أكاديميا

الاتفاق التركي الليبي وإشعال جبهة المتوسط

مركز أسبار للدراسات والبحوث

مقدمة:

التدخل التركي المستمر في ليبيا منذ سنوات، يتجه نحو منعطف جديد، بعد توقيع تركيا وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس على مذكرة تفاهم بعنوان “مجالات الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط”، وقد وقّع المذكرة مولود جاويش أوغلو عن الجانب التركي، ومحمد الطاهر حمودة سيالة عن حكومة الوفاق الليبية، وذلك في 27 من الشهر الماضي في استنبول، وبالفعل فقد واجهت هذه المذكرة اعتراضات حادة من قبل أطراف عديدة، خصوصاً دول المتوسط، المعنية مباشرة بأي متغيّرات تحدث في إعادة ترسيم المياه الإقليمية للدول، من مثل مصر، وقبرص، واليونان، وفرنسا.

إلى جانب هذه المذكرة، تم توقيع اتفاق أمني وعسكري بين الجانبين التركي والليبي، وهو اتفاق يمنح تركيا إمكانات أكبر في التدخل لمصلحة حكومة الوفاق (ذات التوجهات الاخوانية التي تتلاقى مع توجهات حزب العدالة والتنمية  وسياسات اردوغان في المنطقة ) ، كما يمنحها حضوراً واسعاً ومباشراً فوق الأراضي الليبية.

الأهداف التركية من الاتفاقيتين البحرية والأمنية

تقوم مذكرة التفاهم على مبدأ “الجرف القاري”، وليس استناداً إلى مبدأ الحدود البحرية أو المياه الإقليمية، خصوصاً أن تركيا لا تعترف بجزيرة كريت، وبالتالي فإن مبدأ الجرف القاري يسمح لتركيا أن تتقاسم مع حكومة الوفاق 400 ميلاً بحرياً، مع تجاهل كامل لحقوق قبرص واليونان في شرق المتوسط.

 ووفقاً لاتفاقية البحار الموقعة في عام 1982، فإن تركيا تمتلك فقط 12 ميلاً بحرياً، لا توجد ضمن هذه المساحة (الحدود البحرية) أي منابع للنفط والغاز، وبالتالي فإن توسيع حصتها البحرية سيجعلها قادرة على استثمار ما هو متوقّع من اكتشافات للنفط والغاز، خصوصاً أن المسوح التي أجريت لمنطقة الجرف القاري تؤكد على وجود منابع نفط وغاز في المثلث الواقع بين قبرص واليونان وإسرائيل.

 وعلى الرغم من استفادة تركيا من مرور النفط والغاز منها إلى دول أوروبا، إلا أنها ليست من البلدان المنتجة للطاقة الأحفورية، وهو ما يكلّفها سنوياً بحدود 50 مليار دولار، وتسعى تركيا إلى أن تكون استثماراتها في إنتاج النفط والغاز من الجرف القاري (وفق مذكرة التفاهم) مقدمة للدخول في عالم منتجي النفط، وهذا الأمر، على أقلّ تقدير، من شأنه أن يجعلها تنحو إلى الاكتفاء الذاتي. 

 لكن الآمال النفطية بعيدة المدى ليست كل شيء، فعلى الرغم من أن دعم تركيا لحكومة الوفاق والمجموعات المسلحة الموجودة طرابلس ومصراته بالسلاح والعتاد والمستشارين العسكرين والطائرات المسيرة  لم يتوقف، لكنه لم يكن خاضعاً لاتفاقيات ثنائية، ومن الواضح أن الطرفين، التركي وحكومة الوفاق، بحاجة إلى اتفاق مباشر، فتركيا ترغب بامتلاك حصة كبيرة من واردات حكومة الوفاق من السلاح والمعدّات العسكرية، خصوصاً أن تركيا أصبحت من أهم ثلاث دول صاعدة في سوق تصدير السلاح، إلى جانب الهند والبرازيل، كما أن حكومة الوفاق الوطني أصبحت بحاجة كبيرة إلى استيراد السلاح من جهة، وإلى دعم تركي سياسي وعسكري مباشر من جهة ثانية، في خضم التطورات العسكرية بينها وبين الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر  قائد الجيش الوطني الليبي ، الذي يحظى بدعم سياسي واسع من قبل مصر، والسعودية، والإمارات وفرنسا وروسيا وقبرص وإيطاليا وتزايد الدعم لاحقا من دول عديدة بعد عقد اتفاقية تعاون وطلب التدخل السياسي والعسكري لدعم حكومة السراج ومليشياته العسكرية(  الدروع ) التي تتبع لتنظيم الاخوان الليبي .

 وبما يخص جهود إعادة الإعمار، فإن مذكرتي التفاهم تمنحان تركيا دوراً كبيراً في ملف إعادة الإعمار داخل ليبيا، خصوصاً أن حكومة بنغازي قامت مؤخراً بخطوات مهمة في هذا الملف، وفي مقدمتها زيارة وفد من شرق ليبيا ، يرأسه علي الهبري، رئيس البنك المركزي، إلى اليونان، في مسعى لإعداد خطط مشتركة لإعادة الإعمار في مدينة بنغازي.

 تصعيد يوناني تركي

اعتبرت اليونان الاتفاقيتين تصعيداً مباشراً ضدها، وانتهاكاً لحقوقها البحرية، وتجاوزاً لأمنها القومي، فقد أرسلت الحكومة اليونانية برسالتين إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ورئاسة مجلس الأمن الدولي، حول ترسيم الحدود في البحر المتوسط، وقالت إن “الاتفاق جرى إعداده بسوء نية، وينتهك قانون البحار، نظراً لأن المنطقتين البحريتين لتركيا وليبيا ليستا متجاورتين، ولا توجد حدود بحرية مشتركة بين البلدين”.

كما رأت الحكومة اليونانية أن الاتفاق “لا يأخذ بعين الاعتبار الجزر اليونانية في البحر المتوسط، وحقها في أن يكون لها مناطق بحرية”، وذلك في إشارة خاصّة لجزيرة كريت بشكل أساسي.

 الردُّ التركي تجاهل بشكل كامل “اتفاقية البحار الدولية” لعام 1982، ومضى خطوة أوسع، معتبراً أن الاتفاقية التي وقّعها مع حكومة الوفاق الوطني، تأتي في إطار القانون الدولي، كما أنها تمنحه الحق في التدخل العسكري في ليبيا، حيث صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه “”فيما يتعلق بإرسال جنود، إذا قدمت لنا ليبيا مثل هذا الطلب، فيمكننا إرسال أفرادنا إلى هناك، خصوصاً بعد إبرام الاتفاق الأمني العسكري”.

 وقد طالبت اليونان الاتحاد الأوروبي بإدانة الاتفاق وفرض عقوبات على تركيا وليبيا في حال دخلت الاتفاقية بينهما حيّز التنفيذ، وقد أدان زعماء الاتحاد الأوروبي، في اجتماع عقد في بروكسل في 13 ديسمبر/ كانون الأول، مذكرة التفاهم التركي الليبي، واعتبروها انتهاكاً “للحقوق السيادية لدول ثالثة، ولا تمتثل لقانون البحار”.

تحالفات وتناقضات تركية روسية أمريكية

ما زال رجب طيب أردوغان يحاول الاستفادة من التناقض الأمريكي الروسي في أربع ملفّات رئيسية، وهي الشرق الأوسط، الناتو، الطاقة، الاتحاد الأوروبي، وتشكّل ليبيا ساحة من الساحات المهمّة للتناقض الروسي الأمريكي، حيث ترى واشنطن في دعم موسكو للمشير خليفة حفتر ترسيخاً لوجود روسي طويل الأمد في المتوسط، مستفيدة من وجودها في “قاعدة حميميم” في الساحل السوري.

من هذا المنطق، فإن تقاطع المصالح بين وواشنطن وأنقرة في ليبيا، يجعل موقف أنقرة مقبولاً لدى واشنطن، حيث لا تزال واشنطن تعوّل على دور تركي فاعل لتركيا في الناتو، خصوصاً مع الاعتراضات الأوروبية الشديدة للناتو، حيث وصفه الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون بأنه في حالة “شلل دماغي”.

تأتي الخطوة التركية الجديدة في مذكرتي التفاهم البحرية والأمنية مع حكومة الوفاق الوطني في سياق السعي للهيمنة على جزء واسع من القرار السياسي والعسكري الليبي، ما يجعلها تفاوض لاحقاً موسكو على حصتها في ليبيا، على غرار ما اتبعته من سياسات في سوريا، حيث أصبحت جزءاً من الضامن الثلاثي في مسار أستانة، إلى جانب روسيا، وإيران.

العودة التركية للسياسات الاستعمارية

سمحت الاهتزازات التي حدثت في النظام الدولي، خصوصاً بعد عام 2003، واحتلال أمريكا للعراق، ومن ثمّ أحداث الربيع العربي، بحدوث انتهاكات واسعة لمبدأ سيادة الدول، والذي يعدُّ مبدأ أساسياً ومؤسّساً للأمم المتحدة، وقد وجدت تركيا، بقيادة أردوغان، ومن ورائه “حزب العدالة والتنمية”، الفرصة مواتية لتوسيع النفوذ التركي ما وراء الحدود، والعودة بشكل مباشر أو غير مباشر للسياسات الاستعمارية للحقبة السوداء للإمبراطورية العثمانية .

السياسات التدخّلية لتركيا، وجدت لها سنداً أيديولوجياً في الإسلام السياسي، من أحزاب ومنظمات، بما فيها المنظمات الراديكالية المتطرفة ( القاعدة – داعش )، وقد دعمت بشكل صريح الإخوان المسلمين في مصر وسوريا وليبيا، وقد أسهمت عبر السلاح في تقوية ودعم نفوذ الإسلاميين، مستفيدة من خلط الأوراق الهائل الذي حدث في الشرق الأوسط، ومن التردّد الغربي في الدخول بشكل مباشر على خط الصراعات القائمة.

مقاتلين أجانب في صفوف داعش في سوريا

لكن الخطوة الجديدة التي قامت بها تركيا، تمتاز بأنها فتح لجبهة جديدة في المتوسط، تحت “غطاء قانوني”، عبر اتفاق مع حكومة الوفاق الليبية، واستفزاز فعلي لليونان، ومن ورائه الاتحاد الأوروبي، وتصعيد للصراع على منابع الطاقة.

خلاصة:

في الوقت الذي أصبحت فيه ليبيا بمثابة “الرجل المريض”، فإن تركيا تسعى بكل السبل لأخذ حصتها من الكعكة الليبية، مستفيدة من حاجة حكومة الوفاق الوطني في طرابلس لدعمها السياسي والعسكري، لكن من الناحية العملية، إن تجاوز القانون الدولي بما يخص الحدود البحرية، بالإضافة إلى زيادة الهيمنة العسكرية في المتوسط، من شأنهما أن يخرجا المواجهة الصامتة، أو المنضبطة، بين اليونان وتركيا، من حيّز المعايير التي كانت تحكم تلك المواجهة، وأن تدفعا جبهة المواجهة مع تركيا إلى مزيد من التنسيق، بين مصر، واليونان، وقبرص، والسعودية، والإمارات، الذين ستصبح مصالحهم مرهونة بتقديم دعم أكبر للجيش الوطني الليبي تحت قيادة المشير خليفة حفتر ،   من أجل حسم المعارك في طرابلس، مع قوات وميليشيات حكومة الوفاق الوطني

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق