ هو مطالبته بمجلس عسكري ترفضه الأغلبية، وترى به بعض الأصواتِ القليلةِ بدايةً لفك العقدة السورية.

على مقلبٍ آخر، نجد “الأسد” الابن، قد تلقى من جمهوره أسمى آيات التهاني والتبريك لأنه لبس “الجاكيت” نفسه مرتين، المتواضع الذي يخلع حذاءه على أبواب بيوت الجرحى التي يزورها برفقة عائلته بعد أن طحنها ببسطار الحرب، وهنا أيضاً تغيب أي رؤيةٍ سياسيةٍ أو اقتصادية لمريديه المخذولين، فالغباء الإداري تحت سلطته وبإدارته تم اختصاره بالبطاقة الذكية.

نبحر كسوريين نحو مجهولٍ سياسي مرتبط بجهل ممارسيه، كمغامرة نجاة تحاكي إبحار اللاجئين ببحر المتوسط نحو الحلم الأوروبي الذي اصطدم ببيروقراطيته أغلب من وصل القارة العجوز، فتنقسم الآراء والأفكار حول جودة الحياة اللندنية والبرلينية والباريسية وانفتاح أمستردام على العالم، لكن حياة هذه المدن عند البعض مفسدةٌ لأطفالهم، مما يدفعهم لبناء أسوارٍ راديكالية بأفكار تفتقد ولو قليلاً من المرونة ما سيجعل حياتهم أصعب بغياب ـ “الرؤية” ـ وخطة عيش مناسبة لظروف المكان والزمان.

آلية التفكير ذاتها بغياب رؤية تجعلنا نحاكم الحدث من أربعة زوايا مارسها  مثقفونا وناشطونا الذين هاجموا حكم “إياد الغريب” على أن الرجل قد تعرّض لظلمٍ كبيرٍ فشنّوا هجومهم على من اعتبر الحكم مخفّف بشكل لا يناسب قسوة ظروف اعتقال البعض منهم.

لم نعد ندرك محاكمة ذلك العنصر أهي محاكمة للنظام أم ورقة جوكر رابحة للدولة التي حاكمته أم لمؤسسي المنظمات الحقوقية الذين يخفون قوائم المعتقلين تحت وسائد نومهم ليحلموا بكمية الدعم الممكن تحصيلها حيث المعتقل رقم كسهم البورصة؟!

فُتح الجرح القابع في أرواحهم وأجسادهم، ففُتحت الجبهات بقصفٍ فكري عشوائي ضاع فيه الحابل بالنابل، ولم نعد ندرك محاكمة ذلك العنصر أهي محاكمةٌ للنظام أم ورقةُ جوكر رابحة للدولة التي حاكمته، أم لمؤسسي المنظمات الحقوقية الذين يخفون قوائم المعتقلين تحت وسائد نومهم ليحلموا بكمية الدعم الممكن تحصيلها؛ حيث المعتقل رقمٌ كسهمِ البورصة؟!

أيها السوريون تعالوا إلى “رؤية سواء بيننا” أو سوريا إلى دمار مستمر 

آراء متضاربة وصلت حد الصراع وتوجيه الاتهامات بغيابِ تلك الرؤية عن طاولات العمل السياسي، والتي من الممكن أن تجعل الشارع السوري أكثر إدراكاً لمصلحته بمحاذاة مصالح الآخرين وقوانينهم، فرغم التعب والألم والتضحيات هناك مصلحة علينا أن نعي طريقة التعامل معها وعدم تسليفها لمرتبطين بمصالح دول؛ أو ممن كانوا جزءاً من منظومة سلخت جلودنا لعقود من الزمن وبلمح البصر بات خطابهم مسموعاً، أو بتنا نسمعه بغياب الرؤية الكاملة والشاملة لمطالبنا وما يمكن تحقيقه واقعياً، هذه المسؤولية التي نتحملها جميعاً من خلال إدارة أفكارنا ومشاريعنا وتنظيمها وتوجيهها نحو حلمٍ جيّدٍ نفضّله على كابوسٍ مستمر.

في ظل رغبة الساسة، سواء المواليين أو المعارضين، بمركزية القرار سنبقى متخبطين ندور حول مطالبنا دون أن نملك القدرة على لمسها أو طرحها، الطرح الذي يحتاج إلى منابر، وهذه المنابر هي برلمانات صغيرة عن كل مدينة قوامها الخبرات والطاقات والمهارات التي تم اكتسابها عبر السنوات العشر، تسحب البساط من المتحكمين برقابنا، تسقط أهدافهم بالسيطرة وإفراغِ الشارع وملئه كما يريدون ومتى يريدون.

لنتحول من جمهور “اللايكات” إلى جمهور فاعل ضمن هذه البرلمانات، حيث نمثل مدننا ومناطقنا، لنكرس طاقاتنا وأفكارنا وخبراتنا في مقاعد فاعلة، فلا نستمع إلى موشّحات التفخيم بمجلس الشعب للسيد الرئيس المرتبك بانتصار وهمي “وقليل عليه أن يحكم العالم”، ولا نخبوية ممارسي المعارضة وأنَفَتهم” ومعارك تكسير العظم كما يحصل داخل الائتلاف مثلاً، ومحاولة هيكلته حيث الجسم المعارض ب”شحمه ولحمه” لهم و”العضم” لنا.

لنتوجه نحو برلماناتٍ صغيرةٍ ولو كانت بدايةً “أون لاين” لنكثّف الفكرة وصولاً إلى ذلك اليوم الذي ينظّف كل منا أمام منزله في مدينته ويعمل في برلمانه على ازدهار منطقته من كل النواحي، لنتوجه حينها جميعاً نحو سوريا التي لا نريد أن نحكمها ونسيطر عليها وهي بدورها بمركزيتها تسلبنا هوياتنا وثقافاتنا التي تغني اجتماعنا على أرض واحدة، بل نريدها أن تزدهر لتكون وطناً مناسباً لمآلاتنا وأحلامنا جميعاً كسوريين.

دولٌ ،أجسامٌ سياسيةُ ،خبثاءُ السياسة وتجّارها يسعون بكل ما يملكون أن تبقى الرؤية محجوبة عن حواراتنا، حينها سيضمنون أن تبقى سوريا أسدية أو راديكالية أو طائفية أو سوقاً لإماراتهم،أيها السوريون تعالوا إلى “رؤية سواء بيننا” أو سوريا إلى دمار مستمر.

قد يعجبك ايضا