جرن حنطةموزاييك

البرسيس .. لعبةٌ غريبة من التراث الدمشقيّ القديم

الاتحاد برس – المحرر الرئيسي

في اللهجة الحلبية البرجيس (barcges) ، ولكن في اللهجة الشامية البرسيس (barsees، لعبةٌ قديمة لا تزال موجودة إلى يومنا هذا، ربّما لا يعرفها الكثير من الناس أو ربما قد عرفوا شكلها مع ذلك الغطاء الأسود والأصداف الصغيرة لكنهم لم يدركوا أن هذا هو اسمها.

لعبة البرسيس لعبة قديمة يفوق عمرها أكثر من 200 سنة، ورغم أن الكلمات فيها أعجمية إلا أنها لعبة شامية وليست تركية أو فارسية كما يقال، فهي لعبة بسيطة وغير معقدة يستطيع تعلمها أياً كان، وتتألف من قطعة قماش سوداء متطرز عليها بخيوط ملونة ومحدد عليها شكل مستطيلين متقاطعين ومتصالبين مع بعضها، وكل منهما مقسم بثلاثة خطوط طولية وعرضية تصنفها إلى مربعات صغيرة ونقطة التقاطع تشكل مربع صغير يمثل نقطة النهاية والربح، هذا المربع كان يسمى حسب ما يريده البعض بأسماء طريفة مثل المطبخ القصر أرض الكنز.

وتتألف هذه اللعبة من أربع حجارة على هيئة “أحصنة” يحركها أحد اللاعبين ضمن المربعات الصغيرة، وتتألف من أربعة جنود يحركها اللاعب الثاني ضمن المربعات الصغيرة، ويشترك اللاعبين بـ6 حجارة صدفية أو كما يسمها البعض “الودع” وهي التي يرميها اللاعبان مرة بعد مرة على التوالي وتحرك الحجارة السابقة على أساسها.

كيفية لعب البرسيس

وتمد القطعة القماشية التي سيلعب عليها، على الأرض أو على طاولة ويجلس اللاعبان الخصمان قبالة بعضهما بحيث تكون الحجارة (الجنود- الأحصنة) خارج إطار المستطيلين المتصالبين، حيث يبدأ أحد اللاعبين برمي الصدف (الودع) على قطعة القماش وبناءً عليه يتم تحريك الحجارة، وهنا يأتي دور الاحتمالات حيث تكون لدينا 7 احتمالات، الأول يسمى “دوا” الذي في حال تم رمي الودع وجاء أربع صدفات ذات الوجه المفتوح إلى الأعلى وصدفتان ذات الوجه المغلق للأسفل فهنا يتحرك اللاعب مربعين فقط داخل المستطيلين المتقاطعين.

 ويعتبر احتمال “دوا” أسوء الاحتمالات وأقلها خطأً في لعبة “البرسيس”، أما الاحتمال الثاني يقال له ثلاثة وهو أن ثلاثة صدفات وجها المفتوح للأعلى وثلاثة صدفات وجهها المفتوح للأسفل، في هذا الاحتمال يتحرك الحجر داخل المستطيلين المتقاطعين ثلاثة مربعات فقط، في حين الاحتمال الثالث يقال له أربعة وهو أن يأتي أربعة صدفات وجهها للأعلى مغلق وصدفتان وجهها المفتوح للأسفل، وهنا يتحرك اللاعب بحجرة أربع مربعات، والاحتمال الرابع ويقال له “الشّكّة” حيث يتحرك الحجر داخل المستطيلين المتقاطعين 6 مربعات شريطة عدم دخول حجر جديد إلى داخلهما والتي يسميها البعض “التركيب”.

 الاحتمال الخامس يسمى “بارة” أيضاً لا يستطيع اللاعب “التركيب” أي دخول حجر جديد خارج المستطيلين إلى داخلها، لكنه يتحرك 12 مربع، الاحتمال السادس يسمى “دست” وهو أن تأتي الصدفات التي يرمياها كلها مفتوحة الوجه نحو الأعلى عدا واحد مغلقة الوجه، ويستطيع اللاعب هنا التركيب أي دخول حجارة جديدة إلى داخل اللعبة وأن يمشي 12 مربعاً أيضاً، أما الاحتمال السابع والأخير فيسمى “البنج” الذي يعد أفضل الاحتمالات على الإطلاق في اللعبة حيث تأتي جميع الحجرة مغلقة نحو الأعلى عدا واحدة مفتوحة للأسفل، هنا يستطيع اللاعب التركيب وأن يتحرك 24 مربعاً.

شروط لعبة البرسيس

وهناك شروط يجب أن يلتزم بها اللاعبين وهي التحرك بانتظام داخل المستطيلين المتصالبين حيث أن أحد اللاعبين يبدأ بجهة واللاعب الآخر بجهة مقابلة وتتحك الحجارة بانتظام دون قفز أو تخطي للمربعات، ويستطيع اللاعب المتقدم إخراج حجارة “الودع” الآخر إذا جاءت في نفس المربع الصغير، وتتحرك الحجارة على كامل المربعات مع عقارب الساعة أو عكسها، ومن يصل إلى المربع في المنتصف يكون الرابح أو الفائز.

تعتمد هذه اللعبة على الحظ بشكل أساسي، فرمية اللاعب للودع هي التي تعطيه القدرة على الحركة ضمن اللعبة وهذا يعود إلى حظه فيها، وتستغرق وقتاً يتراوح بين الربع ساعة إلى ساعتين خصوصاً عندما يكون فيها تراجع للمقدمة وتقدم في حجارة اللاعبين، وفي الماضي كان أهلنا يلعبونها ويقضون أوقات فراغهم باللعب بعد الانتهاء من أعمالهم، فلا يوجد بيت شامي إلا وفيه لعبة البرسيس التي كانت لعبة للنساء أكثر منها للرجال الذين كانوا يقضون سهرتهم في المقاهي ولعب النرد وسماع الحكواتي، ومن الطريف ذكره أن النساء كن يلعبن على شرط أو رهن بينهن كما يقال، مثل أن التي تخسر هي التي تقوم بالجلي أي غسل الصحون والأواني بعد انتهاء السهرة، أو الرهان على طبق من الحلويات تقدمه الخاسرة للرابحة.

تصنع البراسيس في محلات صنع أدوات التزيين والزخارف المنزلية في أسواق الصناعات الزخرفية في دمشق، وفي بعض الأحيان تصنع وتخيط في البيوت، إذ يعتني بها كثيراً وتزخرف بتمهل وذوق، وأحياناً تبيع البيوت للأسواق، أما محلات بيعها في دمشق فهي سوق “القيشاني” و”الجمعة” في “الصالحية”، وفي بعض أسواق “باب شرقي” التي تبيع الشرقيات، وللبراسيس التي تباع في البيوت أسعار غالية نظراً لدقة صنعها، والتفنن في زخرفتها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق