قلم توكموزاييك

الحرب التي لم تُسفك فيها قطرة دم

رامي غدير_ سوريا

“العنف هو غياب الحب”، قرأت هذه العبارة منذ ثلاث سنوات على الفيس بوك، وتسآلت يومها: هل غاب الحب لذلك اندلعت الحرب؟! لا يبدو الأمر مقنعًا… ربما خانتني ذاكرتي والعبارة كانت: “الحب هو غياب العنف.. !!” تبدو لي العبارة في كلتا الحالتين إشكالية، وتحتمل التأويلات، وأكاد أجزم أننا سنختلف بالرأي حول سبب العنف، والخلاف بالرأي كما قيل على لسان أحد الشخصيات في مسرحية مجنون ليلى للشاعر أحمد شوقي:

“ما الذي أضحك مني الظبيات العامرية
ألأني أنا شيعي وليلى أموية ؟
اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية “!


أظن أنّ أبي سيختلف بالرأي مع أمير الشعراء فيما يخص الودّ والقضية والـ (يفسد) ..
فالعصافير التي تهاجم حقله المزروع بالقمح أفسدت القضية والود والمحبة التي يكنها أبي للطيور، فهو خلال سنواته الثمانين لم يقم بالاستجابة لغريزة الصيد التي بداخله، ورفض أن يقتل عصفورًا رغم محاولة أقرانه أن يحثونه على الذهاب معهم للصيد… هذا الودّ فسد حين أعلنت الطيور هجومها على حقله.

كنتُ في العشرين من عمري حين غزت عصافير القرية أرضنا المبذورة بالحنطة… كنا فقراء ولا رزق لنا سوى الزراعة، حمل أبي وعاءً معدنياً ومطرقة صغيرة وراح يقرع بها ويدور حول الأرض لتهرب العصافير، لكنّ الأمر كان متعباً للغاية، مما جعله يشتري عدد من الطيور الجارحة ويضعها في الحقل بعد أن ربط إحدى أقدامها بخيط كي لا تهرب، وقدم لها الماء والطعام، وقد أثبتت هذه الخطة جدواها، فكلّما اقتربت العصافير كانت ترى الطيور الجارحة ترفرف فتهرب، إلى أن مضت ثلاثة أيام واعتادت العصافير على تلك الطيور وعلمت بأنها لا تهدد وجودها كونها لا تستطيع الطيران.

ولأنه مع الحب وضد العنف كان من المستحيل أن يطلق النار على العصافير وينهي الصراع بالتفوق العسكري، فهو يرى أن الحرب يجب أن تكون عادلة ورحيمة بدون قتل وسفك للدماء.

جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المادة الأولى: يولد جميع الناس أحرارًا ومتساويين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء.

“عصافير الحقل تملك الأجنحة والحركة السريعة والحذر وأنا أملك ذكائي ومهاراتي باختراع أدوات الدفاع السلمية”… هذا ما قاله أبي بينما كنت أساعده بتثبيت شبكة من الخيوط ممتدة على مساحة الأرض علّقَ فيها مئات الأجراس وربط الشبكة بخيط واحد بحيث إذا تمَّ شدّ الخيط تُقرع الأجراس دفعةً واحدةً وبصوت عالٍ يخيف العصافير، وقد نجحت الخطة لعدة أيام ثم اعتادت العصافير الصوت وألفته.

في صباح اليوم التالي ذهب إلى السوق واشترى مسجلة وشريط تسجيل وعشرات مكبرات الصوت ثم طلب مني أن أحضر بندقية الصيد التي كانت موجودة لإخافة السارقين لا لقتل العصافير، وقال: “أطلق النار في الهواء”، أطلقتُ فسجّل الصوت، فأطلقت عشرات الطلقات المتتابعة بفاصل زمني لم يتجاوز العشر ثوانٍ، وحين انتهيت وضع شريط التسجيل في المسجلة وقام بنشر مكبرات الصوت في أنحاء الحقل، أرعب هذا الصوت العصافير وفاز أبي في الحرب دون إراقة قطرة دم لعصفور… وبالطبع كان يختلف بالرأي مع ما قاله (وليم فوكنر):

“فلا تنفق كل ما لك من نفس محاولاً أن تقهر الزمن، لأن ما من معركة ربحها أحد”. قال أبي:

” لا بل ما من معركة حارب فيها أحد، فالميدان لا يكشف للمرء إلا عن حماقته ويأسه، وما النصر إلا وهم من أوهام الفلاسفة والمجانين”.

الحرب؛ آلاف الأمهات والزوجات المفجوعات، آلاف اليتامى وملايين الخائفين الذين لا مستقبل لهم.
قد تختلفون معي بالرأي إذ أرى أنّ للحرب نوعين، الحرب الأولى مدمرة ومخيفة وتتخذ الكثير من الأشكال العسكرية والاقتصادية والسياسية والإعلامية، والثانية ممتعة كالحرب بين عاشقين وفي زهر النرد والشطرنج وكرة القدم وسباق المئة متر والقفز العالي، وفي الجنس.
فيسوافا شيمبوسكا تقول:

“بعد كل حرب
لابد من شخص ما
يقوم بالتنظيف
فالأشياء لن تصوب نفسها”

احترم حق كل شخص بأن يقول رأيه ولكن هذا لا يعني أني قد أقبل رأيه أو أوافقه، أنا فقط أعترف بحقه أن يقول رأيه، وبعدها قد أقوم بإطلاق الرصاص عليه بسبب هذا الرأي !!

جاء في المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : “لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه”
الرأي الأخر الذي أختلف معه قد يكون أحيانا تهديداً لأماني وحياتي الشخصية ،لذا سأطلق الرصاص.

منذ الأزل كان الاختلاف بالرأي، بل عدم الاعتراف بأحقية الآخر أن يقول رأيه سبباً للكثير مما حدث وسيحدث على هذا الكوكب ..
بدايةً كان السجود لآدم خلافاً جوهرياً بالرأي بين الله وإبليس؛ أيستحق آدم أن تسجد له الملائكة أم لا! رأى الله أنه يستحق، أما إبليس فكان له رأي آخر لم يحترمه الله ولم يقبله ، بل وذهب لأكثر من ذلك بأن لعنه إلى أبد الآبدين !!

يتكرر الأمر بشكل أخر في قصة الأخوين هابيل وقابيل، حيث يتقبل الله قربان هابيل ويرفض قربان قابيل مما يجعل الأخير يعترض ويقتل أخاه.

الحروب بين الدول والانقسامات في المجتمع والدين الواحد والدولة الواحدة والحي والأسرة والمشاكل الزوجية ومشاكلك أنت وحبيبتك سببها الخلاف بالرأي !! والكثير من الحالات النفسية التي نعانيها هي اختلاف بالرأي بين الأنا الأعلى ” الموروث والتربية ” والأنا الذي يرفض الوصاية .

لكل شخص الحق بالتعبير عن ذاته وقول رأيه بأي طريقة تناسبه، ولكل شخص الحق بعدم قبول رأي الآخر إن لم يكن مقتنع به.
بناء على ذلك نحن البشر سيبقى بيننا خلاف بالرأي وبالتالي ستبقى المشاكل قائمة على هذا الكوكب الجميل.

ما الحل ؟

أظن أن الحل هو احترام الرأي المختلف، دون القيام برد فعل سلبي تجاه ما هو مختلف عني بالرأي..
لكن في الحقيقة هذا ليس حلاً، فالرأي القائل بأن صوت المرأة عورة لا يمكنني أن أحترمه .

ما الحل إذاً ؟؟

لنقول أن الرأي الذي لا يسبب أذيةً مادية ونفسية للآخر هو الرأي الذي سأحترمه دون أن أقوم برد فعلٍ تجاهه حتى لو كان مخالفاً لرأيي.
ولكن هذا ليس حلّاً أيضاً.. ماذا لو كان الرأي يلحق أذية مادية ونفسية لفئة من الناس ومنفعة لفئة أكبر، وكنت أنا من بين الفئة التي ستصاب بالأذية ؟
ما الحل .. ما الحل !؟ في الحقيقة أنا لا أملك جواباً .
رغم ذلك يمكن القول أن الاختلاف الذي كان سبباً في نشوء الحروب، من جهة أخرى كان سبباً في بناء وتطور الحضارة الإنسانية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق