تحقيقرصد

حلم الزواج في سوريا يتحول إلى كابوس .. أسعار فلكية تدمر مشروع الإستقرار

الاتحاد برس_ دمشق
إعداد : وديع فرح

يعدّ الزواج طقسا دينيّا وبشريّا مقدّسا، واعتاد السوريون على أن يغيّروا في تفاصيل هذا الطقس بحسب الحضارات والأديان والكوارث والظروف الصعبة التي تعاقبت على المنطقة، ولكن ما لم يتغيّر هو “الفرح” أو “العرس” الذي يعتبر عامود هذا الطقس.
والعرس عبارة عن حفل يُقام على شرف العريسين وبه يعلنان عن علاقتهما أمام العامّة. وفي وقتنا الحالي يشكّل العرس يوماً مميزاً بالنسبة للزوجين فيقبلان على تنظيمهِ ليكون من أجمل أيام حياتهم، وبالطبع ليكون يوماً لا يمكن أن يُنسى.

وفي ظلّ الحرب والأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا تحوّل الزواج من عرس تفرح به الناس إلى همّ ثقيل على كاهل الشريكين وخاصة العريس بسبب الأسعار الصادمة لتكاليف الحفل، فضلاً عن ارتفاع أسعار العقارات وما إلى هنالك من الشروط الأساسية لإتمام الزواج.
وفي وقت سابق، أكّد القاضي الشرعي الأول في دمشق “محمود المعراوي”، هذه السنة، ارتفاع نسبة “العنوسة” في سوريا إلى 65% عبر تقارير إعلامية حكومية. وأرجع القاضي المعراوي سبب تفاقم هذه الظاهرة إلى الحرب التي ما تزال دائرة منذ 8 أعوام وإلى الآن.

خطوبة مُعلَّقة !! ..

أحمد شاب في ال28 من عمره درس هندسة الاتصالات في جامعة دمشق ويعمل حالياً في محلّ لتسويق الأجهزة الإلكترونية في منطقة جرمانا. أقبل أحمد على خطبة ابنة عمّه مهى في عام 2011 على أمل أن يتم العُرس بعد سنتي خطوبة.

يقول أحمد في حوار له مع الاتحاد برس : ” كنت أفكّر في شراء منزل على العظم (غير مكسي) في جرمانا، وعملت في شغل إضافي لتوفير المبلغ الذي كان آنذاك يتراوح بين الثماني مائة ألف ليرة سورية و 1200،000 ليرة، وكنت أتوقع أن اجمع المبلغ في عام 2013 ولكن حالت الحرب دون بلوغي هذا الهدف. وما أزال إلى اليوم اشتغل في دوامين سعياً مني لشراء المنزل”

ويضيف أحمد : ” ارتفعت أسعار البيوت قرابة ال1000% ويتراوح سعر المنزل اليوم بين الـ9 ملايين وصولاً إلى الـ 18 مليوناً في الضواحي، هذا عدا عن الإكساء الذي، على أقلّ تقدير، يتجاوز ال4 ملايين ليرة سورية”

ويضاف إلى ذلك كلّه تكاليف الزفاف، الذي وإن كان بسيطاً ولا يرضي طموح العروس، فإنهُ يصل إلى المليون ونصف المليون. ولا أجد حلّاً سوى انتظار مرور هذه الأزمة و”حلحلة” الأمور الاقتصادية أو إقامة زفاف بسيط يقتصر على العائلة ومن ثم الرحيل عن البلد، وهذا ما لا أتمناه.”

جمعيات سكنية متوقفة عن أعمال البناء بسبب الأزمة الاقتصادية وغلاء الأسعار

أما بسمة الحواراني صاحبة الـ33 عاماً، موظفة في شركة مواد غذائية تابعة للقطاع الخاص، ترى بأنّ عزوبيتها لا يمكن أن تكون “عنوسة” فهذا المصطلح الذي يعبّر عن ظاهرة تأخر النساء عن الزواج أو عزوفهن عنهُ لا يمكن أن يطالها. فتقول:

” أنا مدركة بأن المساواة حقّ من حقوقي ولا يجب أن استغني عنهُ. فحتى في هذا المجال على المرأة ألّا ترى في نفسها سلعة تُعنّس أو تكسد بل قادرة على أن تتزوج حتى ولو في الأربعين! “.

وتضيف: “إنّ الزواج في أيامنا هذه مغامرة ليس من المستحب خوضها، خاصة لمن هم في وضعي، فـأنا معيلة لعائلة تتألف من أم وأختين ما زالا في مرحلة الدراسة الثانوية، أي أن أمامهما مشوار طويل إلى حين التخرج من الجامعة. فوفاة والدي جعلت معيشتنا تتردى بعض الشيء، وها أنا أعمل اليوم في محاولة لتأمين ضرورات العيش والدراسة لأخوتي وأمي.”

وأردفت: “إن الزواج بالنسبة لي مشروع مؤجل، ولن أقدم على هذه الخطوة دون أن أكون مطمئنة بالكامل إلى أنّها عامل مساعد وليس معيق وخاصة على المنحى الاقتصادي، فأنا لا أريد أن أكون عالةً على أحد، وفي ذات الوقت أريد لزوجي أن يحترم قرارتي أكانت المتعلّقة في استمراري بالعمل لساعات طويلة، أو تلك الأكثر حساسية كعدم الرغبة في الإنجاب مثلاً.”

من الـ3 ملايين وإلى غاية ال 15 مليوناً ..

وفي محاولة منا للإجابة بدقة عن حجم التكلفة التي يمكن أن يصل إليها الزفاف تواصلنا مع “أبو أمجد” مدير شركة “المميّز” لتنظيم الحفلات والأعراس في دمشق.
يقول أبو أمجد، مدير الشركة: ” إنّ ما يميّز شركتنا هو الاهتمام بالتفاصيل، فبالإضافة إلى كوننا نتكفّل بكامل التحضيرات والتجهيزات ليوم العرس من ديكور وصالة وإضاءة وزفة وسيارة وزينة وتصوير، فإننا أيضاً نحاول أن نجعل من هذا اليوم المميز في حياة العريسين يوماً لا يمكن نسيانه.”

وعن الأسعار يحدّثنا أبو أمجد قائلاً : ” إذا افترضنا بأن “المعازيم” من 150 شخص إلى 200 فستتراوح أسعار الصالات من 500 ألف ليرة وصلاً إلى مليوني ليرة ; فقد يرغب العريس بإقامة زفافه في فندق مثلاً، وبذلك تزداد تكلفة الصالة ضعفاً أو ضعفين.

وبالطبع لا ننسى الطعام الذي قد يقتصر على المقبلات والعصائر فتخفّ التكلفة أو يشمل اللحوم والدجاج مع المشاريب الروحية وترتفع بدورها، هذا بالإضافة إلى الـ “دي – جي” فيمكن إحضار أحدهم مقابل مبلغ يبدأ بالـ150000 ليرة إلى غاية الـ 250000 ليرة، وهناك الإضاءة والتصوير والتي تبدأ أيضاً من الـ150000 لتصل إلى الـ 300000 ليرة بحسب الكاميرات المستعملة والإضافات التي تعقب التصوير من مونتاج وصور فوتوغرافية ونسخ على الفيديو وما إلى هنالك. “

ويضيف أبو أمجد : “ويأتيك إلى جانب ذلك زينة الصالة وزينة منزل العروس والسيارة وكلّهم معاً تتباين تكلفتهم بحسب الطلب، فقد يقتصر الأمر على الزهور والشرائط الملوّنة فتكون بذلك التكلفة ما بين ال100000 ليرة والـ 150000 ليرة هذا بغض النظر إن كان هناك “إكليل” وتزين لكنيسة في حال كان العرس مسيحياً.


وهناك قالب الحلوى “الكاتو” والذي نقوم بتشكيله حسب الرغبة فقد نطبع صورة العريسين عليه وقد يختاران شيئاً للكتابة وممكن أن يتألف من طابق واحد وصولاً إلى خمسة أو ستة طوابق ويتراوح سعره عادةً ما بين ال90000 ليرة والـ150000 ليرة.

ولا ننسى السيارة التي يصل أجارها في اليوم الواحد إلى 750000 ليرة وقد تحتاج إلى أربع أو خمس سيارات، ويضاف إلى ذلك الزفّة التي يمكن أن تكون عراضة شعبية أو فرقة موسيقية كلاسيكية أو طربية أو مغنّي يغنّي أثناء سير العروسين أمام الحضور وهنا يمكن أن أقدّر المبلغ ما بين الـ90000 ليرة والـ125000 ليرة. وأخيراً لدينا الليلة المنتظرة والتي اعتدنا على الاهتمام بها أكثر من أيّ شيء فيمكن لنا أن نزيّن للعريسين غرفة الفندق التي سينزلان بها بعد الحفل، ونخطط لأن نرسل العشاء وأنّ نجهز المكان أفضل تجهيز ويبقى السعر هنا حسب الخدمات المقدّمة.”

وفي ظلّ تقصينا عن أسعار الملابس الخاصة بهذا اليوم ككلّ (فستان العروس ووالدتها والاشبين والاشبينة والعريس) التقينا بمها صاحبة محلّ “فساتين ساندي” والتي أفادتنا بعرض بتقريبي للأسعار التي يمكن أن يصل إليها فستان العروس، فتقول ” يمكن ان يبدأ السعر من 100000 ليرة وصولاً إلى مليون ليرة وما فوق، فالخيارات عديدة هناك فساتين مزركشة (بالزيركون الصناعي) وأخرى بالإكسسوار غالي الثمن وهناك الشاحط والكثير من التفاصيل التي تلعب دوراً حاسماً في تحديد سعر الفستان.”

وأمّا عن الأطقم فتتراوح أسعارها، بحسب المحال في عدّة أسواق في دمشق، ما بين الـ25000 ليرة والـ 300000 ليرة، فهناك الطراز التركي والفرنسي والإنكليزي وهناك أيضاً الوطني.

وفي العودة إلى “أبو أمجد” مدير شركة المميّز فالعرس “المرتَّب” لابد له أن يكلّف الشخص من ثلاثة ملايين وما فوق .. وقد يصل في بعض الأحيان إلى 15 مليوناً.

المساكنة.. حلّ اقتصادي واجتماعي أم خَرقٌ للعادات والتقاليد؟

زارت الاتحاد برس منزل “فادي” و”ملك” وهما شابان جامعيان اختارا أن يُسَاكنا بعضهما البعض عوضاً عن الزواج، ويعتقدان بأنّ الزواج، على أهميته، يحرم الإنسان من العيش مُهدداً في علاقة، وبالتالي يحرمه من أن يقدّم ما يطيب له ويرغمه على تقديم ما هو واجب.

تحدثت ملك عن تجربتها قائلة: ” نحن على علاقة منذ ما يُقارب الست سنوات ولو أمعنا النظر لوجدنا أنه من اللافت أنّ لجوء الشباب إلى المساكنة قد زاد في السنوات الأخيرة في سوريا. الأمر الذي قد يرجعهُ البعض إلى الانحلال الاخلاقي والقيمي داخل المجتمع، أمّا بالنسبة لنا فنراه نتيجة لعدم توفّر المقومات أو الوضع الاقتصادي الذي يساعد على الزواج وحمل تكاليفه من جهة، وتطوّر في الوعي العام لدى الشباب من جهة أخرى.”

وتضيف: ” أخبرتُ أهلي لكنّهم لم يتقبّلوا الفكرة، عانيت في أوّل سنتين حيث بقيت اكذب وألفّق الأمور أمام والديَّ للخروج إلى ((منزلي هذا)). لكن بعد ذلك صار الأمر بالنسبة إليهم واقعاً يجب التعايش معه.”

أمّا فادي فيعتبر المُساكنة صورة حضارية وتجربة يجب أن تمرّ بها كلّ علاقة قبل الإقبال على الزواج. ويقول: ” إنّني سعيد بعض الشيء، فبالرغم من أنّي لم اتصوّر يوماً عيشاً كهذا (المساكنة)، إلا أنّه أكّد لي صحة اختياري لملك.

ومن جهة أخرى ليس من الصحيّ في العلاقات العاطفية أن يقرّر الشريكان الإنجاب، على سبيل المثال، في سنواتهم الأولى. والمساكنة بطريقة أو بأخرى تؤجّل موضوع الإنجاب والكثير من القرارات الحسّاسة التي يجب على كلّ عائلة أن تفكّر آلاف المرّات قبل الإقبال عليها.”

تتنوّع أساليب العيش بين الشريكين بتنوّع أفكارهم وإمكاناتهم، فمنهم من يلجأ إلى الزواج ومنهم من يرى الحلّ في المساكنة الغير معلنة بشكل عام، إلا أنّ جميعهم يترقبون اليوم الذي سيجمعهم على وسادةٍ واحدة. وإذا كان ارتفاع أسعار العقارات وتكاليف الزيجات سيحول دون اجتماعهم هذا فعلينا ألّا ننصدم بازدهار بعض الظواهر الاجتماعية كالمساكنة والعنوسة، ولكن العمل إمّا على تقبّلها أو على توفير ما يمكنّنا والحيلولة دونها، كالعمل على زيادة مشروعات السكن الشبابي تُدفع على أقساط أو منح قروض مالية خاصة بالتأهل والزيجة وكلّ ما يمكن أن يُسهّل على الشريكين زواجهما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق