قلم توكموزاييك

كاظم خليفة صافح الموت وعاد ..

شيرين صالح

في البداية لم استوعب ما رأيته حين كان جسدي يحترق وسط دائرة من النار، ثيابي مشتعلة بلهيب برتقالي، تذكرت وجه والدتي المتوفية منذ ثلاثة أعوام وكأنها ظهرت أمام ناظري. شعرت أن الأرض ارتجّت في تلك اللحظة.

انفجرت سيارة مفخخة من نوع مرسيدس عند تقاطع شارع الوحدة مع طلعة السبع بحرات، في الساعة الرابعة و عشر دقائق أمام مقهى الشموع في 11 تشرين الثاني 2019، كان وهج النار قوياً جداً، محيطي كله بات سعيراً.

انبطحت على الأرض وحميت وجهي بيدي لعلّي أطفئ بأصابعي النار المشتعلة في شعري ووجهي، بعدها اتجهت جنوباً على بعد عشر خطوات ودون أن أعرف وجهتي.

انفجرت سيارة أخرى كانت مركونة جراء النيران والشظايا الصادرة من السيارة الأولى، و كأن المكان أضحى براكين متفجرة، شعرت أن أشياءً صغيرة اخترقت جسدي تشبه رمالا حارّة، انتبهت أن هذا الانفجار كان أقوى من الأوّل، لم آبه للنار المشتعلة في جاكيتي والموبايل الذي كان في جرابي.

في تلك الأثناء رأيت رجلًا عجوزًا مرميًا في الشارع، هرعت صوبه بعد أن أطفت النار عن ثيابي وجسمي، وحملته على الرصيف بما بقي لدي من قوة، كانت اللحظات الأولى من التفجير والناس حذرة من الاقتراب و خائفة من حدوث انفجار ثالث في المكان ذاته.

حيث حصل انفجار دراجة نارية في اللحظة نفسها بجانب مدرسة القادسية للبنات، بعد دقائق جاء رجل لمساعدتي كنت مستندا عليه وأخدني إلى مشفى نافذ، هناك لاحظت أن ثيابي باتت مقطعة دون أن أشعر بألم في جسدي، كان أنين جاري أحمد يملأ أذني، شعرت بالقلق على حاله، بعدها شعرت بوجع الحرق يزداد شيئًا فشيئًا.

كنت أرى حجم جروحي البالغة في وجوه الذين زاروني في المشفى وأصدقائي، كانت ملامحهم تتغير فجأةً حزنًا واندهاشًا فور دخولهم غرفتي، حتى أن بعضهم لم يعرفني للوهلة الأولى، كان شعري محروقا، بالإضافة إلى حروق في يدي اليسرى بدرجة ثالثة واليمنى درجة ثانية.

احترق شعري بالكامل، وعيناي كانتا متورمتين وجفناي ملتصقين ككرتين حمراوين مصفوفتين، أخبرني الدكتور أنني لن أستطيع الرؤية لمدة اثنا عشرة ساعة، تذكرت الشهداء والضحايا الذين رحلوا في حرب تبتلع الحياة و تخلق أشكالًا غريبة للموت.

ابنتي تقرأ لي الأخبار على المواقع الالكترونية ورأيت صورته بصعوبة، الشهيد عامر شوه اللهيب ملامحه الهادئة التي كانت تنبض بآتٍ جميل، نوبار الذي نقل إلى إقليم كردستان لمعالجة جروحه ليعود منها بعد عدة أيام باستقبال ذويه يملأه العويل و صرخات الفقدان.

كاظم خليفة

وزوزان عبد القادر وصديقتها أميرة يوسف، ابتلع الانفجار جسدان ناعمان فتحولا في لحظة إلى أرواح تتطاير في ذكريات ذويهم، خمسة مدنيين فقدوا حياتهم 26 أصيبوا بجروح متفاوتة الخطورة.

انفجارات حوّلت سوق مدينة القامشلي في ساعة إلى محال مغلقة كستائر باهتة مسدلة، في دقائق باتت المحال المقابلة لمكان الانفجار حيطان متفحمة كوجه الظلام، وواجهات الدكاكين زجاج متكسر و قاتم يملأ الشوارع كفتات الصخور.

شكل الانفجار الذي ظهر على الفيديوهات لا يشبه الحقيقة، الذي يعيشه أكثر فزعاً وألماً، هي ثوان يرسم فيها الموت هيئته ويختفي، في ثوان أحسست أن مسيرتي مع الحياة باتت ذاكرة لدى بناتي الثلاثة و زوجي و ولداي.

قبل التفجير كان لدي موعد مع دكتور في شارع الوسطى، ألغيت موعدي معه لأنني التقيت بصديق لي وتحدثنا في الشأن السياسي في بلادنا كما العادة، ذهبت إلى مكتب صديق آخر لي وأخذنا الحديث لمدة نصف ساعة أخرى.

لكن في طريق عودتي إلى البيت التقيت بابنتي الصغيرة بجانب معهد “هانزا“، حيث تتلقى دروسًا للصف الثانوي العلمي. قالت لي” سأتناول فطيرتي مع أصدقائي في الحديقة، ساتأخر قليلاً يا بابا” لم تمضِ نصف ساعة حتى رأيت نفسي في عالم يشبه الجحيم.

أتألم حين أشاهد الأخبار على شاشة هاتف ابنتي في بيتنا من وجع عيناي، احترق هاتفي ونظاراتي، لكنني حين أتعافى سأشتري نظارات جديدة وأتابع كتابة مقالاتي في عدة مواقع الكترونية وسأكتب أشعار جديدة كما اعتدت.

وأعود إلى تدريس طلبتي لمادة اللغة العربية وسينادونني أستاذ كاظم، نسيت كل ما حدث لي، لكن صور الضحايا وعويل أهاليهم التي شاهدتها على مواقع التواصل الاجتماعي، سكنت مخيلتي وكأن الحدث يعيد نفسه في كل حين”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق