أكاديمياالسلايد الرئيسيدراسات

انعكاس ثورتي العراق ولبنان على الدور الإقليمي لإيران

مركز أسبار للدراسات

كمال شاهين

مقدمة
منذ انطلاق موجة الربيع العربي اﻷولى عام 2011، لم تكن إيران، ولا نظامها السياسي، بعيدين عن ترقب ما يجري في جوارها القريب والبعيد، فرحبت بثورتي تونس ومصر على أنهما “صحوة إسلامية”، ولكنها عندما وصلت الثورة إلى ديار شريكها السوري، وجدتها تهديداً خطيراً ﻷمنها ووضعها اﻹقليمي والدولي، وبادرت إلى الانخراط بكل قواها في التصدّي لها.  

هذا العام، يعيش العالم العربي نسخة ثانية من “الربيع العربي”، شهدت احتجاجات متسعة من الجزائر إلى السودان ثم العراق ولبنان، وإلى اﻵن، نجت هذه الاحتجاجات من مطبّات الموجة السابقة، فهي لا تحمل طابعاً “إسلاموياً”، كما أنها استبعدت حضورَ اﻷحزاب السياسية والتيارات والمرجعيات الدينية بأنواعها.

وخلافاً للنسخة اﻷولى من الربيع العربي، فإن طهران لا ترحّب بتظاهرات المحتجين الحالية التي تطالب بإصلاحات أساسية في لبنان والعراق، حيث أمضت طهران عقوداً في استثمار رأسمال سياسي واقتصادي فيهما، ويحتلان أهمية حاسمة في فضاء إيران الجيوسياسي. 

في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ومع اندلاع المظاهرات في البلدين، حذّر المرشد اﻷعلى للثورة اﻹيرانية” آية الله علي خامنئي” أن “أميركا وأجهزة الاستخبارات الغربية تقوم اليوم أكثر من غيرها في العالم، وبتمويل من الدول الرجعية في المنطقة، بإثارة الفوضى والاضطرابات، وهو ما يعدُّ أسوأ عداء وأخطر حقد ضد شعب ما”، ووجه في الكلمة ذاتها “نصيحة للحريصين على مصلحة العراق ولبنان” أن يجعلوا معالجة “الاضطراب الأمني” أولوية لهم، متابعاً: “إن شعبيّ هذين البلدين لهما مطالب مشروعة ولكن عليهما أن يعلما أن هذه المطالب ممكنة وقابلة للتحقّق في إطار الآليات القانونية”. 

وشنّت وسائل اﻹعلام اﻹيرانية هجوماً شديداً على التظاهرات، فوصفت المتظاهرين على أنهم “أتباع للغرب”، ودعا حسين شريعة مداري، رئيس تحرير جريدة “كيهان” المحافظة، ومستشار خامنئي، العراقيين واللبنانيين للاستيلاء على السفارتين الأمريكية والسعودية، أما “حميد رضا زاندي” المعلّق في التلفزة اﻹيرانية فطلب “حرق الأعلام الأمريكية والسعودية” باعتبارها “لا” كبيرة للانتفاضات توضح هويتها، أما خطيب جمعة طهران، محمد علي موحدي كرماني، فقد اتّهم المحتجين بأنهم “شيعة اﻹنكليز”. 

المصالح الجيوسياسية والإقليمية الإيرانية في العراق

تلعب العوامل الجيوسياسية دوراً رئيسياً في مصالح إيران في العراق، سواء اﻷمنية منها أو الاقتصادية، أو حتى الدينية، باعتبار الوجود الشيعي (العربي) فيها منافسٌ رئيسي لمثيله اﻹيراني، وصراع مدينة قم اﻹيرانية مع نظيرتها العراقية، كربلاء، مستمرٌ منذ تحوّل إيران الصفوية إلى الشيعية، كأول تمظهر للدولة الشيعية في التاريخ اﻹسلامي خارج العالم العربي.

تسعى إيران (الدولة قبل الثورة) وتعمل بدأب على منع عودة العراق القوي الذي يشكّل لها تهديداً من كافة الوجوه، فبعد ثماني سنوات من الحرب بينهما في ثمانينات القرن الماضي، ثم التدخل اﻷميركي في إسقاط صدام حسين، كانت إيران الرابح اﻷكبر من سقوط النظام البعثي.

وإذ أدركت طهران أن بغداد فقدت موقعها كعاصمة (سُنية وعروبية)، ولم تعد تشكّل لها تهديداً عسكرياً، كان عليها ضمان بقاء العراق ضمن نفوذها، وواقعاً في مشكلاته التي لا تنتهي، عبر أصدقائها في السلطة العراقية، بأي شكل، سواء عبر التدخل المباشر، أو عبر الوكلاء، فكان ظهور المجموعات الشيعية المؤثرة في الشارع كأدوات فعلت فعلها في سياق السيطرة على الفضاء العراقي (الحكومي كما الشعبي)، عبر استخدام هذه اﻷدوات الناجعة دوماً في تطييف البلاد، وتحويل ديمقراطيته الناشئة إلى صراعات حزبية وسياسية متناحرة أهلكت البلاد والعباد، وأنتجت فساداً مذهلاً في بلد غني بكل شيء، ولا شك هنا، أن ما حصل في العراق ليس نتاجاً إيرانياً صرفاً، فهناك عديد القوى التي تلعب بمشهد السلطة العراقية (غير المركزية إلا بالاسم)، وعلى رأسها القوتين الأمريكية والخليجية، ولكلّ منهما مناصريه وأتباعه.

من جانب ثان، لعب العراق، بالنسبة لطهران، دور العازل بينها وبين السعودية، منافسها الإقليمي الجديد في النطاق العربي، والحاجز اﻷساسي بوجه تصدير (الثورة) إلى دول العالم العربي (السودان ومصر واليمن)، وفي حال وجود حكومة موالية للسعودية (يتزعم هذا التيار مقتدى الصدر)، يمكن أن يميل ميزان القوى اﻹقليمية لصالح الرياض بشكل كبير.

استقرار الحكومة العراقية المركزية (الشيعية) تحوّل إلى هدف رئيسي في السنوات التي ظهر فيها تنظيم “داعش” الإرهابي، وتحتَ قيادة الجنرال سليماني، ظهرت عمليات تجنيد شيعية واسعة النطاق أنتجت تنظيم (الحشد الشعبي)، الذي قاتل “داعش” في غالبية مناطق الشرق والجنوب الشرقي العراقية، مع مشاركة طائرات إيرانية في قصف مواقع تنظيم “داعش” حول مدينة الموصل وكربلاء ومواقع أخرى

مع انتهاء خطر “داعش”، استعاد العراقيون اهتمامهم بما يجري في بلادهم على يد الطبقة الحاكمة، فكمية وحجم الفساد في البلاد أكثر من أن تحتمل، حيث يتصدّر العراق لائحة الدول اﻷكثر فساداً في العالم، كما أن التدخل اﻹيراني المفرط في الشؤون العراقية قد تجاوز كل حدّ.

إيران أولوية في الاحتجاجات العراقية

لعلّها المرة الأولى منذ سقوط نظام صدام حسين التي يخرج فيها ملايين العراقيين مندّدين بشكل علني ومن دون خوف بالسيطرة اﻹيرانية الواضحة على مقاليد الحكم والحياة في العراق، حتى قبل كلام خامنئي، الذي أثار حديثه، وأيضاً بعد غياب طويل، غضباً وطنياً حقيقاً تجاوز فيه العراقيون طائفيتهم، فلم تقتصر الاحتجاجات على “بعض السّنة وأنصار البعث وداعش” كما نقل اﻹعلام اﻹيراني.

فقد أعلنت المرجعية الشيعية في خطب أيام الجمعة عن “رفض التدخلات الخارجية، خاصة الإقليمية، في شؤون العراقيين”، ودعت إلى “ترك أبناء الشعب يقررون مصيرهم بأنفسهم”، داعيةً الناس الخروج إلى الشوارع بكثافة لتغيير النظام القائم، ردّاً على تصريحات خامنئي، وهو ما قوّى التظاهرات وامتداداتها إلى كل المناطق، وعلى عكس اللبنانيين ـ حتى اﻵن ـ حرق العراقيون أعلام إيران علانيةً، وهم يهتفون “إيران برا، برا”، كما مزقوا ملصقات وصور خامنئي وهاجموا مقرات الميليشيات الشيعية التي يدعمها “الحرس الثوري” الإيراني.

كشفت الاحتجاجات التي عمّت المدن الشيعية جنوباً (في كربلاء والموصل وبغداد) أن سياسات النظام اﻹيراني التي تنفّذها الطبقة السياسية العراقية، وعلى رأسها رؤساء الوزراء المتعاقبين على السلطة، فشلت في تحقيق أي سياسات تنموية واقتصادية، حيث أصبح من النادر اليوم أن تجد “بضاعةً عراقية”، حتى التمور الشهيرة تحولت إلى درجة ثانية، بعد غزو منتجات طهران بكافة أنواعها للسوق العراقية، مترافقة مع عدم توفير الخدمات اﻷساسية، مثل الكهرباء والماء، في دولة مخزونها النفطي رابع مخزون في العالم. 

لقد بات واضحاً للعراقيين أن هدف إيران اﻷساسي السيطرة السياسية والاقتصادية بعيداً عن كل بروباغندا “المقاومة” والعامل الديني الشيعي، وبالطبع، إن ما وصل إليه العراق لم يكن فقط ناتجاً عن سياسات عملاء طهران، فقد كان لتدمير البنية التحتية منذ الغزو اﻷمريكي للعراق وحتى اليوم آثاره الفادحة على واقع الحال في البلاد. 

يحدث هذا في الوقت الذي جهد فيه القادة العراقيون من أجل تأمين مليارات الدولارات ﻹنقاذ طهران من العقوبات الأمريكية، وخلق اقتصاد موازٍ (تهريب) يمكنها من المحافظة على نظامها السياسي والاجتماعي، ولم يكن مستغرباً بالتالي، الخوف اﻹيراني الكبير من سقوط الطبقة السياسية العراقية الفاسدة، واستبدالها بأخرى ذات نهج وطني وقومي.

محاولة بعض الطبقة السياسية الخروج عن المجال اﻹيراني، كما فعل مقتدى الصدر عبر اتفاق مع  زعيم “تحالف الفتح”، هادي العامري، بشأن إقالة رئيس الوزراء، عبد المهدي، وإيجاد بديل عنه، كونهما أكبر كتلتين في البرلمان، انتهت بوصول الجنرال “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس في “الحرس الثوري” اﻹيراني إلى بغداد، وعقد الاجتماعات مع القيادات السياسية لإجبارها على التمسك بحكومة عبد المهدي ورفض استقالته، ليذهب أكثر من ذلك، عندما أبلغ زعيم “تحالف الفتح” بضرورة رفضه للاتفاق مع زعيم التيار الصدري، ليخرج العامري متحدثاً ويؤكد بأنه “لا يملك السلطة في استقالة عبد المهدي”، بعد ساعات على قبوله التفاوض مع الصدر، الذي ذكرت مصادر أنه هو اﻵخر توقف عن طلبه إقالة المهدي بعد لقائه سليماني وسفره معه على الطائرة نفسها إلى مدينة قُم.

وحسب اﻹعلام، فإن سليماني طلب من الحكومة العراقية “قمع التظاهرات”، وهو ما قامت به قوات اﻷمن العراقية بالتعاون غير المباشر مع الميليشيات المتحالفة مع الحكومة والمرتبطة بإيران، ما تسبّب بسقوط أكثر من مئة قتيل وأكثر من ستة آلاف جريح منذ بدء الاحتجاجات، وفق بيان الحكومة نفسها التي اتهمت “قناصين مجهولين” بإطلاق النار على المتظاهرين والقوات الأمنية على حدّ سواء، في حين أشارت منظمات حقوقية (أمنيستي) إلى مشاركة القوات الأمنية في قمع المظاهرات.

شكّلت الحكومة لجنةً وزارية عليا للتحقيق في مقتل المتظاهرين، قوبل تقريرها بموجة استهجان وتنديد شعبي ورسمي واسع، اعتبره مدونون وأحزاب سياسية أنه “غير كافٍ”، داعين إلى محاكمة علنية بحق جميع المتورطين، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء (رجل إيران اﻷول، ويحظى يدعم أمريكي) ودافع عنه معتبراً التقرير “شفافاً”.

في ظل الوضع العام للنظام السياسي العراقي (البرلماني) فإن عملية إسقاط حكومة عبد المهدي يجب أن تمرّ  ّعبر البرلمان، وتمثل الدعوة إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة طريقة تحقيق هذا الهدف، وهو ما ترفضه إيران بوضوح عبر وكلائها، وهو ما جعل تعامل الحكومة وقواتها اﻷمنية مع المحتجين في أقصى حالاته العنفية، ومن الواضح أن طهران التي استثمرت الكثير من المال والجهد في العراق، وحولته إلى تابع لها سياسياً واقتصادياً لن تسمح للمتظاهرين بخسارة موقع استراتيجي أساسي في سياساتها اﻹقليمية، عدا عن أنه جارها اﻷكبر المفتوح على الفضاء العربي حيث تدور صراعاتها اﻷهم، سواء كدولة أو كثورة أمضت نصف قرن تقريباً في محاولة غرس بذورها في الشرق اﻷوسط وليس في العراق فقط.

محاصرة “حزب الله” 

منذ نشأته أوائل الثمانينيات وحتى اليوم، كان “حزب الله” واحداً من أهم اﻷصول الاستراتيجية الفعّالة ﻹيران في الشرق اﻷوسط، لجهة مساندة الجمهورية اﻷسلامية في تعزيز موقعها الجيوسياسي تجاه خصومها (وأصدقائها) اﻹقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل والسعودية، الوﻻيات المتحدة والغرب عموماً، وهؤلاء الخصوم ظهروا بوضوح في حرب تموز 2006، كما ظهروا عبر تدخلهم جميعاً في الأزمة السورية منذ 2011، التي كان مهماً ﻹيران فيها، ألا يسقط النظام الموالي لها وتخسر بذلك ورقة استراتيجية كبيرة في الشرق اﻷوسط، وكذلك ألا تنقطع خطوط إمداد “حزب الله” العسكرية العابرة لسوريا، حيث يمكنها استخدام ورقة التهديد ﻹسرائيل في أي وضع إقليمي أو دولي، وهو ما ظهر عدة مرات عبر تهديد إسرائيل “بالفناء” في حال تعرضت إيران ﻷي عدوان غربي.

دفعت الاحتجاجات الشعبية، غير الطائفية، في لبنان، “حزبَ الله” إلى وضعٍ حرج، يتعامل معه في صورته العامة بنفس المنطق اﻹيراني، الذي يرى في الاحتجاجات “مؤامرة دولية وإقليمية مصنّعة”، وأن الحراك مرتبط بسفارات دول معروفة (السعودية والولايات المتحدة) دون إنكار أحقية “مطالب المحتجين”، محذّراً أن مطالب إسقاط النظام الحالي ستخلق “فراغاً سيؤدي إلى الانهيار والفوضى”، لذلك لابدّ من إصلاح النظام السياسي من داخله،  عبر الموافقة على ورقة سعد الحريري اﻹصلاحية التي هي بمعظمها استجابة لطلبات البنك الدولي لتعويم اﻷزمة، عبر خفض قيمة الليرة اللبنانية، وهو ما حصل إثر اختفاء الدولار من التعاملات اليومية والمصرفية (ارتفع الدولار قرابة 200 ليرة في السوق السوداء).

لم تؤد استقالة الحريري إلى إضعاف الاحتجاجات في لبنان، وقادت محاولة عدد من أنصار “حزب الله” تفكيك مواقع للاحتجاج في بيروت إلى تصاعد الغضب عليه في الشارع المحتج، لكن من دون انتقال هذا الاحتجاج أكثر من ذلك، فلا تعارض الاحتجاجات “حزب الله” بوضعه الراهن إلا بمقدار أنه “مكـوّنٌ طارئٌ” في الطبقة السياسية اللبنانية لم تتجذر مواقعه في الفساد الحاكم، خاصةً في ظل تداخل مطالب المحتجين مع مواقف حزب الله القديمة من الفساد والنظام نفسه، ومنها رفضه زيادة الضرائب على اللبنانيين قبل إعداد موازنة 2019 ، وقبول الحزب استعداد وزرائه ونوابه وأي شخص آخر لأي استدعاء قضائي رسمي.

سيكون المأزق الحقيقي ل”حزب الله”، مع انطلاق دعوات لنزع سلاحه من قبل الجمهور الثائر، ولا يستغرب ظهور مثل هذه النداءات التي سبق وكانت حاضرة في عدة احتجاجات لبنانية سابقة (2017)، ويتضح في الحراك الحالي خسارة الحزب شعبيته جزئياً ضمن الحواضن الشيعية وغير الشيعية برفضه الانضمام إلى الحراك، وفي انقسام مؤكد في مواقف بعض مناطق الطائفة بما يخص الحراك، من دون نسيان أن موقف الحزب المعلن منه أضعف وخفف التظاهرات “الشيعية” في الشارع، ويعوّل الحزب كما النظام اللبناني على إنهاك الحراك بطرق مختلفة، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة إيران. 

ميزة “حزب الله” أنه رغم وجود وزراء ونواب له في البرلمان والحكومة، إلا أنه غير مندمج في قلب النظام السياسي اللبناني، بل إن له “دولته الخاصة” التي لا تتشابك في التمويل المالي أو الاقتصادي مع أي من مؤسسات الحكم اللبناني، فلديه شبكة اتصالاته وتجارته الخاصة، وهذا يعني إجمالاً أن تأثير المتظاهرين سيكون منصباً على نقطة واحدة هي نزع سلاح الحزب، وهذه موضع جدل لبناني لا يُعتقد الذهاب إليها من قبل المحتجين إلا إذا دخل الحزب في محاولة إخماد الاحتجاج بطرق عنفية، وهو ما يحاول جاهداً البقاء بعيداً عنه، فترك الجيش اللبناني يتصدى لمجموعة من “البلطجية” المقرّبين منه نزلت لتفريق احتجاج في بيروت من دون أن يقوم بأي تدخل معلن.

إيران التي “نصحت” اللبنانيين كما العراقيين باﻹصلاح من قلب النظام السياسي تدرك أن مسألة “حزب الله” لم يحن موعدها بعد، أو أن لها حلّاً سيأتي وقته في لاحق الأيام، ولذلك تركّز على ما يجري عند جيرانها العراقيين بشكل دقيق محاولة ألا يفلت أمره من بين يديها، وعلى اﻷرجح، في ظل توازنات القوى المحلية العراقية، فإن الحراك، الذي لا يدعمه أحد كما يبدو، سيبقى معتمداً على حضوره في الشارع لتحقيق مطالبه الاقتصادية والسياسية.

ضغوط أمريكية

في حملته الانتخابية، تبنى الرئيس ترامب خطاب الصقور في واشنطن فوصف خصومه بأنهم “مكّنوا المشروع اﻹيراني للهيمنة على الشرق اﻷوسط عبر الموافقة على الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن طهران”، ولذلك كان قراره العام 2015 الانسحاب من الاتفاق النووي وقنونة حصار اقتصادي عليها دولياً، ومستجيباً مع روسيا كذلك للطرح اﻹسرائيلي بضرورة إخراجها ومنعها من الوصول إلى الحدود الجنوبية السورية. ومنذ 2016 قامت حملة “الضغط اﻷقصى” بفرض عقوبات مُنعت فيها طهران كلياً من تصدير نفطها (عماد اقتصادها)، وهذا أدّى إلى تشجيع عناصر النظام اﻷساسيين (الحرس الثوري) على التوجه إلى تصعيد الحرب مع واشنطن.

ولعلّ كل هذا وغيره من اﻷسباب الواقعة بين واشنطن وطهران، يجعل من تظاهرات العراق ثم لبنان (ثم طهران) مصدراً من مصادر الاهتمام اﻷمريكي، من دون التدخل المعلن أو الظاهري فيها في ظل رفض شعبي (عراقي واضح) لأي من منتجات المرحلة السابقة، ومن ضمنها التدخل اﻷمريكي في الشأن العراقي، بالطبع ما يحدث في لبنان امتداد لما يحدث في العراق بشأن “حزب الله” الذي خضع بدوره للعديد من العقوبات لاتهامه بتمويل اﻹرهاب.

وصول النار إلى طهران

في خوف واضح من وصول الاحتجاجات إلى مدنهم، وصف المحافظون اﻹيرانيون الانتفاضات على أنها “فتنة”، وهو مصطلح استُخدم أثناء المظاهرات “الخضراء” المناهضة للحكومة عامي 2009 و 2017. فيما اتهم آخرون الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية بإشعال “الفتنة” ﻹضعاف إيران وخلق انقسامات بينها وبين حلفائها اﻹقليمين.

مع وصول الاحتجاجات إلى إيران، وفي حال استمرارها، فإن الضغوط ستخفّ على الاحتجاجات العراقية، وفي لبنان، سيحاول “حزب الله” جاهداً ألا يدخل في مواجهة مع المحتجين، وسيعيد المحتجون ككل، صياغة مشهد الشرق الأوسط الجديد، ضمن خارطة توازنات جديدة قد لا يكون لطهران فيها دورٌ رئيس، في ظل تشكّل محور جديد يخرج للعلن بالتدريج، هو المحور السعودي ـ اﻹسرائيلي ـ اﻷميركي، فمن الصحيح أن “الثورة اﻹسلامية”، بتعبير مؤسس الجمهورية الإسلامية، الخميني، “لم تكن حول ثمن البطيخ”، إلا أن إيران، في ظل الحصار الاقتصادي الأمريكي الطويل اﻷمد، تواجه مشكلات مماثلة لتلك التي تغذي الاحتجاجات في العراق ولبنان، اقتصادية واجتماعية وخدمية (عام 1979 كان سعر لتر البنزين 3 ريال، اليوم 40 ألف ريال)، وعبر دفع قواها في البلدين إلى التدخل، تسعى للمحافظة على نفوذها في فضائها القريب، وهذه إحدى معضلات الحال اﻹيرانية في ثورتي العراق ولبنان.

جانب مهم أظهرته الاحتجاجات العربية يتعلق بسياسة “تصدير الثورة” التي انتهجها وادّعاها طويلاً الحكم اﻹيراني، وكانت من أدوات توغله في الشرق اﻷوسط وفي جواره، فقد أظهرت ابتلاع “الدولة” للثورة، وأن إيران، اليوم وسابقاً، تستخدم منطق اﻷنظمة الشمولية نفسه في تبرير قمع الثورات التي هي دائماً “مؤامرات” ضدها وضد الأنظمة المشابهة لها، من دون أن يلغي ذلك بأي حال أن الآخرين غيرُ حاضرين في الساحة ويعملون ﻷجل مصالحهم، فصراع المشاريع اﻹقليمية (التركية واﻹسرائيلية واﻹيرانية) والدولية في المنطقة هو الأساس الذي تحاول الثورات الجديدة التخلص منه، وبغياب مشاريع وطنية ديمقراطية وتنموية حقيقة سيبقى الصراع على هذه المناطق مستمراً.

المراجع:
1-    طائرات إيرانية مقاتلة تقصف داعش”في العراق:
  https://www.skynewsarabia.com/middle-east/706783
2-    العراق يتصدر لائحة الدول اﻷكثر فساداً في العالم:
http://www.alhayat.com/article/923124/
3-    خامنئي يوجه نصيحة “للحريصين” في لبنان والعراق وسط مظاهرات البلدين:
https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2019/10/30/khameni-advise-iraq-lebanon-demonstrations
4-      إيران انترناشونال بالعربي، تاريخ 1 نوفمير 2019.
5-    الصدر يتراجع عن إقالة المهدي:
https://al-aalem.com/news/54537
6-    العراق.. لجنة للتحقيق بالعنف في المظاهرات وإحالة مسؤولين سابقين للقضاء بتهم فساد: https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/10/12/
7-     Iran’s Political Economy since the Revolution, By Suzanne Maloney, Campridge publication. 2015, p2.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق