السلايد الرئيسيحصاد اليومشباك في المهجر

برلين ـ الفنّان التشكيلي ” علي عمّام”.. الفنّ هو القصيدة التي لم يجد الشاعر مفرداتها في كلّ اللغات

الاتحاد برس

إعداد وحوار: عبير صارم

كنت أحلم في طفولتي أن أحيا كـ”هايدي”،فتاة الرسوم المتحرّكة، في جبال خضراء تمتدُّ على مساحات واسعة، فجبالنا كانت جرداء صخرية، لكنّي اكتشفت لاحقًا أنّ جبال هايدي تفتقر للدفء…

هكذا كانت إجابة الفنّان التشكيلي السوري “علي عمّام” حين سألتُه: ألا تعتقد أنّك أفضل حالًا حيث تتواجد اليوم في ألمانيا؟

وتابع ” علي” “كانت تحيط بمدينة يبرود التي ولدت وترعرعت فيها الجبال ذات التيجان الصخرية، كنت أتأمّل تلك التيجان واستكشف الأشكال التي حفرتها آلاف السنين الماضية، وأرسم”.

بدأ شغفه بالفن منذ طفولته… يبدأ “عمّام” حكايته والحنين يتدفّق في صوته لتلك المرحلة من الطفولة “لاحقًا بدأت تدريبي في معهد أدهم إسماعيل للفنون لعدة أشهر، ثمّ انتسبت إلى كليّة الفنون الجميلة”.

“عمري آلاف السنين لكنني ما زلت طفلًأ” هكذا كانت إجابة “عمام” حين سألته: “ما هوعمرك الفنّي والبيولوجي”.

توقف الزمن بـ”علي” عند تلك الجبال، إذ كان يرسمها بطفولته الصاخبة.. يتكأ على ذاكرته البعيدة، حين كان يتكلّم السريانية بطلاقة ومازال. ولاينفك يتحدّث عن لغته الأم بشغف المشتاق..بلدته الصرخة بلغتها الأصلية الآرامية تسكنه.

يقول “عمام”: “إلى اليوم مازلت طفلًا يتأمل الجبال، رغم أني ولدت منذ آلاف السنين على تلك الأرض، سيّما وأني أتحدث اللغة الآرامية كلغة أمْ فأنا أنحدر من الصرخة، لكنّي ولدت وترعرعت  في يبرود حتى الوقت الذي ذهبت فيه إلى دمشق لأكمل دراستي الجامعية. والصرخة هي إحدى ثلاث قرى ما زالت تتحدّث الآرامية ” السريانية” ” “الصرخة، معلولا، جبعدين”

رحلة الوصول إلى ألمانيا كانت شاقّة، وشهدت نهاية العام 2015 وصوله إليها، حدّثني عمّام بأنّ اللغة الجديدة كانت العائق الأكبر أمامه… حياة جديدة وجو مختلف وثقافة غريبة لا تشبه ثقافته، لكنّ الفن عابر للغات ، وها هي الآفاق تتفتّح أمامه ليشارك في أولى معارضه في مدينة ” كمبتن” بمساعدة بعض الفنّانين الألمانيين الذين أعجبو وآمنوا بفنه.

وعن المعارض التي شارك بها حين سألته، يقول عمام ” شاركت بثلاث معارض مشتركة مهمّة في 2019، أحدها عُرض في جامعة الفن ” الأوديكا” واستمر لثلاثة أيّام وحضره ما يقارب العشرين ألف شخص،  واثنين بكولن في 2016 و2017 بعنوان “سوريا الفن والهروب” ، وأيضًا في فرانكفورت…. ومعرض فردي واحد بعنوان الأحلام الضائعة في 2017″

ألا تعتقد من المبكر جدًا أن نتحدّث عن أحلام ضائعة، وأنت اليوم في بلد يقدّر الفن وينهض به؟

” افتقد سوريا بكلّ تفاصيلها، وما عنيته  أنّ سوريا هو حلمي الضائع …” أجاب “علي” وصوته يتهدّج بالغصّة.

“عمّام” يريد الإبحار بنا إلى مرافئ الدهشة

يميل “علي عمام” للفن الحديث عمومًا، وبشكل خاص ينتمي للمدرسة التجريدية. يتميزهذا النوع من الفن بمقدرة الفنان على رسم الشكل الذي يتخيله سواء من الواقع أو الخيال في شكل جديد تمامًا، قد يتشابه أو لا يتشابه مع الشكل الأصلي للرسم النهائي.

يريد “علي عمّام” من خلال فنّه أن يبحر بنا إلى مرافئ الدهشة، وينقلنا إلى منافذ الأحلام بخلق لغة جديدة تعبّر عمّا يريد أن يقول…

هل أفكار علي في لوحاته تعبّر عن الواقع الحاضر أم عن ما يجب أن يكون عليه الواقع ” المثالية”؟

هكذا أجاب  “عمّام” معبّرًاعن مرافئ الدهشة بخلق جديد لايشبه أحد.

ثمّ استدرك قائلًا ” قد تعبّر أفكاري عن آمالي وطموحاتي، أو عن ذكرياتي وطفولتي، أو من الممكن أن أدع أحاسيسي تعمل، أو أضع دقّات قلبي كما هي في اللوحة، غيرمقيّدة بفكرة وحرف محدّد، هي فلسفة من الصعب قليلًا تفسيرها”…

يستوحي “عمّام” أفكار لوحاته  من الذكرة البصرية والوجدانية كما يقول، والشعور الواعي الآني.

ويبدو أنّ اللغة البصرية بما تحمل من رموز، وما تعكس من خطوط وألوان وتراكيب وصيغ، تكوّن مخزونًا ثريًا لمعظم لوحاته، لكنّ عمّام يعتقد بأن سوريا تفتقر لثقافة فنيّة بصرية بالشكل الكافي، في إجابته عن سؤالي حول الفنّ التشكيلي إلى أين؟.

ثمّ استدرك قائلًا: ” هناك تجارب جديّة لفنّانين شبّان وهذا مبشّر بالخير، ونحن نحتاج إلى تمكين الثقافة الفنّية في مجتمعاتنا”.

وأمّا عن الفنّانين التشكيلييّن الذين يفضل فنّهم علي عمّام فيقول: إن ” الأسماء كثيرة على سبيل المثال فان كوخ، فاتح مدّرس، أسعد فرزات، Georg Baselitz“.

الحرب في سوريا… هل هي حاضرة في لوحات ” علي عمّام” وما تأثيرها على فنّه؟

وتظهر إحدى اللوحات التي أرسلها لي “علي عمّام ” كما خُيّل إلىّ، حالةً الضياع والغرق في زوبعةٍ ل “بقايا فتاةٍ” على ظهر ما يشبه الحصان ، تنساب المساحات اللونية السماوية بشكل هائج، يتخللها مساحات ضوئية بسيطة، وكأنّ “عمّام” يريد أن يقول، ” لاوجود للضوء اليوم” ، اللون الأصفر يتخلل اللوحة بمساحة واسعة، لون الموت؟؟… الآمال مغلقة في اللوحة.

سألني “عمّام ” ما الشعور الذي انتابك عندما ِشاهدتِ اللوحة؟

أجبت “دوّامة .. زوبعة”…، لكنّه لم يعلق… فكما يحب أن يقول اللوحة  قصيدة ، والقصيدة لا تُشرح، ولكنّها تدفّق لأحاسيس  قد لا تكون مفهومة بالضرورة.

رسالة عمّام التي  يريد أن يوصلها من خلال فنّه تشبهه، يتمنّى السلام بين الشعوب والحب للإنسانيّة، يعتقد “علي عمّام” أنّ وصول الفن لقلوب البشرية سيمنع الحروب بينهم، ستصبح قلوبهم أرق”.

وعن طموح “عمّام” فهو ليس طموحًا على الصعيد الشخصي، وإنما على نحو عام، ” أن نظهر نحن كسوريين بالوجه الحضاري المثالي من خلال الفن أو غيره في مجالات الحياة”، وقد أخبرنا عن جديده “أنا في بحث مستمرعن ذاتي”….

ويبقى شغف “علي عمّام” بحركة مستمرة عن خلق جديدٍ، يحاول أن يخرجه من لغته الخاصّة، التي ستجدها في كل لوحة شُكّلت وسشتكل بأنامله المبدعة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق