أكاديميادراسات

ترنح الدولنة في بنية كيانات دول منطقتنا

مركز أسبار للأبحاث والدراسات-دوسلدورف

لأسباب تاريخية وسياسية شديدة التركيب، كانت الدولنة على الدوام عاملًا شديد الحيوية في أُس تكوين واستقرار أي من كيانات دول منطقتنا. فقد كانت القوى الدولية، بمحاورها وإيديولوجياتها وتوازناتها وحساسياتها وأدواتها وقواعدها العسكرية ونفوذها السياسي، كانت شديدة التأثير على الأحوال الداخلية في مختلف دول منطقتنا، وكانت تلك الدولنة بالغة التأثير على مسارات وتحولات هذه الدول وعلاقاتها فيما بينها، وطبعًا رسمت مصيرها وهوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

بهذا المعنى، كانت الدولنة أشد تأثيرًا ونفوذًا من باقي الفعاليات، بالذات منها الداخلية، سواءً كانت الحياة السياسية أو التنمية الاقتصادية أو التحولات الاجتماعية. حتى العلاقات الداخلية بين الجماعات التكوينية في هذه الكيانات، إنما كانت متأثرة بذلك النفوذ الدولي على هذه العلاقات. لأجل ذلك، فإن التحولات التي طرأت على كامل اللوحة العامة في هذه البلدان، فُسرت حسب تلك العلاقات الدولية، دون أن تأخذ الأحوال الداخلية فيها حصتها وحقها في التأثير بتلك الأحوال.

راهناً، يبدو أن تحولًا جوهريًا سيطر على تلك العلاقة. فداخل هذه الدول، مُنذ موجة الربيع العربي الأولى، وما تلاها من موجات متتالية من الاحتجاجات في مختلف الدول، حتى منها تلك الأكثر دولنة وإقفالًا لعالمها الداخلي، مثل سوريا والجزائر، فإنها أثبتت بأن الديناميكيات الداخلية إنما صارت مركزية التأثير في مسارات ومصائر هذه الكيانات، وأن القوى العالمية، إنما أخذت أدوار المتفاعل والمؤثر على ديناميكيات هذه الكيانات.

عوامل الدولنة

تتوزع العوامل الرئيسية لأخذ منطقتنا سمات الدولنة على أربعة مستويات متوازية، ساهمت كل واحدة منها في تشكل هذه الحالة، وهي ساهمت بنسب متساوية في هذه العملية.

اللحظة التأسيسية

لم تتكوّن أيٌّ من كيانات منطقتنا نتيجة تراكمات تاريخية لنضالات مجتمعاتها الداخلية، كما حدث ويحدث في الكثير من الدول العالم، والتي على أساسها تتشكل الدول تقليديًا. بل تشكّلت دول منطقتنا كنتيجة لما استقرت عليه نتائج الحرب العالمية الأولى، في العقد الثاني من القرن المنصرم. فدولنا تشكلت حسب تلك النتائج، التي كانت لصالح الدولتين الرئيسيتين في قوى التحالف، بريطانيا وفرنسا، ومناسبة لمصالحها وحساسياتها ومشاريعها التي خططت لها.


لم تراعِ تلك الآلية مصالح وحساسيات وتطلعات مجتمعات هذه الدول، ولم تسعَ بنفس المستوى لأن تكون هذه الدول متصالحة ومنسجمة مع بعضها قدر المُستطاع. لأجل ذلك، فإنها بقيت كيانات قلقة، كان مستوى تنافر مجتمعاتها الداخلية وتناقضات هذه الكيانات مع ما يجاورها من كيانات، إنما كان يستدعي على الدوام تدخلًا ونفوذًا دوليصا عليها، بشكل مستمر وآلي.

المسألتان الفلسطينية والكُردية

شكّلت هاتان المسألتان على الدوام قرحًا ما فوق سياسي، لم تتمكن جميع العلاجات الموضعية أن تتمكن من احتوائهما وتفكيكهما، بل ظلّلها من عوامل القلق وتفكك العمران الاجتماعي والوطني والداخلي في أغلب دول المنطقة، وذات قابلية دائمة للاندلاع بين فترة وأخرى.


المسألة الفلسطينية أثّرت على الأحوال العامة في خمس دول من دول المنطقة بشكل مباشر، عبر إدخالها في حروب وصراعات أخذت طابعًا دوليًا على الدوام، ودفعت نحو تداخل وحضور مختلف أشكال نفوذ القوى الدولية، بكل تناقضاتها وصراعاتها. الأمر الذي دفع بأنظمة حُكم هذه الدول لأن تكون شديدة الارتباط بواحد أو آخر من القوى الدولية، وأن تُهمل الأحوال الداخلية قدر المُستطاع، تحت يافطة الانشغال بتلك الحروب والعلاقات الدولية.


المسألة الكُردية فعلت ذلك بأربعة دول إقليمية أخرى. فحرمان شعب تاريخي وتكويني في المنطقة من أدنى درجات حقوقه العامة، المتمثلة بحق الاعتراف بوجوده وخصوصياته عن باقي القوميات الرئيسية في المنطقة، أنما دفع لأن تعيش هذه الكيانات أشكالًا متواصلةً من الحروب الأهلية الداخلية، الساخنة والباردة على حد سواء. وهو أمر استدعى على الدوام مستوى من الهشاشة الداخلية لأن تتدخل القوى الدولية في الحياة الداخلية لهذه الدول.

الثروة النفطية

في نفس السنوات التي تأسست فيها دول منطقتنا، انتبه العالم الصناعي الذي كان يتألف من القوى الدولية الصاعدة نفسها، اكتشف أن منطقة الشرق الأوسط هذه إنما شديدة الثراء بالثروة النفطية، المادة الأكثر فاعلية وحيوية في الاقتصاد العالمي الصناعي وقتئذ، وحتى الآن بشكل جزئي.


كانت خصائص الثروة النفطية في منطقتنا، وسهولة استخراجه، إلى جانب موقعه من الاقتصاد العالمي، من العوامل التي كانت تدفع هذه القوى الدولية لأن تطلب الحضور في هذه المنطقة، وبأي ثمن كان. لتتمكن من الحفاظ على موارد ثابتة من هذه الثروة الاستثنائية، ولأن تضمن سلامة تدفق هذه المادة، شديدة التأثير على الاقتصاد العالمي.
لأجل فعل ذلك، فإن القوى الدولية أسّست تحالفات وتدخلًا في الشؤون الداخلية، ونظّمت علاقات هذه الدول بين بعضها، لتتمكن على الدوام من خلق آليات التأثير التي سعت إليها.

المركزية الدينية

كانت منطقتنا تاريخيًا منطقة مركزية في الثقافة العالمية، ولاسيما على مستوى الحساسيات الدينية. فعلى الرغم من تراجع قُدراتها على انتاج المعارف والتكنولوجيات الحديثة، إلا أنها بقيت منطقة مركزية في علاقة الأديان والحساسيات الثقافية فيما بينها. فمنطقتنا هي المركز العالمي للأديان الأكثر حضورًا على مستوى العالم، حتى أن نصف سكان العالم إنما يعتبرونها منطقة مُقدسة.


هذه المركزية الثقافية، خلقت في منطقتنا خصائص شديدة التركيب، لا يُمكن تجاوزها بأي شكل، ولا يمكن للقوى الدولية أن تتجاهل أهميتها. كان الإسلام الثقافي والسياسي مثالًا مؤثرًا على طبيعة الحرب البادرة بين القطبين العالميين، ومثله كانت المسيحية المحافظة، فيما شكّلت اليهودية واحدة من أشد ثقافات العالم تأثيراً.
تشغل تلك الحساسيات الدينية حتى الآن مساحةً واسعةً على مستوى العالم، وتعتبر القوى العالمية منطقتنا مساحةً شديدة التأثير على تلك الحساسيات الدينية على مستوى العالم، وتسعى جاهدةً لأن تؤثر بها عبر هذه المنطقة.

تحولات جوهرية

شهد العقد الماضي تحولات عديدة على كافة المستويات، فقدت تلك العوامل الكثير من طاقتها وقدرتها على التأثير، وبذا خففت من مستويات وقدرات القوى الدولية على التدخل في مسارات ومصائر الكيانات السياسية في منطقتنا، بالذات على مستوى الحياة العامة الداخلية فيها. وقد كانت موجات الربيع العربي، بمختلف أشكالها وحيوياتها، كانت دلالة على تفكّك أواصر تلك العوامل التي كانت تستجلب تدخلًا دوليًا عموميًا ودائمًا في منطقتنا.
على نفس الآلية السابقة، يُمكن تقسيم عوامل التفكك إلى خمسة عوامل، ساهمت كل واحدة منها بنسبة متساوية من تلك الآلية:

تمدّن سكان الكيانات

دفعت العوامل الاقتصادية التي جرت منذ عقد الستينات من القرن المنصرم، دفعت بملايين من فلاحي القُرى للنزوح نحو المدن، الرئيسية منها بالذات في كل كيان. هذه المدن التي تضخمت بشكل رهيب خلال العقود الفائت، صنعت العشرات من المدن التي تجاوزت معها أعداد السُكان الملايين.


صارت هذه المدن الكبرى من طرف تفرز العشرات من التناقضات الداخلية، بين الفقراء والأغنياء، بين المركزيين والمهمشين، وبين الأقوياء وسكان الضواحي، وفي ضوء ذلك صارت الحكومات والقوى الحاكمة مُجبورة إما على التعامل مع الحاجات الملحة لهذه الطبقات الناهضة، وتلبية القدر الأكبر منها، وهو ما يستدعي الكثير جداً من السياسية والعالم الداخلي والديناميكيات التفصيلية للعمل اليومي. أو إنكارها ومراكمة مشاكلها، وبذا مواجهة الهبات والثورات الداخلي، وبذا أيضاً موجهة تكوين داخلي للكيانات.


التمدن كان شرطًا أوليًا وأساسيًا لتشكل العالم الداخلي في هذه الدول، وبذا تكون السياسة في معناها العام. محققة بذلك الشرط اللغوي للسياسة باللغة الأمر “Policy” والتي تشكل المدينة والمدنية جذرها اللغوي، وبذا الروحي والثقافي.

حلحلة المسألتان الفلسطينية والكُردية

شهدت هاتان المسألتان إشكالاً من التحول خلال هذا العقد. فالمسألة الفلسطينية صارت شديدة المحلية، متعلقة بقدرة السلطة الوطنية الفلسطينية على تأمين حاجات مناطق سيطرتها، وضبط مسارات علاقتها مع إسرائيل، وأولاً تفكيك جذر التناقض الداخلي الفلسطيني الفلسطيني. أي أنها لم تعد مسألة شديدة الحيوية في العلاقات الإقليمية، خصوصًا في إثارة الحروب والنزعات التي قد تأخذ طابعًا دولياًا.


المسألة الكُردية أخذت نسبًا متفاوتة من ذلك، فالأكراد العراقيون صاروا راضيين إلى حد بعيد بأحوالهم مع دولتهم، في تُركيا انطلقت عملية السلام التي ما لبثت أن توقفت، لكن أكراد تُركيا صاروا يرون في العنف أمرًا غير مفيد لقضيتهم، أكراد سوريا دخلوا في الحرب الأهلية السورية، بصفتهم فاعلاًا سياسيًا، وليس ضمن سمة الصراع العربي الكُردي في البلاد.

تراجع أهمية النفط

صحيح أن النفط ما يزال السلعة الأكثر مبيعاً على المستوى العالمي، لكن ذلك لم يعد يعني أي أهمية إنما هي بربع ما كانت عليه قبل عقود قليلة. فآلية الإنتاج الجديدة، خصوصًا من الفحم الحجري وطاقة الرياح خلقت مواد منافسة جديدة، خصوصًا في الصين والولايات المُتحدة، الدولتان الأكثر صرفًا للإنتاج العالمي من هذه المادة، التي صارت معروضة بما يفوق الطلب، وتراجع سعرها عما كان عليه في سبعينات القرن المنصرم، مع مراعاة السعر الحقيقي والقوة الشرائية للدولار.


لم تعد القوى الدولية مستعدة للتدخل المتراكم والواسع في دول منطقتنا للحفاظ على حقها في استيراد هذه المادة، التي صارت متوفرة على الدوام. المسألة الأخرى تعلقت بدخول التكنولوجيات الحديثة المنافسة للنفط في طاقتها الإنتاجية، بالذات منها الطاقة النووية.

تضخم المشاكل الداخلية.

شهدت الأعوام الأخيرة تضخماً مهولاً لحجم التناقضات الداخلية في هذه الدول، من حيث تنامي مستويات الفساد، ليغدو نهباً عاماً وكلياً لمقدرات البلاد، وتضخم القواعد الاجتماعية التي لا تحصل على الحد الأدنى من قوة ورعاية الدولة. فوق ذلك، زادت غربة نُخب الحُكم عن هذه القواعد الاجتماعية، بطريقة صارت تستشعر بها تلك القواعد بأنها تدخل نفقاً مجهول المصير، ما لم تواجه هذه النخب والمؤسسات.


هذا التضخم دفع الملايين من السكان المحليين إلى مغادرة حالة الاستقرار والقبول بالأحوال، والانخراط في مناهضة أنظمة الحكم، أياً كانت الكلف العامة لذلك. وهي ديناميكية سمحت لأن تتشكل مساحات مشتركة بين السكان المحليين، وأن يؤسسوا سوية لخيارات سياسية داخلية، تخلق مساحة “وطنية” للعمل العام، متجاوزة أية حساسية أو خيار للقوى الدولية.

تضخم مساحة الانخراط مع العالم

سمحت التكنولوجيات الحديثة بكسر حالة الاحتكار التي صنعتها أنظمة الحكم في منطقتنا، حيث كانت تعتبر أي اشتباك أو حوار مع القوى الخارجية أنما هو حق حصري وشرعي لها فحسب، وأن أي شكل للتفاوض والتحاور معها من قِبل القواعد الاجتماعية والتنظيمات الداخلية، إنما هو تجاوز لدورها كسلطة حكم شرعية أبوية واحتكارية للمجال العام، وبذا فهي شكل من أشكال “الخيانة” الوطنية.


أدوات التواصل الحديثة كسرت ذلك الحاجز، وسمحت لمنجزات العالم أن تتدفق نحو داخل كياناتنا، وأن يتطور قاموسنا الذاتي فيما يتعلق بالحقوق والحريات العامة والدستور وفصل السُلطات وعدم الاحتكار، إلى جانب تطبيق التجارب العالمية على أحوالنا الداخلية.
هذه العلاقة الجديدة أبعدت القوى الدولية باعتبارها وصاية سياسية عليا على كيانات منطقتنا، وقرّبت بالمقابل منجزات هذه الكيانات العامة، التي ساهمت في تشكيل عوالم داخلية في كيانات، مشابهة للأدوات والتجارب التي كونت بها القوى العالمية العالم الخاص ضمن كياناتها، وإن قبل عقود، وربما قرون، كثيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق