أكاديميادراسات

هل تصلح الدّيمقراطية التوافقية كحلّ في سورية؟

مركز أسبار للدراسات والبحوث

محمد حلاّق الجرف

وضعت الثورتان العراقية واللبنانية، وهما ثورتان باعتبار أنّ ما يجري هناك هو احتجاجات شعبية عارمة تطالب بتغيير النّظام السياسي في هذين البلدين، نظرية “الديمقراطية التوافقية” على المحك، باعتبار أنّهما البلدان الوحيدان في منطقتنا اللذان يعتمدانها كنموذج للحكم.

تنطلق نظرية “الديمقراطية التوافقية” من التأكيد على أولوية الجماعة على الفرد في التنظير السياسي، وهي بحسب مؤسّسها، الألماني “ألتوسيوس” (1557-1638)، ترفض فكرة وجود الفرد من دون جماعة ثقافية، قومية أو إثنية أو مذهبية، ما ينتمي إليها. ومع تطوّر هذه النظرية اعتبر انتماء الفرد إلى جماعته تلك أساساً لانتمائه الأكبر لمواطنيته.

وعموماً، تمّ التنظير لهذا النوع من الديمقراطية عند اشتداد الأزمات التي تعصف في بلد متعدّد الهويات، لذلك يمكن اعتبار “الديمقراطية التوافقية” بمثابة “الضرورة العملية” للخروج من الحرب الأهلية، أو لتفادي الوقوع فيها. ومن هنا نجد أنّ بدايات ظهورها كنموذج بدأ مع نهاية الحرب العالمية الأولى في دولٍ متعدّدة القوميات، مثل هولندا، وبلجيكا، وسويسرا، والنمسا، وذلك للهروب من الخضوع لديمقراطية الأكثرية التي قد لا تُعطي هامشاً للأقليات الإثنية.

وما يُمكن ملاحظته في هذا السياق، أنّ هذا النّوع من الديمقراطيات تمّ اعتماده في دول صغيرة نسبياً، ذات تعداد سكّاني قليل نسبياُ، ومنقسمة بشكلٍ حادّ عبر تاريخها. وأيضاً، وهذه نقطة بغاية الأهمية، فإنّ اعتماد “الديمقراطية التوافقية” لم يأتِ من السّكان أنفسهم، بل فرضته دولٌ منتصرة على جيرانها عند انبثاق نظامٍ عالمي جديد في بدايات القرن الماضي.

 أساس هذا النظام هو تمثيل الأقليات “الثقافية” في البلاد، وقد كان للماركسيين النمساويين، مثل “أوتو باور” و”كارل رينر” مساهمةً كبيرة في التنظير له في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن الماضي، فقد نادا بضرورة عدم اختزال القومية في مسألة الصراع الطبقي، بل عدّها إطاراً ثقافياً جامعاً للطبقات، مع الانتباه لضرورة تجنب الوقوع في وهم إمكانية دمج القوميات في قومية واحدة، والانتباه كذلك إلى أنّ وضع حدود واضحة وصريحة بين الجماعات قد يؤدّي إلى مخاطر تفتيت الكيانات القائمة، والدّخول في انفصالات تستند إلى عمليات تطهير إثني.

 لذلك دعا الماركسيون النمساويون إلى اعتماد حكمٍ ذاتي للقوميات لا يرتبط بأرضٍ محدّدة، أي ضرورة الاعتراف بالقوميات في إطار الدول المتعددة القوميات، ومنحها إدارةً ذاتية ثقافية على أساسٍ شخصي، وليس على أساسٍ إقليمي أو جهوي. أي على أساس انتماء الأفراد إلى القومية.

 يميّز “باور ورينر” بين نوعين من الجماعات الثقافية المتخيّلة، القومية والطائفة. وهما إذ يريان أنّه لا بدّ من الاعتراف بكلّ قومية (ونحن نفضّل استعمال كلمة شعوب وسنوضّح سبب ذلك في سياق هذه الورقة) للحفاظ على وحدة الدول المتعدّدة القوميات، إلاّ أنّهما لا يريان أنّ نموذجهما هذا ينطبق على الطوائف الدينية، مع ضرورة الاعتراف بالحقوق الدينية غير المنقوصة للأفراد، بما فيها الحقّ في ممارسة العبادات. إذاً، لا يوجد تنظير لفيدراليات طوائف، أو وضع حدود وتعريفات قومية للطوائف الدينية. بمعنى آخر، لا وجود لمأسسة دستورية للطوائف عند الماركسيين النمساويين.

 بناءَ على ذلك يمكن اختصار نظرية “الديمقراطية التوافقية” كما ظهرت في بدايات القرن الماضي ضمن ثلاثة نقط رئيسة: إيجاد هامش للأقليات الإثنية في وجه قومية أكثرية، وضرورة الاعتراف بالقوميات المختلفة، وأخيراً تجنّب مأسسة الطوائف الدينية كقوميات.

أربعة شروط رئيسية

ارتبط المفهوم، بدءاً من أواخر ستينات القرن الماضي، بعالم السياسة الأمريكي، ذي الأصول الهولندية “آرنت ليبهارت” الذي قام بقراءة نقدية لكلاسيكيات الفكر السياسي الغربي من “أرسطو” و”ميل”، و”روسو”، و”توكفيل”، و”ماديسون”، وانتهى بمناقشة التقسيم الذي قدّمه الأمريكي الآخر “غابرييل ألموند” للنظم الديمقراطية.

واعتبر “ليبهارت” أنّ “ألموند” لم يدرس نموذج الديمقراطية المستقرة في المجتمعات شديدة الانقسام، والتي مثلّت هولندا مثالها الأبرز بالنسبة إليه. فعلى الرغم من وجود انقسامات عميقة، اجتماعية وثقافية، إلاّ أنّ نموذج الديمقراطية الهولندي الناجح، والذي أسماه “ليبهارت” بـ “الديمقراطية التوافقية” امتدّ ليشمل بلجيكا، وسويسرا، والنمسا، ولبنان، وإسرائيل.

 واعتبر “ليبهارت” أنّ نموذج “الديمقراطية” بإمكانه أن يُقدّم حلّاً سحرياً للمجتمعات غير المتجانسة. فإضافةَ إلى متغيري ألموند للديمقراطية، وهما ثقافة المجتمع السياسية، وبنية ومكونات النظام السياسي، أضاف “ليبهارت” متغيرين آخرين لتطبيق “الديمقراطية التوافقية”، الأول هو وجود انقسامات اجتماعية وسياسية في المجتمع حول قضايا طبقية ودينية، وبالأساس حول مفهوم وطبيعة الدّولة، كما هو الحال في الانقسام الحاصل بين الكالفينيين والكاثوليك في المجتمع الهولندي.

المتغير الثّاني هو طبيعة النخب السياسية التي تمثّل جماعات المجتمع، ومدى توافقها واستعدادها لتحقيق الاستقرار الديمقراطي، ومدى توافر ثقافة سياسية لديها تقبل بالتسويات والتوافقات. واعتبر “ليبهارت” أنّ جهود هذه النخب يجب أن ينصبّ على تشكيل حكومة ائتلافية تضمّ جميع ممثلي النخب السياسية على نحوٍ يضمن درجةَ عالية من الاستقرار السياسي، لمنع البلاد من الانجرار إلى حربٍ أهلية.

 فصّل “ليبهارت” كثيراً في هذا الجانب باعتباره العامل الأهمّ برأيه للوصول إلى ديمقراطية توافقية. فبحسب “ليبهارت” على هذه النخب أن تمتلك القدرة على استيعاب المصالح والمطالب المختلفة للجماعات الفرعية التي تمثّلها، والقدرة كذلك على تجاوز الانقسامات والانضمام إلى جهود مشتركة مع نخب الجماعات المنافسة، والالتزام كذلك بإبقاء النظام وتماسكه واستقراره، وكذلك وعي مخاطر الانقسام والتشظّي السياسييْن على استقرار البلاد.

هذه عوامل أربعة اشترطها “ليبهارت” على النخب السياسية في البلدان التي تسعى لحلّ انقساماتها الشديدة عبر “الديمقراطية التوافقية“. ووضع الأسباب المصلحية التي برأيه لا بدّ وأن تفرض التعاون بين النخب في المجتمع متعدّد الثقافات، وهي: وجود تهديدات خارجية، واستدل على ذلك بأنّ الحربين العالمتين فرضتا على نخب الدول الأوروبية الاتجاه نحو التوافق. وأيضاً أن يتوزع توازن القوى بين جماعات متعدّدة، لا أن تكون القوّة محصورة بيد طرفٍ واحد، أو طرفين. وأخيراً أن يكون هناك ضغط على صانعي القرار لحلّ القضايا الأساسية التي تواجهها البلاد.

إلاّ أنّ “ليبهارت” يرى أيضاً أنّ استقلالية الجماعات الفرعية عن بعضها، ووجود حدود واضحة فيما بينها هو أمرٌ ضروريّ لنجاح النظام التوافقي، لأنّ ذلك يمنع التنافس بين النخب في قواعدها التمثيلية، ويُسهّل عليها ادعاء تمثيل جماعاتها. فالحدود الواضحة بين الجماعات تُعزّز في نظره التماسك الداخلي لها، ما يسمح لها بإقامة تحالفات تُدير تلك المصالح بطريقة أكثر يُسراً.

الجدير ذكره أنّ نهاية الستينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي جعلت من مقولة “ليبهارت” فكرة نموذجية، شهدت أزمة حادّة واجهتها الديمقراطية بشكلها الغربي الكلاسيكي في فرنسا وسائر دول أوروبا مع انتشار الثورات الطلابية، وشهدت كذلك ظهور عددٍ كبير من الدول المستقلة حديثاً عن الاستعمار في آسيا وأفريقيا، وهي دول كانت تعاني بطبيعة الحال من انقسامات عمودية، إثنية، وقومية، ودينية، ومذهبية، وعشائرية.

كما أنّ النماذج العسكرية والقومية التي حكمت العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، أعطت الانطباع لبعض الباحثين بأنّ عجز شعوب هذه البلدان عن التقدّم هو عجز جوهري متأصّل فيها، وهذا ما دفع “ليبهارت” إلى مخالفة الماركسيين النمساويين، روّاد هذه النظرية، ودعا إلى “قومنة” الطوائف والعشائر في سبيل قولبة مفهومه الخاص على قياس كلّ المجتمعات المتعدّدة، من دون النظر كثيراً إلى الحاجة العملية الفعلية، أو إلى الفروقات في التجارب التاريخية والثقافة السياسية للبلدان موضع الدراسة.

“الديمقراطية التوافقية” عربياً

في المنطقة لدينا نموذجان للديمقراطية التوافقية، أحدهما أصيل وهو النموذج اللبناني، والآخر مستحدث هو النموذج العراقي.

 استُلهم الدستور اللبناني الذي كُتب تحت الانتداب الفرنسي في عام 1926 من دستور الجمهورية الثالثة الفرنسي لعام 1875، فلم يُشر إلى الطائفية، ولم يذكر دين الدولة. كان دستوراً علمانياُ فريداً في شرقنا العربي. ولكن على الصعيد العملي، عمدت فرنسا إلى جعل لبنان أقرب إلى اتحاد مجتمعات طائفية صغيرة منه إلى دولة حقيقية، مع إعطاء ميزة أكبر للمسيحيين الموارنة، كونهم يمثلون الأغلبية في وقتها.

في بداية الأربعينيات، ومع قرب جلاء القوات الفرنسية عن لبنان انقسم اللبنانيون بشكل حادّ بين طرفين، الأول مسلم يريد العودة إلى سورية، والأخر مسيحي طالب ببقاء القوات الفرنسية وعدم رحيلها عن لبنان، ولإنقاذ البلد من مخاطر التقسيم وقتها، اجتُرح “الميثاق الوطني” في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1943، وهو اتفاق شفهي بين “بشارة الخوري” بوصفه زعيماً مارونياً، و“رياض الصلح” بوصفه زعيماً سنيّاً. إنّه اتفاق أملته الضرورة العملية في ذلك الوقت، وكانت الغاية منه “لبننة” المسلمين، و”تعريب” المسيحيين.

أنشأ هذا الاتفاق أسلوباً لحكمٍ “ديمقراطي” يتضمن توزيع الوظائف في الدولة وفقاً للتوزيع الديمغرافي للطوائف التي تُشكّل المجتمع اللبناني، وعلى هذا تكرّس المبدأ القاضي بتوازن الطوائف حسب كتلها، وهو ما أدّى إلى مأسستها ككيانات سياسية، رغم أنّه فتح المجال أيضاً لأفراد هذه الطوائف لدخول الحياة العامّة، ولكن من خلال جماعاتهم، وبعد موافقة العائلات السياسية التي تحكم هذه الجماعات.

استند “الميثاق الوطني” إلى تعداد 1932 فذهبت رئاسة الجمهورية بسلطاتها الواسعة إلى الموارنة، ورئاسة الوزراء إلى المسلمين السنّة، ورئاسة مجلس النوّاب إلى المسلمين الشيعة. وتولّت المسؤوليات السياسية والإدارية الجماعات الرئيسة الست: المارونية، والأرثوذكسية، والكاثوليكية، والسنية، والشيعية، والدرزية.

وتمّ توزيع مقاعد مجلس النوّاب بين المسيحيين (بكافة مذاهبهم) والمسلمين (بكافة مذاهبهم) بنسبة 6 إلى 5 لصالح المسيحيين. وتمّ تنظيم قانون انتخابات يضمن التجانس في النتائج على مستوى المجتمعات الأهلية المذهبية. وبذلك تحولت الحياة السياسية في لبنان إلى “لعبة كراسي موسيقية”.

وقد عرّف “ليبهارت” هذا النظام بأنّه تمثيلٌ نسبي مصمّم مسبقاً على أساسٍ طائفي” تمّ فيه فرض نظام الحصص الطائفية من خلال توافق نخب سياسية استطاعت أن تضمن استقراراً قلقاً بين الطوائف، ولكنها لم تُعطِ التمثيل الحقيقي للشعب، وطُبّق مبدأ التمثيل المتناسب في تعيينات الوظائف الحكومية في الدّولة، فلم تكن الكفاءة هي معيار اختيار الموظفين الأساسيين، بل الولاء، ليس للطائفة فحسب، بل لزعيمها أيضاً.

نتيجة للتغيرات الديمغرافية على مدى خمسة عقود، من الأربعينات وحتّى التسعينات، وبسبب الوضع الإقليمي الذي أعقب حرب تشرين، دخل لبنان حرباً أهلية فرضت في نهايتها على النخب اللبنانية تعديل “الميثاق الوطني” إلى “اتفاق الطائف” الذي راعى الواقع الديمغرافي والسياسي الجديد في البلد، فأبقى على حصّة الموارنة في مقعد رئاسة الجمهورية، ولكنّه سحب منها صلاحيات كثيرة أعطاها لرئيس مجلس الوزراء السنّي، وصحيح أنّ هذا الاتفاق أنهى الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً، إلاّ أنّه أدخلها في حرب باردة بين العائلات السياسية، وسمح للقوى الإقليمية الكبرى أن تُقرّر كلّ شيء في لبنان.

حالياً، وحتّى قبل ثورة تشرين/ أكتوبر 2019، فإنّ ما يحكم لبنان فعلياً هو “الإقطاعات العائلية” وهي شكل من أشكال كارتلات النخب Elite cartels الذي يرافق هكذا نوع من الأنظمة. فلكلّ طائفة في لبنان مدارسها ومؤسساتها الاجتماعية وقانون الأحوال المدنية، ومحاكمها الخاصّة بها، ولا مكان للمحكمة المدنية، فالطائفية ملزمة.

 عراقياً لم تكن “التوافقية” كلمة سائدة في القاموس السياسي العراقي قُبيل الإطاحة بنظام “صدّام حسين” ولم تحاول “الدولة” العراقية، خصوصاً بعد صعود موجة القومية واستلام حزب البعث مقاليد السلطة هناك، ترسيخ حكمٍ تعدّدي يعترف بالتنوّع الداخلي. ساعد في ذلك الإمكانات المالية الكبيرة التي امتلكها النظام الشمولي بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية، فتمكّن من السيطرة على آليات التنشئة الاجتماعية والسياسية، وكذلك تطوير البُنى القمعية، وبناء هياكل الدولة الشمولية، التي حاولت صناعة مجتمع متجانس أحادي الهوية، يقوم على الولاءات العشائرية والمناطقية.

بدأت بواكير التفكير “التوافقي” لدى المعارضة العراقية في “مؤتمر لندن لفصائل لمعارضة العراقية” الذي عُقد برعاية أميركية عام 2002، وصدر عنه بيان يؤكّد أنّ العراق “دولةٌ ديمقراطية برلمانية تعدّدية فيدرالية”، وضرورة وضع دستورٍ جديد تُراعى فيه “تركيبة الشعب العراقي”.

وقد خصّص البيان قسماً كاملاً للمسألة الطائفية واضطهاد الشيعة، داعياً إلى “رعاية جميع الحقوق المنتهكة للشيعة”، وقسمين آخرين للاضطهاد الذي تعرّض له الكرد، عادّاً الفيدرالية صيغة مناسبة للحكم في العراق، ولضمان استمرار الاتحاد الاختياري لـ “مكوناته”.

وتُرجم هذا البيان فيما بعد مع تشكيل مجلس الحكم العراقي من قبل القوّات الأميركية التي احتلت العراق في العام 2003. وقد تكوّن هذا المجلس من خمسة وعشرين عضواً تمّ اختيارهم على أساس الخلفية الإثنية والمذهبية، وتراجعت الاعتبارات الأيديولوجية، والطبقية، وحتّى المناطقية، لتلعب أدواراً ثانوية. إذ حصل ممثلو الشيعة على 13 مقعداً، وممثلو العرب السنّة على خمسة مقاعد، وممثلو الكرد على خمسة مقاعد، وكان هناك ممثّل واحد لكلّ من التركمان والمسيحيين. كان واضحاً وقتها سعي الإدارة الأميركية إلى ترسيخ التعامل مع العراق كجماعات (وهي الكلمة التي استعيض عنها بكلمة مكوّنات).

والمتابع لتصريحات المسؤولين الأميركيين وقتها يلحظ بوضوح أنّ التصنيف الإثني، والدّيني، والمذهبي، كان سائداً في طريقة النظر إلى المجتمع العراقي. وفي النهاية أُقرّ دستورٌ “توافقي” على الرغم من عدم شرعيته ومخالفته للقانون الانتخابي الذي كتب على أساسه، بسبب معارضة ثلاث محافظات كبرى له (صلاح الدين، والأنبار، والموصل) ضمن سيطرة الكتل الرّئيسة، الشيعية والكردية والسنية، مع وجود نظام معقّد لحساب النقط، يضمن تمثيل باقي الأقليات الصغيرة في مؤسّسات الحكم.

ما يجب لفت النظر إليه هنا، هو وجود معارضة عراقية كبيرة في وقتها للمشروع الأميركي بتصنيف العراق على أساس هوية مكوناته، وتجلّت هذه المعارضة في رفض النخب السياسية، خصوصاً تلك التي لم تغادر العراق، لإقامة فيدراليات شيعية وسنية. وهي، وإن نجحت في عدم إقامة هذه الكيانات المذهبية، إلاّ أنّ الضغط الأميركي نجح في تمرير هذا الشكل التوافقي كصيغة تسوية.

 هل تصلح “الديمقراطية التوافقية” حلّاً في سوريا؟

لا يختلف تركيب المجتمع السوري كثيراً عن نظيريه اللبناني والعراقي، فسوريا بلدٌ متعدّد الجماعات ذات الثقافات الإثنية والقومية والدينية المختلفة. لكنّ تاريخها الحديث، وعلى عكس جاريها، لا يحمل صراعاً أهلياً عنيفاً بين هذه الجماعات، ما عدا أحداث 1860 القصيرة، لكن العنيفة، بين المسلمين والمسيحيين على أسبابٍ جذرها اقتصادي. والبعض يورد أحداث الثمانينات من القرن الماضي كدليل على وجود الطائفية السياسية في سوريا، ولكن دراسة تلك الأحداث تدلّ على أنها صراع حول السلطة بين نظامٍ استبدادي حاكم يعتمد على السلالة والقرابة العلوية لتمكين حكمه، وبين حزب إسلامي سنّي اعتمد على خلق سردية عن مظلومية سنّية لخلق بيئة حاضنة له. ولم يمتد هذا الصراع إلى الأهالي ليأخذ منحىً سنياً-علوياً.

 في عام 2004، حدثت انتفاضة الكُرد، وهي أتت متأثرة بأحداث العراق وقتها والخطاب القومي حول حقّ الكرد في أن يكون لهم دولة مستقلة، وعمل النظام على تغذيتها قومياً فعمل على دعم الجانب العربي بشكل مطلق ضدّ الكرد، وفي مقابل اعتقالات وتعذيب بالجملة للناشطين الكرد، لم تُسجّل حادثة توقيف واحدة للعرب.

هناك حوادث متفرقة جرت في السويداء بين الدروز والبدو ذوي الانتماء السنّي، وأيضاً يمكن ردّها إلى التأثّر بخطابات التحريض والكراهية التي انتشرت على الفضائيات الخليجية بشكلٍ أساسي، وإلى التهميش الذي تعاني منه محافظات الأطراف بشكل عام. وهناك أحداث متفرقة حصلت بين الإسماعيليين والعلويين في مدينتي مصياف والقدموس.

 حاولت فرنسا إبان احتلالها لسوريا تقسيم البلد إلى خمس دويلات طائفية، لكن الشعب السوري تمكّن من إفشال هذا المخطّط.

 هذا كلّه كان قبل الثورة السورية التي انطلقت في آذار/مارس 2011، والتي عرفت في أشهرها الأولى خطاباً وطنياً يدعو إلى بناء هوية وطنية كردّ فعلٍ على فشل النظام الحاكم في صوغها، وسعيه المستمر إلى خلق شروخ وطنية، وصهر كافة القوميات في بوتقة واحدة، فكان شعار الثورة الرئيس “الشعب السوري واحد”.

ولكن مع دخول العسكرة، واستنقاع الحلّ ارتفع منسوب الخطاب الطائفي بين النخب السياسية السورية التي أصبحت مرتهنة إلى الخارج أكثر فأكثر. واستغل قياديون كرد الظرف السياسي الجديد للمناداة بالفيدرالية، وأصبحت النخب العربية (على اختلاف تلويناتها) والكردية تبحث عن الحلول ضمن مصالحها الحزبية الضيقة، بعيداً عن الرؤية الوطنية الجامعة.

في ظلّ هذا كلّه طُرحت حلول كثيرة للخروج من الأزمة، كان منها ما يعتمد على “المحاصصة” بين “المكونات”، لعلّ أبرزها لقاءات ما يُعرف بـ “مؤتمر قرطبة”. بني لقاء قرطبة على فكرة أنّ سوريا مؤلّفة من “مكونات”، ولكل مكوّن وجهة نظره الخاصّة تجاه الأزمة في سورية، وتجاه حلّها تبعاً لثقافته ومصلحته القومية أو المناطقية أو المذهبية. لذلك عمد منظمو المؤتمر إلى جمع كلّ مكوّن على حدة، ليقول وجهة نظره، ومن ثمّ استخلاص حلّ وطني شامل يُراعي مصالح كلّ “المكونات” السورية.

فشل مؤتمر قرطبة، الذي يمكن اعتباره بروفة للديمقراطية التوافقية العتيدة، كما كان متوقعاً، وذلك عائد لعدّة أسباب من أهمها برأينا هو أنّ مصطلح “المكونات” السورية هو تعبير “مُختلق” (وهذا يختلف بالطبع عن القول بأنّها جماعات “متخيّلة”)، فحتّى الآن، ورغم كلّ هذا السعير الطائفي والقومي المرتفع، لم تخلق هذه الجماعات مؤسّساتها، أو زعاماتها، أو عائلاتها السياسية على غرار ما حدث في لبنان، وإلى حدّ أقل بكثير في العراق.

فلا وجود لـ“حريري” أو لـ”مقتدى صدر”، أو “بارازاني” سوريين مثلاً، لذلك لم تتحوّل الجماعات لدينا إلى مؤسسات طائفية أو قومية، فلا حدود فاصلة نفسياً أو جغرافياً حقيقية على الرغم من بروز صيغة “نحن” و”هم”، عند اشتعال أزمات سياسية على غرار ما يحصل حالياً من جراء التدخل التركي في الجزيرة السورية.

من أسباب وهم “التوافقية” هو أنّ “الديمقراطية التوافقية” فرضتها في الغرب الحاجات العملية لمجتمعات منقسمة، ولكنّها تمكنت من بناء دولها الحديثة، ولديها تقاليد ديمقراطية راسخة، ما يجعل “الديمقراطية التوافقية” غير صالحة سورياً إذ لم يتمكن السوريون من بناء دولتهم الحديثة بعد، وخلال عمر الكيان القصير نسبياً، لم تنشأ عادات ديمقراطية راسخة، تسمح ببناء هوية وطنية قائمة على التشاركية، فمن المعلوم أنّ الديمقراطية تنتج عن “الرضا”، ولكنّها لا تُنتجه، خصوصاً في بلدان قامت أنظمتها على “الإدماج” بدلاً من اعتماد التشاركية في إدارة التنوّع.

من أسباب اعتماد نموذج “الديمقراطية التوافقية” في البلدان التي أشرنا إليها هو تعرّض هذه البلدان لأخطار خارجية فَرضت على زعامات الجماعات ونخبها السياسية الاجتماع والتوافق على تسويات لإنقاذ البلد، وصون وحدته في وجه الأخطار الخارجية، بينما تقف النخب السورية عاجزة حتّى عن اللقاء والحوار فيما بينها، عداك عن الوصول إلى تسويات، وهي نخب فرضتها قوى خارجية، إقليمية ودولية، ولم يتم انتخابها أو تفويضها من قبل جماعاتها.

لذلك، وفي حال تعرّض البلاد لأي تهديد خارجي أو أزمة سياسية حادّة، فإنّ سلوك هذه النخب سيتبع سياسات داعميها، ما سيعزّز الانقسام السوري عامودياً، بدلاً من تعزيز وحدته، ولنا في التجربتين اللبنانية والعراقية خير مثال.

خلاصة

أسبابٌ كثيرة إذاً، ومخاطر جمّة تكتنف تطبيق نموذج “الديمقراطية التوافقية”، ونحن إذ نقوم بدراسة نماذج، ربّما نجحت في بعض البلدان الأوروبية، فإنّ تطبيقها محلياً يقتضي مقارنة الظروف والثقافات والأوضاع في مجتمعات تشابه المجتمع السّوري، و”الديمقراطية التوافقية” لم تبنِ ديمقراطية في هذه المجتمعات العالم-ثالثية، كما أنّ التوافقات كانت دائماً توافقات هشّة، عطّلت الحياة السياسية في لبنان والعراق لمرات عديدة، وتوقفت مصالح المواطنين لأشهر طويلة، بسبب خلافات كارتلات الجماعات على كرسي أو منصب، وهذه البلدان تعيش على شفير حرب أهلية، منذ بدء تطبيق نظام المحاصصة، أو على الأقل، فإنّ نظام المحاصصة هذا لم يمنع قيام أزمات حادّة.

 ينتفض اللبنانيون والعراقيون هذه الأيام ضدّ “ديمقراطيتهم التوافقية”، في دليل واضح على أنّ هذا الشكل من الحكم لم ينجح عربياً، ويحاول شباب البلدين، وبشجاعةٍ قلّ نظيرها، نزع شرعنة هوياتهم الفرعية لصالح هويةٍ وطنية جامعة.

 يهدم اللبنانيون والعراقيون مؤسّسات “مكوناتهم” في وقتٍ تطمح فيه بعض النخب السورية إليها!

المراجع

1.”عزمي بشارة” الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، الطبعة الأولى (بيروت/الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018).

 2.”آرنت ليبهارت” الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد، ترجمة حسني زينة، الطبعة الأولى (بغداد/بيروت: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006).

3.”حارث حسن” التجربة التوافقية في العراق: النظرية والتطبيق والنتائج، مجلة سياسات عربية، العدد 23، تشرين الثاني/نوفمبر 2016.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق