قلم توكموزاييك

سليماني والعدالة المفقودة

الاتحاد برس

أكثر ما ميّز الحراك في لبنان والعراق، هو ابتعاده عن الاصطفاف الطائفي. فكان أن شهدت مدن ومحلات في كلا البلدين تظاهرات ضد ممثلي طوائفها التقليديين في سابقة غير معهودة. وفي كلا البلدين، لم يكن الشارع معادياً لهذا الطرف أكثر من ذاك بل طال طبقة سياسية بكل ممثليها.

بالمقابل، وفي كلا البلدين أيضاً، حاولت السلطات القائمة إعادة الشارع إلى مربعه الطائفي الأول. فالتعامل مع الغرائز الطائفية وحقنها وهو من اختصاص السلطات، يبقى أسهل وأكثر فعالية مع شارع يستنبط وسائل مجابهة جديدة غير طائفية بالتعريف.

من ناحية أخرى، قد يتفق بعض المحللين مع فرضية أن الربيع العربي له أكثر من عدو في الداخل والخارج معاً، وأن مروحة الدول التي تحارب التغيرات تبدأ من إيران لتعبر الإمارات والسعودية وصولاً إلى الولايات المتحدة. 

من هذه الزاوية تحديداً- بالإضافة إلى عوامل أخرى- تبدو عملية اغتيال قاسم سليماني وكأنها توجه الحراك أقله في لبنان والعراق، إلى مربعه الطائفي الأول. فقد ارتفعت مباشرة صيحات الفرح التي سرعان ما استعادت كلمات الفرس والصفويين، بينما استعاد الشارع المقابل مفردات الانتقام والمعركة المستمرة والشيطان الأميركي. قد تكون هذه أولى ” الأضرار الجانبية” لعملية الإغتيال والتي تمت في عاصمة عربية تحولت إلى مسرح لتصفية حسابات دولية وإقليمية. ولا شك أن كلا الطرفين، الأميركي والإيراني، سيحاول الاستثمار في شارعه المحتقن ضد الشارع الآخر. 

لا بد من ملاحظة أن قتْلَ سليماني تم ضمن إطار معركة أميركية إيرانية مستمّرة ومرشحة للتصاعد و لم يكن  للممتعضين ولا للمبتهجين بموته أي دور فيها. فقاتل سليماني يفوقه شرا مضافاً إليه إمكانيات بلاده العملاقة، وهو مهود القدس والجولان، ومبتز العرب الأول، وأسوأ رئيس أميركي وأكثرهم عنصرية. 

قمة العجز أن تلتهب فرحاً لحدثٍ لست بصانعهِ، وقد يكون بطله اليوم قاتلك غداً، و ربما يجدر بالشعوب التي تدفع أكثر من غيرها ثمن حريتها و أثمان تكالب الأصدقاء والأعداء عليها، أن تتعلم من دروس الماضي القريب، فهناك من انتشى حين قُتِلَ صدام والقذافي وبن لادن والزرقاوي  والبغدادي، ولم يتغير في حالنا البائس شىء، وحدها نشوة الانتقام التي لم نكن مرةً صناعها، تدوم لحظات قبل أن نكتشف أننا نسير منتشين إلى كارثة أكبر.

سليماني قُتِلَ في العراق، والسؤال حول مشروعية وجوده هناك  ضروري، لكنه نصف سؤال اذا لم يقترن بالتساؤل حول مشروعية أن تستهدف أميركا أحد أعدائها على أرضٍ ليست لها؟ فإذا كان بإمكان  أميركا أن تترقب سليماني وتصطاده في العراق، فذلك يعني أنه كان بمقدورها إصطياده في إيران أيضاً، لكنها لم تفعل!

ذلك أن استسهال سمواتنا وأراضينا وإنساننا أقل كلفة من مهاجمة أية بلادٍ أخرى تملك منعة وطنية لم نعد نملكها.

لم أبتهج لموت قاسم سليماني، لم أحزن أيضاً. عادة لا أبتهج بأي موت ولا لأي موت، وليس في مقتله أية عدالة مستعادة، ولا حتى أي إقتراب منها. وترامب بما هو عليه من عنصرية وعنجهية، يتعامل مع بلادنا بما يليق به، وبما يظن أنه يليق بنا: هو لا يرى فينا إلا الوحش، يثير الغرائز الكامنة فينا كي نرقص ونوزع البقلاوة ونصرخ، ونعد بالمزيد دون أن نكون فاعلين في أي من أمورنا.

ليست شعوبنا هكذا، ولا ينبغي لها أن تكونه بعد كل هذه التضحيات وكل الدم الذي بُذل من أجل الكرامة والعدالة والحرية، فليس حراً من يقتل عدوه خصمه، وليس حراً من لا يتعلم، ولأنه يحترم نفسه، إحترام أعدائه. و ليس حراً من لا يرى أن انتهاك سماؤه وأرضه هي انتهاك له ولحريته أولاً.

العدالة، أي الابتعاد عن نغمة الانتقام السهل، هي وحدها من ستضع ثورات الربيع على مسارٍ واعد، وهو المسار الوحيد الذي يُهدد فعلياً ديكتاتوريات الاستبداد وفسادهم  خاصة عندما تتحول إلى مطلب يدين قبل غيره، كل اغتيال وكل قتل لا تسبقه محكمة. العدالة ذاتها التي تهدد ترامب في عقر داره، يهرب منها، يغتال، ثم يغرد، ثم نصفق له ونعيد تأهيل يد ترامب الضاربة، محولين كابوس وجوده اليوم إلى احتمال كابوس جديد أعواماً أربعة جديدة سيصاحبها آلام وموت راهن و آخر مؤجل لن نكون إلا مسرحه الدائم المتجدد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق