قلم توك

الأصل السرياني لسوريا حقيقة تاريخية أم وهم متخيل

معاذ حسن

توطئة


ثمة ظاهرة خطيرة ملفتة للنظر في عالمنا العربي بدأت بالظهور منذ سبعينات القرن العشرين، حيث بدأت تظهر وتتكاثر دعوة البعض (شخصيات وأحزاب) شعوب هذه المجتمعات للعودة، في أصلها الحضاري الحقيقي، إلى أصولها العرقية التاريخية القديمة الموغلة في القدم، وإحياءها من جديد كقوميات وأمم حديثة خاصة.

يتجاهل أصحاب هذه الدعوات عن قصد إرث حضارة طويلة وعميقة الجذور عمرها يزيد على 1400 عام احتوت جميع هذه الشعوب بتعدد أصولها العرقية والحضارية السابقة عليها بتعدد غني، كالحضارة العربية الإسلامية لاسيما في حوض البحر الأبيض المتوسط. متناسين حقيقة تاريخية علمية أنه لا وجود في سيرورة المجتمعات البشرية لنقاء عرقي أو إثني صافي مستمر إلى الأبد.

وكأن هذه الدعوات تظهر فقط خلال فترات الاضطراب المجتمعي الكبير والمدمر، كأحد مؤشرات هذا الاضطراب المجتمعي الهائل ولتزيد الطينة بلل بتزيرها المجتمع أكثر وتعميق الهوة بين أبناءه.

فالبداية كانت في مصر أولا عندما تم القطع السياسي والاقتصادي مع المرحلة الناصرية والتحول غير المسبوق عربيا في التعامل مع إسرائيل والقضية الفلسطينية بداية حكم الرئيس “المؤمن” (أنور السادات) عندما بدأ من جديد التنظير بزخم للأصل الفرعوني لمصر على حساب فكرة العروبة والقومية العربية, شعار المرحلة الناصرية التي كان لها شبه إجماع في المجتمع المصري.

حدث إرباك في الوجدان الشعبي العام في مصر نتج عنه فراغ كبير في الوعي والوجدان الشعبي لم تستطع أن تملأه فكرة الأصل الفرعوني المفترضة بحكم القطع التاريخي الطويل والمجتمعي الكامل مع الحقبة الفرعونية القديمة جدا, فملأته فكرة الإسلام السياسي الذي عانت مصر من عصاب وخطورة تنظيماته الجهادية والسلفية الأصولية المتعددة طويلا.

كذلك في عشية الحرب الأهلية اللبنانية ففي لبنان عام 1975م عندما طغت على الوعي العام عصبيات عرقية وطائفية متعددة ظهرت من خلالها دعوات التنظير والعودة إلى أصل لبنان الفينيقي التي استفحلت بعنصرية بغيضة ضد كل هو عربي أو حتى لبناني معتدل طيلة الحرب حتى خبت كثيرا بعد انتهاء الحرب.

واليوم في سورية ثمة دعوات تماثلها تطالب بالعودة إلى الأصل السرياني للشعب السوري بالكامل مع اتهام المرحلة العربية الإسلامية فيها بالغزو الهمجي المستمر منذ قرون حيث قام على قوة السلف والقتل فقط, متناسين الإشعاع الثقافي والفكري والعلمي الذي كرسه الوجود العربي الإسلامي في سورية منذ القرن السادس الميلادي والدور الهام الذي لعبه مترجمين مسيحيين سريان عملوا في خدمة البلاط الأموي والعباسي عندما نقلوا فلسفة أفلاطون وأرسطو من اليونانية إلى العربية باهتمام خاص من الحكام المسلمين والعرب الذين استوعبوا أصحاب هذه الخبرات والكفاءات ومكنوها مع أهلهم السكان الأوائل دون إكراه أو قتل وتهجير.

فكيف يمكن التنكر لهذه العملية التاريخية الطويلة والمعقدة وتجاوزها ببساطة ليس لصالح دعوات مستقبلية وإنما لصالح العودة إلى انتماءات تعود إلى ما قبل الألف الأول قبل الميلاد؟!.

طبعا دون أن ننكر أن السريانية مرحلة تاريخية ثقافية هامة في تاريخ سورية القديم, كانت قد تكونت هي أيضا من تمازج وتداخل ثقافات وأعراق كانت قبلها, وليست جوهرا تاريخيا واحدا ثابتا لهويتها.

حول حقيقة الأصل السرياني لسورية

يرى الباحث الفرنسي (موريس سارتر) في كتابه الهام والممتع “سورية في العصور الكلاسيكية” الصادر عن وزارة الثقافة السورية عام 2008 ترجمة (محمد الدنيا), أن سورية كانت موجودة في التاريخ القديم على ملتقى الإمبراطوريات والشعوب لذلك فهي كانت دائما على تماس مع حضارات قديمة في حوض البحر الأبيض المتوسط وبلاد ما بين النهرين.

ولذلك فقد مر عليها وسكنها منذ قرون عديدة قبل الميلاد عدة شعوب وحضارات قديمة كالأشوريين والفيقيين والحثيين والأكاديين والكنعانيين والأراميين.

ونعلم جميعا أن هذه الشعوب وحضاراتها كانت وثنية في معتقدها الديني حتى ظهور المسيحية التي ظهرت بداية في فلسطين وبدأت انتشارها الأولي في سوريا القريبة وبلاد الشام عموما، حيث كانت الثقافة المهيمنة هي ثقافة ولغة الآراميين كأقوى لغة في ذلك الوقت، كونها اقتربت في كتابتها من الخط الأبجدي مما ساعد في انتشارها كلغة إدارية حتى بلاد فارس, كما يرى الباحث (سارتر) في كتابه.

إلا أن دخول العدد الكبير من الآراميين في الدين المسيحي منذ القرنين الأول والثاني للميلاد بدأت تظهر تسمية “السريان” لهؤلاء الآراميين الذين اعتنقوا المسيحية لتمييزهم عن الوثنية الآرامية السابقة وكشكل من أشكال القطع معها، فاشتقت لغة جديدة من اللغة الآرامية الأم اتفق على تسميتها بالسريانية التي صارت أقرب للغة الطقس الديني الكنسي في التبشير المسيحي لعموم المنطقة.

ويرى البعض أن أصل التسمية يعود لاسم البلد الذي انطلق منه التبشير المسيحي في عموم المنطقة وهو سوريا.

ومع ذلك فإن اللغة السريانية بقيت حتى بعد ظهور الدولة الأموية في دمشق لغة الدواوين والوزارة للخلافة الأموية حتى عهد الخليفة الخامس عبد الملك بن مروان الذي عرّب لغة الدواوين والإدارة بالكامل منذ أواخر القرن السابع الميلادي.

وهذا يعني أن الخلافة الأموية التي بدأت منذ بداية النصف الثاني للقرن السابع الميلادي 662 – 750 م تعاملت منذ بدايتها بعلاقة احترام مع السريان ولغتهم, وكذلك فعل العباسيون في أوج مجدهم.

لقد انصهر المسيحيون السريان في إطار الثقافة العربية الإسلامية وكان لهم فيها تأثير إيجابي مثمر من خلال الترجمات التي عملوا عليها خصوصا في نقل بعض أهم كتب الفلسفة اليونانية إلى العربية. أي أنهم شاركوا مشاركة فعالة وبناءة في إنتاج أساس فكري نظري هام للتراث العربي الإسلامي لاسيما لجهة الإنتاج النظري الفلسفي فيه.

وهذا أمر لا يمكن لأحد أن ينكره أبدا. إضافة إلى أنهم حافظوا على شخصيتهم المستقلة في اللغة وعلى تراثهم الثقافي الخاص في إطار الدولة العربية الإسلامية, وحتى ظهور الدولة الوطنية الحديثة بعد الانفكاك عن السلطنة العثمانية ومن ثم خروج المستعمر الغربي وحتى اليوم.

بدليل الدعوات المريبة التي تظهر بقوة اليوم لإعادة إحياء لغتهم كلغة قومية لكل السوريين مع ترحيل البدوان العرب المحتلين وإعادتهم لصحرائهم الذين جاؤوا منها غزاة منذ 1400 عام؟!. متناسين في ذلك أن الأصل الآرامي للسريان هم أيضا, ككل الشعوب غير البحرية في ذلك الوقت, شعوب وقبائل بدوية انطلقت من عمق الصحراء وباديتها في سوريا العراق منذ الألف الثالث قبل الميلاد.

الحقيقة التاريخية تقول أن السريان هم أحد المكونات التاريخية القديمة والهامة لسوريا. ولهم حقوقهم الثقافية والدينية التي يجب احترامها على الدوام في إطار دولة المواطنة المفترضة والصحيحة دستوريا.

أما الوهم المتخيل اللاعقلاني واللا تاريخي بأن الذي يقول بأن السريان هم المكون التاريخي الأصيل والوحيد لسوريا والمرور العربي الإسلامي عليها, المستمر حتى اليوم, ليس إلا شكلا من أشكال الغزو البدوي الهمجي والبشع. ومتناسين بذلك الحقيقة التاريخية الأهم وهي أن سورية وبلاد الشام عموما بحكم موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي الهام منذ عمق التاريخ فقد مرت عليها شعوب وحضارات عديدة وشهدت غزوات وحروبا كثيرة, وأن الذي أعطاها القوام المجتمعي المستقل والكامل المستمر حتى اليوم هو الفتح الإسلامي لها جميعا بشكل لم يحاول فيه تذويب أي شخصية عرقية ثقافية محلية بالإكراه داخل شخصية الفاتح المنتصر..

فهل يمكن لتعداد بشري يتراوح اليوم بين 250000 – 300000 ألف نسمة , وفي مصادر أخرى بين 700000 – 800000 ألف نسمة, كونه لا تتوفر إحصاءات رسمية دقيقة ومعتمدة, هم من أصل سرياني متبقي فعلا في سوريا وربما في بلاد الشام والعراق، المطالبة بأحقية تاريخية دائمة وحصرية بالوطن السوري, وهل يملك مقومات بناء دولة سورية من عرق مجتمعي ثقافي ديني صاف، في بلد كسوريا كان يبلغ تعداد سكانه منذ سنوات 22 مليون نسمة؟.

وفي حال فرضية استبعاد العرب, غير المعقولة, وهم الأكثرية القومية والعرقية الكبيرة جدا, فما هو مصير التعدد الغني في الثقافات والأعراق والديانات الذي يجمع بقية السوريين في لاحم وطني واحد في حال تم تسييد عرق ثقافي واحد عليهم كالسريان, باعتباره هو الجوهر التاريخي الأصيل والوحيد لسوريا.

أريد أن أسأل أصحاب هذه الدعوات الضيقة والبعيدة عن علوم الاجتماع والأنتربولوجيا والفهم التاريخي الصحيح إلى أين تريدون الوصول في دعواتكم هذه؟.

ثم ما الفرق بين دعواتكم هذه ودعوات السلفيات والأصوليات الدينية المفرطة في التكفير والإقصاء فالإلغاء وفتاوي القتل؟.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق