تحقيق مترجم: كيف استطاع النظام السوري خداع العالم واتهام المعارضة بالمسؤولية عن استهداف مشفى في حلب

3526866371سكوت لوكاس – EA World View *
خاص الاتحاد برس – خليل المصري

نشر موقع EA WorldView التابع لمعهد الدراسات الأمريكية البريطاني ومقره مدينة “دبلن” الإيرلندية، تحقيقاً صحفياً حول عملية استهداف مستشفى الضبيط في مدينة حلب، والتي قال النظام إن المعارضة هي المسؤولة عنها، وقالت وسائل الإعلام الموالية للنظام إن “التنظيمات الإرهابية استهدفت المستشفى بصواريخ عدة”، وأضافت وكالة سانا للأنباء إن ثلاث نساء قتلن وأصيبت سبعة عشرة امرأة وطفلاً بجروح، ونشِرت صور تظهر الأضرار التي لحقت بالمستشفى، من تطاير للنوافذ وتدمير لبعض السيارات التي كانت مركونة في امامه؛ ولم تشر الأنباء الأولية إلى أن الهجوم تم بسيارة مفخخة، ولكن الصور المنشورة أوحت بذلك إضافةً لما قاله شهود عيان في المنطقة عن سماعه صوت انفجار فقط، بدلاً من سماع صوت قذيفة هوت من السماء.

ويشير التحقيق إلى تحول في رواية وسائل إعلام النظام إلى الادعاء بأن القذيفة تلك أصابت سيارة عسكرية ما أدى لتفجير السيارة ما تسبب بتلك الأضرار، وإذا صحت هذه الرواية فستكون أول عملية تقوم فيها المعارضة باستهداف المشافي وأهداف مدنية بشكل عام في مدينة حلب، ويؤكد المصدر في تحقيقه الذي اطلعت عليه شبكة الاتحاد برس وتعرض محتواه هنا باللغة العربية، أن أياً من شهود العيان لم يقل بسماع “صفير صاروخ أو قذيفة ما” قبل وقوع الانفجار، ويشير التحقيق إلى أن النظام قد يكون عمد إلى ذلك لكسب جولة من المعركة الإعلامية وإبعاد النظر عن الغارات المكثفة التي يشنها على الجانب الآخر من المدينة، والتي أدت لمقتل أكثر من مئتي وخمسين مدنياً منذ شهر نيسان الماضي، سقطوا ضحية غارات الطيران الحربي الروسي والسوري، وتضمنت سلة الأهداف مشفى ومستودعاً طبياً وعيادة ومركزاً للدفاع المدني.

ودفعت تلك التوترات مجلس الأمن إلى عقد جلسة يوم الثلاثاء دعا فيها إلى وضع حد لهذا النوع من الهجمات وحماية جميع العاملين في المجال الطبي، وحسب المصدر فإن تغيرات طرأت على إفادة وسائل الإعلام الموالية للنظام على اعتبار أن قولها بانفجار سيارة مفخخة أمام المشفى سيثير مشكلة أكبر بالنسبة للنظام حول مستوى سيطرته على الأمن في مناطقه، وستمثل اختراقاً أمنياً مهماً بالنسبة للجانب الآخر، ويشير الكاتب بالقول إن فرضية قيام النظام بفعل هذه العملية التي أسفرت عن سقوط قتلى مدنيين في مناطق يدعي حمايتها أمر وارد، خصوصاً وأنه يدعي سيطرته التامة على الأمن في مناطقه وحرص على الترويج لذلك عبر وسائل الإعلام العالمية بما فيها صحيفة “نيويورك تايمز ووكالة رويترز”.

الموقع المستهدف:
مستشفى الضبيط ظهرت واجهته الجنوبية التي قيل إنها تعرضت “لصواريخ إرهابية”، ويقع في الأحياء الغربية لمدينة حلب وليس قريباً من أي موقع قتال بين النظام وفصائل المعارضة شمالاً أو غرباً؛ ويبعد مسافة 1.6كم عن أقرب منطقة تسيطر عليها المعارضة، وهذا يجعله بعيداً عن متناول قذائف “مدفع جهنم” وقذائف الهاون، واحتمال قصفه بصواريخ “غراد” التي يصل مداها إلى عشرين كيلومتراً يجعل منه هدفاً غير متعمداً، إضافة لذلك تحيط به بنايات مرتفعة تعيق وصول قذائف المدفعية والدبابات إليه.

(Map: Julian Roecpke)
(Map: Julian Roecpke)

وحسب التحقيق الذي اطلعت عليه شبكة الاتحاد برس وتعرض محتواه هنا باللغة العربية، فإن المعطيات آنفة الذكر تجعل احتمال تعرضه لقصف من جهة الشارع الذي يطل عليه المشفى أمراً مستحيلاً، وحتى لو تم الأخذ بادعاء وسائل الإعلام الموالية للنظام باستهداف المشفى بالصواريخ فإن من الصعب تحديد المسار المحتمل لمثل هذا الهجوم، ولم يسبق للمعارضة أن استخدمت الصواريخ في هذه المعركة (حسب المصدر).

الأضرار:
تظهر الصور المتداولة للهجوم تدمير عدد من السيارات المركونة أمام المشفى (الصورة 1)، وبعضها يظهر مركبة وكأنها محطمة من الداخل وليس من الخارج (الصورة 2)

1
1
2
2

وحسب مراسل قناة روسيا اليوم الحكومية والحليفة لنظام الأسد، تظهر بعض الدلائل عن غير قصد، مثل المقطع الذي نشر مباشرة بعيد الحادث:

وكالة “ANNA” الإخبارية الروسية في تصوير آخر يظهر مدير المشفى ويقول إنه سمع صوت انفجار “قنبلة كبيرة” (الدقيقة 2:48)

https://youtu.be/dIfjOqywE7A

تظهر الصور والفيديوهات المنشورة إلى تطاير النوافذ وتشير إلى احتمال انفجار “سيارة مفخخة”، ولم يكن هناك أي إشارة لقصف صاروخي، حسب ما يرى الكاتب “سكوت لوكاس” في تحقيقه الذي تعرض الاتحاد برس محتواه هنا باللغة العربية.

تغير الشرح:

ينقل التحقيق عن شهود عيان القول إن ضباطاً من المخابرات السورية وصولوا إلى موقع الانفجار على وجه السرعة، وقاموا بضرب طوق أمني في محيط المنطقة، وبدأوا بالترويج لرواية الهجوم الصاروخي التي نقلتها وسائل الإعلام الروسية وقالت إن ثلاثة أشخاص قتلوا وسقط عدد من الجرحى، وبعض المصادر ذهبت بعيداً، مثل رواية مراسل قناة روسية اليوم، فيقول “مراد غازديف” في تغريدة عبر حسابه في موقع تويتر إن نحو عشرين قتيلاً على الأقل سقطوا في الهجوم.

بدورها وكالة سانا لم تجد تفسيراً لادعاء أن عدد القتلى بلغ عشرين شخصاً، لكنها حولت إفادتها إلى أن هجوماً صاروخياً سقط على سيارة عسكرية، ويقول الكاتب إن الوكالة عندما عجزت عن تفسير ذلك عادت إلى رواية “هجمات من قبل المنظمات الإرهابية”، رغم أن وزارة الخارجية السورية وجهت رسالة إلى الأمم المتحدة قالت فيها إن “مجموعات إرهابية أطلقت قذائف صاروخية كبيرة على الهدف”، ولم تتحدث وكالة “سانا” عن الهجوم الصاروخي إلا لفترة وجيزة.

وسائل الإعلام العالمية:

وسائل الإعلام الروسية وقعت في تناقضات كبيرة خلال عرضها للخبر، ولكن من حسن حظ نظام الأسد أن وكالة رويترز نقلت الخبر تحت عنوان “مقاتلو المعارضة يقصفون مستشفى بالصواريخ”، وكانت مراسلة صحيفة نيويورك تايمز، آنا برنارد، أكثر حذراً في نقل الخبر، ولكنها وقعت في شرك الأخبار التي نشرتها وسائل الإعلام الروسية، فكتبت “المتمردون يقصفون مستشفى توليد في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة بمدينة حلب، حسب وسائل الإعلام الرسمية والصور الميدانية”؛ ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” الخبر بدون مراجعة متأنية فكتبت تحت عنوان “المتمردون يقصفون مستشفى في حلب خلال محاولة لاستعادة وقف إطلاق النار”، وذكرت في تقريرها ما نصه “هجوم للمتمردين على الأحياء التي تسيطر عليها الحكومة في حلب يخلف ما لا يقل عن 19 قتيلاً حسب ناشطين ووسائل إعلام رسمية، وذلك بهجوم صاروخي عنيف على مستشفى”.

وتشكل صعوبة الوصول إلى مكان الحادث مكمن التحدي بالنسبة للصحفيين، وقد تمكن بعضهم مثل “ديكلان والش” من صحيفة “نيويورك تايمز” من الدخول إلى سورية وإجراء مقابلات ميدانية، إلا أنه غادر دمشق قبل تلك الحادثة التي وقعت يوم الثلاثاء، وتلك الأسباب تدفع وسائل الإعلام إلى الاعتماد على مصادر محدودة للمعلومات لا يمكن الوثوق بها تماماً، “رويترز” على سبيل المثال جميع المعلومات التي تنشرها عن سوريا وليس فقط في حلب، تنقلها عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، المنظمة التي أسسها صاحب متجر سوري في بريطانيا والذي غالباً ما ينقل أحاديث متداولة على أنها حقائق مؤكدة؛ وأيضاً تعتمد “الجزيرة” على “رويترز” كمصدر لجزء كبير من معلوماتها، وكذلك تفعل “هافينغتون بوست” التي نشرت خبر “رويترز” بعد إعادة صياغته تحت عنوان “مستشفى في حلب يتعرض للقصف بالصواريخ من قبل المتمردين”، والعديد من وسائل الإعلام الأخرى التي اعتمدت على ما قالته وسائل الإعلام الرسمية السورية.

أسئلة تطرح نفسها:
التحدي الأكبر هو الأسئلة التي تطرح نفسها، والتي غالباً لا تتم الإجابة عنها في ظل الطلب على نشر الخبر بأقصى سرعة، إلى جانب الوضع الميداني المعقد، ولعل الأسهل عرض الأنباء كما ترد؛ وبطبيعة الحال فإن ما ظهر من الحادثة التي وقعت يوم الثلاثاء، يظهر أن نظام الأسد يريد عرض الأسئلة التي يريد فقط، وإخفاء ما يقوم به مع حليفه الروسية من استهداف لمواقع مدنية بما في ذلك المرافق الطبية، ويصب ذلك في محاولة الصمود أمام مطالب الانتقال السياسي الحقيقي، وخصوصاً ذلك الذي يضع بشار الأسد في عرضة للملاحقة القضائية في المستقبل، حسب ما يرى الكاتب “سكوت لوكاس” في تحقيقه الذي تعرض “الاتحاد برس” محتواه هنا باللغة العربية.

وما زالت وسائل الإعلام تنقل الاعتداءات التي قامت بها القوات الروسية وقوات النظام السوري الأسبوع الماضي من استهداف للأطباء ورجال الإنقاذ والمرضى وغيرهم من المدنيين، بالاقتران والتوازي مع الحادث المأساوي المفترض باستهداف “مشفى الضبيط”، ويخلص “لوكاس” إلى القول إن هجوماً روسياً جديداً سيخلف عشرات القتلى في منشأة طبية ما يفترض أنها تحاول إنقاذ أرواح الناس، وكل ما يتم الحديث عنها الآن سوف يختفي.


________________________________________________
* عنوان التحقيق في المصدر: سورية خاص: كيف ادعى النظام أن المتمردين مسؤولين عن قصف مشفى في حلب.. وخدع وسائل الإعلام العالمية

Syria Special: How Regime May Have Staged “Rebel Attack” on Aleppo Hospital…and Fooled World’s Media

كاتب التحقيق: سكوت لوكاس، أستاذ الدراسات الأمريكية في جامعة برمنغهام ورئيس تحرير موقع EA WorldView، متخصص في شؤون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية البريطانية، وتحديداً الشرق الأوسط وإيران والولايات المتحدة، عَمِلَ كصحفي في الولايات المتحدة وكتب لعدد من الصحف منها “الغارديان والإندبندنت”، إضافة لعمله ككاتب رجل دولة قبل تأسيسه للموقع في العام 2008.

المصدر: موقع EA WorldView: متخصص في تغطية وتحليل الأخبار الخاصة بكل من إيران وسورية والشرق الأوسط وروسيا، واشتهر في العام 2009 خلال تغطيته للاحتجاجات في إيران، ومن ثم مواكبة أحداث الانتفاضة المدنية في سورية وتطور الحرب ووصولها إلى طريق مسدود. (ويكيبيديا). وبالتعاون مع معهد الدراسات الأمريكية البريطاني ومركزه العاصمة الإيرلندية “دبلن”.

قد يعجبك ايضا