السلايد الرئيسيالسوريتحقيقتقارير وتحقيقاتحصاد اليومرصد

الانتحار.. صرخة ألم وفقدان أمل في الشارع العربي

إيفا الصائغ – سوريا

طُرد من العمل وتراكمت عليه الديون فأطلق النار على نفسه وانتحر، لم يستطع تأمين دواء السرطان لزوجته فشنق نفسه وانتحر، هكذا حصل في لبنان في مؤخرًا، الآن بعد عشرات الأيام على بدء الثورة فيها، كغيرها من دول العالم العربي ، يزداد إيقاع الانتحار مع ازدياد إيقاع الأحداث فيه من سوء للمعيشة، وتردي للوضع الاقتصادي، وازدياد بطالة الشباب، والتهميش.. وغيرها من الأسباب الكثير التي تدفع الناس للرغبة في مغادرة هذه الحياة بأي شكل من الأشكال، فالموت بالنسبة لهم بات أرحم، مقابل سلطات تعجز في تلك الدول عن إيجاد الحلول المناسبة، أو على الأقل تأميل الشعوب بتحسين مُنتظر. فالانتحار في العالم العربي، في بعض المفاصل، بات يشكل صرخة ألم وتمرد صامت تبتغيه الشعوب الثائرة ضد السلطات الحاكمة.


نسب الانتحار في العالم العربي

أما خارج عن نطاق الأحداث الساخنة وتداعياتها الاجتماعية فالنسب تتحدث عن نفسها، حيث وصلت نسبة المنتحرين العرب إلى 4 في كل 100 ألف في العقد الأخير، حيث تصدرت الدول العربية الأربعة الأولى في نسب الانتحار، مصر، المغرب، تونس والجزائر، بينما تأتي دول لبنان وسورية والخليج في أسفل القائمة.

في الأردن قُدرت حالات الانتحار مؤخرا بـ70 حالة انتحار و400 محاولة في العام، وهو ارتفاع شديد مقارنة بإحصائية 2012 والتي وقع فيها 57 حالة انتحار، وتتميز الأردن بظاهرة انتحار الأطفال حيث ينفذون 18% من حالات الانتحار في المملكة.


الوضع في مصر ليس أفضل حالا، فنجد 3000 محاولة انتحار سنويا لمن هم أقل من 40 عاما، بينما وصل معدل الانتحار في اليمن إلى 251 حالة في عام 2013 وارتفاع المعدل إلى حالة انتحار يوميا في بعض الأشهر.


أما في المغرب تشير الإحصائيات إلى أن هنالك 3 مليون مغربي يريدون الموت وذلك لانتشار حالات الاكتئاب والبطالة، بينما في تونس تشير دراسة إلى أن عدد محاولات الانتحار سنويا يقدر بواحد في الألف أي حوالي 10 آلاف تونسي يحاولون الانتحار سنويا.

ماذا عن نسب الانتحار في سورية؟؟

ربما أوشكت الحرب على الإنتهاء في سورية، عسكريا، لكنها مازالت ترمي بحمولها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على المجتمع والناس هناك، فالظروف التي يعيشها السوريون بمختلف شرائحهم لم يعد بالإمكان إخفاء آثارها أو حتى تجاهلها لأنها باتت تصنف عالميا بالخطيرة. ومع أن المجتمع السوري لايتمتع “بثقافة الانتحار” لادينيا ولا أخلاقيا، إلا أن عشرات الحالات سُجلت في الفترة الأخيرة، وفي مناطق سورية مختلفة، منها ريف دمشق وحمص وحلب وطرطوس والسويداء وغيرها، ليصل مجموع حالات الانتحار إلى 59 حالة في العام 2019، حسب ما صرح به مدير عام الهيئة العامة للطب الشرقي في سورية زاهر جحو.

ما الذي جعل ظاهرة الإنتحار تنتشر بين السوريين، وهل تنحصر في فئات عمرية أو مناطق محددة؟

الاختصاصي النفسي الدكتور أحمد تاجي وفي تصريح خاص لصحيفة الاتحاد برس أرجع أسباب زيادة نسبة الانتحار في سورية لزيادة الضغوط النفسية التي سبّبتها الحرب، والخسارات الكبيرة التي تعرض لها الأشخاص سواء مادية أم جسدية أم معنوية، وهو مايؤدي بدوره للإصابة بالاكتئاب واضطراب الشدة مابعد الرض، كذلك من أسباب اللجوء إلى الانتحار هو عدم وجود الترابط المجتمعي والأسري والنزوح بشكل عام، الذي تسبب في ابتعاد الأشخاص عن بعضهم وعن محبيهم وبالتالي افتقاد الدعم الكافي من المقربين للحيلولة دون حصول الانتحار.

وأشار تاجي إلى أنه لاتوجد إحصائية واضحة عن أكثر الفئات العمرية التي تلجأ للانتحار، لكن يجب التفريق بين وسائل الانتحار، فهي عند كبار السن تكون غالبا عن طريق السلاح أو تناول مواد سامة، لكنها تكون أخطر عند فئة المراهقين الذين يلجؤون إلى وسائل خطرة كالذهاب إلى المخدرات أو قيادة السيارة بتهور كبير أو القيام بأعمال طائشة.

كما أوضح الدكتور أحمد تاجي أن ظاهرة الانتحار في سورية ليست جديدة لكن بسبب انغلاق المجتمع كان يتم التكتم على حالات الانتحار، أما الآن فوجود وسائل التواصل الإجتماعي أدى إلى ظهور بعض هذه الحالات إلى العلن. ويخلص تاجي إلى القول أن انتهاء الأزمة لا يعني انخفاض نسبة حالات الاضطراب النفسي، بل على العكس تماما ربما تزيد، وبالتالي تزيد حالات الانتحار أيضا.

بدورها أكدت الباحثة الاجتماعية ندى رزق أن 79% من حالات الانتحار في سورية سببها الوضع المعيشي والظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تمر بها البلاد ، أما عن جنس المنتحرين فهو بين الذكور أكثر من الإناث بحسب الإحصائيات، بالرغم من ارتفاع نسبة انتحار الإناث في الآونة الأخيرة عما كانت عليه قبل الأزمة وذلك بسبب تعرض السيدة السورية الى ظروف لم تشهدها الساحة السورية قبل الحرب ، كارتفاع حالات الاغتصاب ، الإرهاب، استغلال الأنثى غير الشرعي، تحمل هموم وأعباء أسرية جديدة، فقدان الأمن والاستقرار الأسري، وفقدان من تحب (زوج ، أب، ابن، أخ …)

أما عن الفئة العمرية فتشير الدراسات العالمية حسب ما ذكرت ” رزق” إلى أن أكبر عدد من المنتحرين هو بين سن ال15 و ال34 عاما، لكن في سورية اختلفت الأمور في العشر سنوات الأخيرة وتغيرت أعداد المنتحرين وأعمارهم فبتنا نشهد حالات انتحار بين الأطفال (حادثة غرق فتاة في نهر بردى، وحادثة انتحار شاب صغير على جسر الرئيس، وفتاة أيضا ..) أو انتحار كبار السن من الرجال ممن لم تعد لديهم القدرة على احتمال قساوة الظروف وتلبية طلبات أسرهم.

وتختم رزق بأن الانتحار هي ظاهرة عالمية تشكل خطرا على المجتمعات، وأننا كمجتمع نرفضها دينيا وأخلاقيا ونعتبرها من حالات العار التي تلحق بالأسر ، ولكن هذه التحولات تشهدها جميع المجتمعات خلال الحروب والأزمات.

بالرغم من أن نسبة الانتحار في سورية لا زالت منخفضة مقارنة بغيرها من الدول، إذ تقع في المرتبة 172 من أصل 176 دولة على مؤشر الانتحار وفق موقع “worldpopulationreview” المتخصص بإحصاء البيانات الديموغرافية، إلا أن هذه الظاهرة مرجحة للإزدياد، وعدم معالجتها وظروفها قبلها قد يحولها إلى ثقافة، يُخشى على المجتمع السوري أن لا يبقى بعيدًا عنها.


للانتحار وصية أيضا .. ماذا تقول؟

في وصيته التى كتبها (ماياكوفسكى الكاتب والشاعر الروسي) قبل إطلاق النار على نفسه بمسدسه فى 14 نيسان 1930 يقول: “إلى الجميع، لا تتهموا أحداً في موتي، ماما، أخواتي ورفاقي، سامحوني – هذه ليست الطريقة الصحيحة، ولكن لم يبقَ باليد حيلة” . صحيح.. ربما ليس بيد من أصابه اليأس والاكتئاب حيلة ، لكن الحيلة موجودة في يد المجتمع، والمسؤولين عن المجتمع غالبا، وفي يد القدر أحيانا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق